آخر الأخبار

عالم تسوده “شريعة الغاب”.. غوتيريش في خطبة الوداع

شارك

هو المؤتمر الصحفي الذي يعقده في مستهل عامه الأخير بالمنصب، ولذلك جاء حافلا بالكثير من الصراحة والإثارة، وعاكسا لبعض ما يعانيه العالم وسكانه.

إنه الدبلوماسي البرتغالي أنطونيو غوتيريش الذي تولى منصبه كأمين عام للأمم المتحدة في عام 2017، وتنتهي ولايته الثانية والأخيرة أواخر العام الحالي 2026.

وخلال هذه الولاية الثانية، اندلعت في العالم عدة صراعات كبرى أبرزها الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك الصراع في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، إضافة إلى حرب إبادة شنتها إسرائيل على قطاع غزة الفلسطيني لأكثر من عامين.

ليس هذا فقط، فهناك حرب الاثني عشر يوما بين إسرائيل وإيران، والتي انضمت إليها الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة لتستهدف بطائراتها القاذفة مواقع لمفاعلات نووية، تؤكد إيران أنها ضمن حقوقها في تطوير استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.

وبعد نصف عام من تلك الحرب التي جرت في يونيو/حزيران الماضي، يقف العالم على أطراف أصابعه منذ أيام تحسبا لضربة يتوقع الكثيرون أن توجهها الولايات المتحدة إلى إيران، أملا في تغيير النظام هناك أو على الأقل إضعافه بشكل كبير.

خطف وضم وعقوبات

وبالتزامن مع الحروب، يتصاعد التوتر بأشكال جديدة في ظل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي هدد حتى عددا من حلفاء بلاده، ففرض عقوبات ورسوما جمركية، كما طالب بضم مناطق منها جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك، قبل أن يرسل قوات خاصة تختطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مقر حكمه.

لعل هذا وغيره كان في ذهن الدبلوماسي العجوز وهو يتحدث في مستهل عامه الأخير، ويبدأ العد التنازلي لمغادرة الطابق رقم 38 في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك الأميركية.

ولذلك لم تكن نبرة الدبلوماسية الناعمة غالبة على كلام الرجل كما المعتاد من أمثاله من الدبلوماسيين، في عالم يسعى فيه هؤلاء إلى تجميل القبيح أو التخفيف من وطأة كل ثقيل، ولو بالعبارات الجذابة إذا لم نصفها بالمخادعة.

إعلان

في كلمته التي ألقاها مساء الخميس بتوقيت نيويورك، قال غوتيريش إن "مشكلات العالم لن تُحل بهيمنة دولة واحدة على مقاليد الأمور بحيث تتخذ وحدها القرارات، كما أنها لن تُحل أيضا من خلال قوتين تقسمان العالم إلى مناطق نفوذ متنافسة".

مصدر الصورة الصحفيون استغلوا صراحة غوتيريش للحصول على المزيد (رويترز)

محرك الصراعات

وعندما طلب الصحفيون منه مزيدا من التوضيح، قال: "إننا نرى، ويرى كثيرون -فيما يتعلق بالمستقبل- فكرة وجود قطبين، أحدهما الولايات المتحدة والآخر الصين.. إذا أردنا عالما مستقرا، إذا أردنا عالما يمكن فيه استدامة السلام، وحيث يمكن تعميم التنمية، وحيث تسود قيمنا في النهاية، فيتعين علينا أن ⁠ندعم التعددية القطبية".

غوتيريش الذي يقترب من إكمال عامه السابع والسبعين في هذه الحياة، أطلق تحذيرا ليس جديدا رغم خطورته، إذْ قال إن القانون الدولي يتعرض للانتهاك بينما يتآكل التعاون، وتتعرض المؤسسات المتعددة الأطراف للهجوم على جبهات عديدة".

الأمين العام للأمم المتحدة واصل ما بدا أقرب إلى بيان تحذيري للعالم مؤكدا أن "الإفلات من العقاب بات محرك الصراعات الحالية، مما يؤجج التصعيد، ويوسع نطاق عدم الثقة، ويفتح الأبواب أمام المفسدين الأقوياء للدخول من كل اتجاه".

غوتيريش بدا إذن وكأنه يحذر من فخ يندفع إليه العالم عبر الثنائية القطبية بين واشنطن وبكين، مؤكدا أن محاولة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ -وهي الرؤية التي يتبناها ترمب في ولايته الثانية- لا تعني سوى العودة إلى عصور الظلام الدبلوماسي.

فالتعددية القطبية -وفقا لما عبر عنه الدبلوماسي العجوز- ليست مجرد خيار سياسي، بل هي ضرورة وجودية؛ فالعالم اليوم "مترابط" لدرجة تجعل انفراد قوة واحدة بالقرار، أو تقاسمه بين قوتين، وصفة مؤكدة لعدم الاستقرار. ولذلك يجدر بالعالم أن يتحول من تحالفات السلاح إلى شراكات التكنولوجيا والتجارة.

القانون الدولي وقائمة الطعام

وبعدما كانت ولايته الثانية أكثر اضطراباً ووجد نفسه أمام اختبارات قاسية ضربت مصداقية المنظمة الدولية في مقتل؛ بدا واضحا أن غوتيريش اختار مصارحة العالم بأن "القانون الدولي بات يُعامل كقائمة طعام اختيارية"، تختار منها القوى العظمى ما يناسب مصالحها وتتجاهل ما يدينها.

ومن غزة التي وصف سابقاً ما يحدث فيها بالانهيار الإنساني غير المسبوق، إلى أوكرانيا والسودان؛ رسم غوتيريش لوحة قاتمة لعالم يسوده "الإفلات من العقاب". واعتبر أن هذا الإفلات هو "المحرك السري" للصراعات، حيث يرى "المفسدون الأقوياء" أن الأبواب مشرعة أمامهم لانتهاك السيادة وحقوق الإنسان دون رادع حقيقي.

وفي واحدة من أكثر نقاط المؤتمر إثارة، دافع غوتيريش عن "حصرية" دور مجلس الأمن في حفظ السلام، وهو ما بدا ردا على "مجلس السلام" الذي أسسه ترمب مؤخراً ككيان موازٍ للمنظمة الأممية.

يرى غوتيريش أن أي تحالفات "مؤقتة" أو هيئات خارج مظلة الأمم المتحدة لا تملك الشرعية القانونية لإلزام الدول، وأن الخروج عن مسار المنظمة الدولية يعني الدخول رسمياً في عصر "شريعة الغاب"، حيث يفرض القوي إرادته تحت مسمى "السلام".

الوصية الأخيرة

لم يكتفِ غوتيريش بالتشخيص، بل قدم ما يشبه "خريطة طريق" رمزية وعملية لخلفه:

إعلان

* ثورة القيادة: صرّح بجرأة بأن "الوقت قد حان لتقود امرأة الأمم المتحدة"، وهي رسالة قوية للمجتمع الدولي لكسر الجمود التاريخي في أعلى منصب دبلوماسي عالمي.
* الاستقلال المالي: في ظل الأزمة المالية التي تعيشها المنظمة بسبب تمنُّع واشنطن عن السداد، شدد غوتيريش على مشروع "يو.أن 80" للإصلاح، بهدف تحويل الأمم المتحدة إلى مؤسسة أكثر رشاقة وكفاءة، وأقل ارتهاناً للابتزاز المالي.
* الحقوق المدنية: لم ينسَ غوتيريش البُعد الداخلي الأمريكي، فدعا السلطات إلى ضبط النفس تجاه المتظاهرين، في إشارة إلى أن قيم الديمقراطية يجب أن تُصان في "دولة المقر" لتعطي المثال للعالم.

وهو يستعد للرحيل على وقع رياح تعصف بالعالم، يغادر أنطونيو غوتيريش مسرح الأحداث تاركاً خلفه تركة مثقلة بالهموم. ربما يكون قد نجح في أن يكون "صوتاً أخلاقياً" عالياً، لكنه اصطدم بواقعية سياسية فجة همشت دور المنظمات الدولية.

يرحل غوتيريش وهو يأمل ألا يكون آخر "أمين عام" لمنظمة تملك القدرة على التأثير، محذراً من أن البديل عن الأمم المتحدة ليس "قوة عظمى"، بل هو "فوضى عظمى".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا