آخر الأخبار

ماذا يعني إخلاء مخيم الهول سياسيا وأمنيا لدمشق؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

دمشق- لم يكن مخيم الهول شمال شرقي سوريا، مجرد مساحة إيواء للنازحين، بل تحول على مدى سنوات إلى واحدة من أعقد معضلات الحرب السورية، ومع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مطلع العام الجاري، ثم عودة الحكومة السورية وبسط سيطرتها على المخيم، وصولا إلى قرار إخلائه ونقل قاطنيه، عاد المخيم إلى واجهة الجدل، ليس بوصفه ملفا إنسانيا فحسب، بل كعنوان لتحولات أمنية وسياسية أعمق تعيد رسم ملامح المشهد السوري في مرحلة جديدة.

وشكّل مخيم الهول، الذي يضم عائلات مرتبطة بعناصر من تنظيم الدولة الإسلامية، وغالبيتهم من النساء والأطفال، هاجسا أمنيا إقليميا ودوليا منذ إعادة تشغيله عام 2016 تحت إشراف الإدارة الذاتية التابعة لقوات (قسد).

وفي 17 فبراير/شباط الجاري، أعلنت الحكومة السورية في دمشق قرارها إخلاء مخيم الهول بالكامل خلال أسبوع، ونقل قاطنيه إلى مخيم يقع قرب مدينة أخترين في ريف حلب الشمالي، وفق ما صرح به فادي القاسم، المسؤول الحكومي المكلف بإدارة شؤون المخيم.

وبينما يثير هذا القرار تساؤلات أمنية إقليمية ودولية، يرى خبراء ومحللون أن إخلاء المخيم يحمل في طياته دلالات سياسية تعكس تحولات لافتة في المشهد السوري، في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، وإعادة تموضع مؤسسات الدولة في مناطق كانت خارجة عن سيطرتها.

خطة دمج اجتماعي

وفيما يتصل بمقاربة الحكومة السورية للتعامل مع سكان مخيم الهول، يقول منذر السلال، مدير وحدة دعم الاستقرار، وهي منظمة سورية غير حكومية تشرف على تنفيذ عمليات نقل ومساعدة ودمج عائلات المخيم، إن سلسلة اجتماعات عقدت مع مسؤولين في عدد من الوزارات، ومع إدارة المخيم التابعة للدولة، أظهرت توجها واضحا للتعامل مع القاطنين بوصفهم ضحايا، لا كحالة أمنية فقط.

ويشير السلال، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن الصورة النمطية السائدة عن سكان المخيم غير دقيقة، موضحا أن الغالبية العظمى منهم من النساء والأطفال الذين وجدوا أنفسهم في المخيم بسبب ارتباط ذويهم بتنظيم الدولة.

إعلان

ويؤكد أن المتهمين أو المنتمين للتنظيم مكانهم الطبيعي هو القضاء والسجون، في حين بقيت هذه العائلات لسنوات في وضع يشبه الإقامة الجبرية من دون محاكمات مباشرة.

ويضيف أن الدولة السورية، بعد استعادة السيطرة على المخيم، حددت عددا من الإشكاليات الأساسية، في مقدمتها الموقع الجغرافي النائي للهول في منطقة شبه صحراوية تفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات الإنسانية، إلى جانب السمعة السلبية التي التصقت بالمخيم على مدار سنوات.

ويؤكد السلال وجود "خطة دمج اجتماعي" بدأت فعليا مع نقل العائلات إلى مخيم أخترين، الذي يتمتع بظروف إنسانية أفضل، ويقع في منطقة أكثر قابلية للضبط والتنظيم، ما يسهّل عمل الحكومة والمنظمات الإنسانية مقارنة بمخيم الهول واسع المساحة.

ويوضح أن نقل العائلات يُشكل المرحلة الأولى من مسار الدمج، ويقوم على تجميعها في بيئة خدمية مؤهلة تتيح تقديم دعم نفسي وطبي ممنهج. كما يشير إلى أن المنظمات الإنسانية والتنموية ستباشر من داخل المخيم الجديد تنفيذ برامج الإدماج، مستفيدة من سهولة الوصول إلى الموقع وقربه الجغرافي.

وبحسب السلال، تشمل المراحل اللاحقة التركيز على الأطفال واليافعين عبر برامج تعليمية، إلى جانب تمكين النساء مهنيا وتعزيز سبل العيش، والعمل على تأمين مساكن مناسبة، فضلا عن استكمال الوثائق الثبوتية، تمهيدا لإعادة العائلات إلى مناطقها الأصلية بعد استكمال الإجراءات اللازمة.

واقع أمني جديد

من جهته، يرى الخبير في الشؤون الأمنية ضياء قدور أن يناير/كانون الثاني الماضي شكّل نقطة تحول حاسمة في مسار الأزمة الأمنية المرتبطة بمخيم الهول. ويوضح أن الانسحاب المفاجئ لقوات قسد أفضى إلى حالة من السيولة المؤسسية المؤقتة، رغم قصر مدتها.

ويشير قدور، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن هذا الفراغ، وإن استمر أياما فقط، سمح بحدوث حالات نزوح غير منظم شملت نحو 40% من القاطنين، ولاسيما من الفئات المصنفة عالية الخطورة، وبينهم رعايا أجانب وعراقيون.

ويضيف أن هذا الانكشاف الأمني استدعى تدخلا عاجلا من مؤسسات الدولة السورية، التي سارعت إلى إعادة تنظيم عمليات الإخلاء ونقل العائلات السورية إلى مراكز إيواء مجهزة في أخترين، ضمن مسار تنسيقي جمع بين الأجهزة التنفيذية والمنظمات الإنسانية، من بينها الهلال الأحمر العربي السوري والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وحول التحول الأمني المرافق لإخلاء المخيم، يرى قدور أن الانتقال من نموذج الاحتجاز الجماعي إلى التفكيك والإخلاء يفرض واقعا أمنيا جديدا، تتحول فيه طبيعة الخطر من تهديد مركزي قابل للرصد داخل معسكر مغلق، إلى خطر مشتت يعتمد التخفي والاندماج المجتمعي.

ويحذر من أن انتهاء المخيم ككيان مادي لا يعني بالضرورة زوال آثاره الأيديولوجية، إذ قد تنتقل عبر أفراد فارين إلى مناطق البادية أو عبر الحدود نحو دول الجوار.

وفي المقابل، يشير إلى أن بسط السيادة الوطنية يوفر بيئة أكثر استقرارا لمعالجة هذا التحدي، ويعزز التنسيق الأمني مع العراق، بما يضع حدا لتوظيف هذا الملف سياسيا.

خبرة وتحديات أمنية

وفي تقييمه لقدرات الحكومة السورية على إدارة هذا الملف، يؤكد قدور أن الدولة تمتلك خبرة ميدانية واستخباراتية متراكمة في ملاحقة التنظيمات المتطرفة، مدعومة بشبكات رصد في البادية والمنطقة الشرقية، ما ينعكس في قدرتها على تأمين عمليات النقل وضبط الممرات الإنسانية.

إعلان

ورغم ذلك، لا ينفي وجود تحديات لوجستية مرتبطة باتساع الرقعة الجغرافية وصعوبة تعقب العناصر الفارة، لكنه يرى أن تفكيك التجمعات المغلقة يمنح الأجهزة الأمنية هامش مبادرة أكبر عبر حرمان تلك المجموعات من الملاذات وقواعد الإمداد.

ويشدد قدور على أن الاستقرار المستدام يتطلب إستراتيجية شاملة تتجاوز المقاربة الأمنية، لتشمل أبعادا نفسية واجتماعية، عبر برامج إعادة دمج، وتعليم، وتدريب مهني، لاسيما للفئات العمرية الصغيرة، إلى جانب تفعيل الرقابة المجتمعية وتشكيل لجان متابعة في مناطق الاستقبال، وضمان حماية المجتمعات المضيفة.

كما يدعو إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين سوريا والعراق وتركيا، واستخدام تقنيات الرصد الحديثة لتأمين الحدود، والضغط دبلوماسيا على الدول الأصلية لاستعادة رعاياها، معتبرا أن التوازن بين الحزم الأمني والاحتواء الإنساني سيحدد ملامح المرحلة المقبلة.

دلالات سياسية

وفي قراءة سياسية لإخلاء مخيم الهول، يرى المحلل عبد الكريم العمر أن قوات سوريا الديمقراطية تعاملت مع ملف المخيم خلال السنوات الماضية بوصفه ورقة ضغط سياسية، مشيرا إلى أن عودة المخيم إلى سيطرة الدولة السورية تعني استعادة دمشق أحد أكثر ملفات الإرهاب حساسية بعد أن كان يدار من قِبَل قسد بدعم أمريكي.

ويقول العمر، في حديثه للجزيرة نت، إن تفكيك المخيم ونقل قاطنيه يمثل سياسيا انتقال ملف أمني بالغ التعقيد من إطار إدارة غير مركزية إلى مؤسسات الدولة، بما يعزز خطاب دمشق باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بإدارة ملف مكافحة الإرهاب، ويُقلص في الوقت نفسه أحد أبرز مبررات الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرقي سوريا.

ويضيف أن هذه الخطوات تعزّز الشرعية الداخلية للحكومة السورية، وتبرز قدرتها على بسط سيطرتها على الجغرافيا السورية واستعادة القرار الأمني من أطراف محلية أو خارجية، فضلا عن تقديمها بوصفها ضامنا للاستقرار ومنع إعادة تشكُّل خلايا متطرفة.

كما يشير إلى أن إخلاء المخيم قد يفتح المجال أمام قنوات تواصل أمني مع دول إقليمية وأوروبية في إطار التعاون لمكافحة الإرهاب، خاصة في ظل تحول الملف من عبء أمني وإنساني إلى ورقة تفاوضية جديدة في السياسة الإقليمية والدولية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا