آخر الأخبار

رمضان في بلاد الرافدين.. طقوس لا تشيخ وعادات توحد العراقيين

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بغداد – مع دخول رمضان المبارك، تبدأ رحلة العراقيين السنوية التي تستمر ثلاثين يوما، تختلف فيها طقوسهم وعاداتهم؛ إذ يرون أنها فرصة لتجديد الروح الاجتماعية والإيمانية التي قد تخبو وتتأثر بضغوط الأحد عشر شهرا المتبقية من العام.

يقول الحاج عبد الكريم أحمد، واصفا أجواء الشهر الكريم في العاصمة بغداد: "إنها فرصة لتجديد الروح والإيمان والحياة الاجتماعية؛ فطقوس رمضان وعاداته تنتظرها العوائل العراقية كل عام من زاخو إلى الفاو بكل شوق، ولا يمكن مقارنة أجواء الشهر الفضيل ولياليه ببقية أيام السنة".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس
* list 2 of 2 كيف غيرت الحرب عادات رمضان في غزة؟ end of list

ويضيف الحاج عبد الكريم أن الشهر يمثل فرصة ذهبية لجميع الأجيال لإعادة استكشاف الموروث العراقي بكل ما يشمله من أجواء روحانية، واجتماعات عائلية، وتزيين للطرقات، وأصوات للصلوات في المساجد، إضافة إلى الموروث العراقي المعروف بتميز مطبخه الرمضاني وما يزخر به من أكلات وحلويات خاصة.

طقوس متوارثة عبر الأجيال

تتنوع العادات الرمضانية في العراق ما بين ألعاب موغلة في القدم وأخرى بدأ انتشارها منذ عقود.

ولعل أهم ما ارتبط بالموروث الشعبي العراقي هو لعبة "المحيبس" (البحث عن الخاتم بين أيدي اللاعبين)، التي تمتد جذورها إلى العهد العباسي، وذلك وفقا لما أكده رئيس اتحاد اللعبة جاسم الأسود للجزيرة نت.

ويضيف الأسود أن هذه اللعبة تتخللها مسابقات بين فرق شعبية من أحياء الأعظمية والفضل والكفاح ومناطق أخرى، غير أنها تُلعب أيضا ضمن العائلة الواحدة خلال السهرات الرمضانية.

ويرى الشاب البغدادي "محمد علي" أن العادات الرمضانية للشباب تبدأ عادة من بعد الإفطار وحتى ما قبل موعد السحور بقليل، وتتخللها مختلف الألعاب والفعاليات.

ويبيّن في حديثه للجزيرة نت أن بعض الشباب يمارسون لعبة "المحيبس"، بينما يفضل آخرون الاجتماع في المقاهي، سواء الشعبية أو الحديثة، للعب "الدومنة" (الدومينو) المكونة من 28 قطعة ذات الطرق المتعددة، في حين يلجأ آخرون للعب "الطاولة" التي يرجع تاريخها إلى حضارات العراق القديمة، وتُعرف تاريخيا بلعبة "أور الملكية".

إعلان

وعادة ما تجد العوائل العراقية في الشهر الفضيل فرصة لاجتماع أفرادها؛ نظرا لما يوفره موعدا الإفطار والسحور من توقيتات مقدسة لا يمكن الخروج عنها، إضافة إلى أوقات ما بعد الإفطار، التي يعدها العراقيون فرصة للتنزه واصطحاب الأطفال إلى الحدائق العامة، والبازارات، والمتنزهات؛ لرؤية مدافع الإفطار والزينة الرمضانية التي تزدان بها الساحات العامة والطرقات.

مصدر الصورة حلويات البلح من أطباق الحلويات الرئيسية في رمضان (الجزيرة)

وفي الأزقة القديمة لكثير من المدن العراقية، عادة ما يظهر المسحرجي (شخص يقرع على الطبل لإيقاظ الناس وقت السحور) كظاهرة مرتبطة بالشهر الفضيل، وهو ما يراه الشاب الموصلي عمر أكرم موروثا شعبيا موغلا في القدم ويضفي على رمضان نكهة خاصة، لاسيما عند الأطفال.

وفي مدينة الموصل (شمال العراق) عادت منذ سنوات -وفق الشاب الموصلي- موروثات شعبية عديدة منها جلسات الحكواتي (القصخون) الذي يروي القصص والأساطير القديمة في بعض المقاهي الشعبية في أزقة الموصل القديمة مثل مقهى بيتنا ومقهى التراث الموصلي.

روحانية الشهر الفضيل

لا تقف العادات الرمضانية في العراق عند الألعاب الشعبية والسهرات؛ فالروح الإيمانية تتجلى في هذا الشهر في غالبية المدن العراقية، لاسيما مع امتلاء المساجد بالمصلين في صلاة التراويح، واصطحاب الأهالي للأطفال لتعريفهم بالسلوكيات الإيمانية والشعائر الفضيلة.

وعادة ما تكون المساجد القديمة عنوانا لهذه التجمعات؛ كما في جامع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ببغداد، والجامع النوري الكبير في الموصل الذي أُعيد افتتاحه هذا العام بعد إعماره، وغيرها من المساجد التاريخية في مختلف المحافظات.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى الشيخ محمد قاسم -إمام أحد مساجد الموصل- أن الشهر الفضيل يعد فرصة لتجديد الإيمان والسمو الروحي والأخلاقي، وتذكيرا للكبار وتعريفا لليافعين بفضائل شهر رمضان، وذلك عبر المحاضرات الرمضانية التي تُلقى عادة بين صلاتي العشاء والتراويح، وتمتد لدقائق معدودة يركز فيها الدعاة على ماهية فضائل الشهر الكريم ومناقبه.

تمتد روحانيات رمضان في العراق من المساجد إلى التكافل الاجتماعي، الذي يظهر في أبهى صوره خلال أيام الشهر الفضيل؛ إذ اعتادت الأسر تبادل أطباق الطعام فيما بينها، حتى يكاد البيت الواحد يجد على مائدة إفطاره أصنافا عديدة أعدها الجيران وتبادلوها كجزء من تقاليد "المائدة المشتركة".

كما اعتاد العراقيون منذ عقود على إخراج زكاة أموالهم خلال الشهر الفضيل، وهو ما يؤكده الشيخ محمد قاسم بالقول: "رغم أنه لم يرد في السيرة النبوية ما يشير إلى تحديد وقت إخراج الزكاة بشهر رمضان، إلا أن كثيرا من العراقيين – وخاصة في الموصل مثلا – يؤدونها في هذا الشهر؛ انطلاقا من روح التكافل الاجتماعي، وسعيا لإعانة الأسر المتعففة، وتوفير احتياجاتها لرمضان ولعيد الفطر أيضا".

ومن الموصل إلى بغداد، يرى العم خضر الزبيدي (72 عامًا) أن العراق، ورغم ما شهده من ظروف طيلة العقود الماضية، يظل الشهر الفضيل فيه عنوانا للتآخي وبث روح الوحدة والألفة بين مختلف مكوناته.

إعلان

وفي حديثه للجزيرة نت، يستشهد الزبيدي بمشاهد من هذه الألفة في توزيع السلال الغذائية الرمضانية والإعانات المالية، التي عادة ما توضع في مغلفات ويحرص أصحابها على إيصالها للأسر المتعففة في المناطق الفقيرة، سواء في بغداد أو في بقية مدن البلاد، مع إصرار المتبرعين على إبقاء هويتهم طي الكتمان.

موروث الأكلات الرمضانية

يزخر المطبخ العراقي بتنوع كبير في وقت الإفطار سواء من حيث المأكولات الشعبية أو الحلويات التي اشتهرت بها البلاد على مر العصور، حيث يتنوع هذا الموروث الشعبي في الطعام وتختلف مكوناته ووصفاته بين مدينة وأخرى.

ففي العاصمة مثلا، يزخر المطبخ البغدادي بالعديد من أصناف الطعام الشهية، حيث تأتي في مقدمتها شوربة العدس والدولمة (المحاشي) ومرق البامية وتشريب الدجاج واللحم وكبة الأرز والبرياني والكباب بأنواعه المختلفة والسمك المسكوف، فضلا عما تتمتع به مناطق غرب بغداد ومحافظة الأنبار من أكلات شعبية شهيرة مثل الدليمية والثريد والمشويات المتنوعة.

في حين يزخر المطبخ الموصلي بأكلات شهية أخرى لعل أهمها الدولمة الموصلية وكبة السراي والكباب والطرشانة المعروفة في الموصل بـ(القِيسي)، فضلا عن شربت الزبيب الشهير والطرشي الموصلي، في الوقت الذي تعرف الموصل في وقت السحور بـ(الحنينية) وهي خليط من التمر والبيض المقلي وفق وصفة خاصة، إضافة إلى الحلويات المتنوعة التي يبرز منها في رمضان البقلاوة والزلابية والزنود والبلح.

وبالاتجاه جنوبا، حيث عادة ما تعرف محافظات جنوب العراق بالعديد من الأطباق الرمضانية اللذيذة التي تبرز منها القيمة النجفية والمسكوف ومطبق السمك على الأرز والثريد والطرشي النجفي الشهير والدهين الذي يتكون من الطحين والسكر وجوز الهند والهيل والمكسرات والسمن الحيواني ودبس التمر الذي يضفي عليها نكهة مميزة ولونا داكنا.

أما في البصرة، فيضاف إلى هذه الأصناف النجفية أكلة المسموطة المتكونة من السمك المطهي بطريقة فريدة لا تعرفها إلا مدن جنوب البلاد، إضافة إلى المقلوبة البصرية ومختلف أنواع الأسماك البحرية التي تعكس هوية البصرة المطلة على الخليج العربي.

ويشير تنوع الفعاليات الرمضانية في العراق ما بين عادات وتقاليد وألعاب وموروث شعبي على موائد الإفطار إلى خصوصية البلاد وتفردها عن غيرها من الأمصار، فتنوع حضارات ما بين الرافدين وامتدادها لآلاف السنين قبل الميلاد، إضافة إلى الحضارات الإسلامية المتعاقبة أتاح للعراقيين في رمضان فرصة للتعبير عن موروثاتهم الشعبية في العادات والطعام والشراب بعد أن تناقلوها جيلا بعد جيل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا