في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
واشنطن – تسود حالة من الترقّب في واشنطن إزاء الخطوة التالية، في ظل غموض يلف مصير تحرك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المفاجئ للسيطرة على جزيرة غرينلاند، إذ أعلن -بعد أيام من دبلوماسية متوترة- أنه توصل الأربعاء الماضي إلى "إطار لاتفاق مستقبلي" مع حلف الناتو بشأن الجزيرة، مؤكدا في الوقت نفسه أنه لا يعتزم اللجوء إلى القوة لتحقيق ذلك.
وخلال كلمته أمام منتدى دافوس، قدم الرئيس الأمريكي ترمب حجته حول رغبته في امتلاك الولايات المتحدة لجزيرة غرينلاند، والتي قال عنها إنها "قطعة الجليد الكبيرة والجميلة".
وقال ترمب إنه يريد ملكية غرينلاند لأسباب تتعلّق بالأمن القومي، بحجة أن الدنمارك، التي تملك غرينلاند، لم تكن قادرة على الدفاع عن القطب الشمالي من العدوان الروسي أو الصيني.
وهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الدول الأوروبية التي تعترض طريقه في أول فبراير/شباط المقبل، لترتفع إلى 25% لو استمرت معارضتهم لشهر يونيو/حزيران المقبل.
وبعد أقل من ساعتين من خطابه، أعلن الرئيس ترمب أنه توصّل إلى "إطار لاتفاق مستقبلي" بشأن هذه القضية خلال اجتماعه مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته.
ونتج عن ذلك تخلي الرئيس الأمريكي عن تهديداته بفرض رسوم جمركية ضد الدول الأوروبية التي عارضت استحواذ الولايات المتحدة على الجزيرة الخاضعة لسيادة دولة الدنمارك العضوة بحلف الناتو.
وخرج ترمب من اجتماعه مع روته لينشر على منصة "تروث سوشيال" أنهم وجدوا أساسا لاتفاق طويل الأمد حول غرينلاند يلبي مطالب البيت الأبيض الرئيسية، ووصف ترمب الإطار بأنه "رائع حقا" لكنه لم يقدم تفاصيل كثيرة.
وقال، أمس الخميس، خلال مقابلة مع قناة فوكس الإخبارية، "سنحصل على كل ما نريد، ونحصل على كل ما نريد مجانا، الأمر قيد التفاوض".
وفي حديثه للجزيرة نت ردا على سؤال حول تأرجح موقف ترمب من قضية غرينلاند، رأى المحلل السياسي الجمهوري بيتر روف، والكاتب بموقع نيوزويك، أن "الرئيس ترمب كان ثابت الموقف منذ ولايته الأولى، وهو أن استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند بشكل ما يصب في مصلحة أمننا القومي على المدى الطويل، وهو صحيح في ذلك".
وعلى النقيض قال ستيف بايفر خبير الشؤون الأوروبية ونزع السلاح بمعهد بروكينغز، إنه "من الصعب معرفة ما الذي يدفع ترمب بهذه الصورة إلى غرينلاند، يبدو أنه كان يريد فقط ملكية هذه الجزيرة الشاسعة".
ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أنه بموجب الترتيبات الأمريكية الدانماركية القائمة، يمكن للولايات المتحدة أن تفعل أي شيء تقريبا لتعزيز الأمن في غرينلاند، وقال: "في وقت ما، كان لدى الجيش الأمريكي 17 قاعدة عسكرية، وما يقرب من 10 آلاف جندي منتشرين في غرينلاند".
واعتبر ستيف بايفر أن "الخبر السار من دافوس هو أن ترمب أزال بديل القوة العسكرية من طاولة التفاوض، وتراجع عن تهديده بالرسوم الجمركية، نأمل أن يخلق ذلك مساحة لنقاش جاد حول ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة والدانمارك وحلف الناتو لتعزيز أمن غرينلاند دون التشكيك في سيادة الدانمارك عليها".
وأرجعت الكثير من التعليقات تأرجح ترمب لغياب وجود منطق كافٍ وراء مطالبه التي تهدد حدود الخريطة السياسية للدول الأوروبية المستقرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
إذ رأى خبير السياسة الخارجية والدبلوماسي السابق ولفغانغ بوستزتاي أن لا أحد يشكك في أهمية غرينلاند الإستراتيجية لأمن الولايات المتحدة، وأنه من الواضح أن ترمب كان ينوي تغيير موقف الدول الأوروبية، خاصة الدانمارك، من خلال كلماته القاسية وتهديداته.
وأضاف في حديثه للجزيرة نت: "أنا متأكد أن الرئيس الأمريكي يفهم قيمة الناتو والشراكة مع أوروبا، لذلك غيّر موقفه قبل أن يشعل مواجهة خطيرة، فترامب يعلم بالتأكيد أن تعمق الانقسام بين الولايات المتحدة وأوروبا سيخدم مصالح روسيا و الصين بشكل مثالي".
وكان لافتا ما أشار إليه الخبير الجمهوري روف، إذ قال إن العالم يتعامل مع الحدود الموجودة الآن بوصفها مقدسة ودائمة، وهذا خطأ، وقد حدث من قبل تغيرات كثيرة، فالحدود تتغير مع تغير الاحتياجات وتغير أعداد السكان.
من جانب آخر، ذكر ستيفن سيستانوفيتش، المسؤول السابق بالخارجية والخبير في مجلس العلاقات الخارجية والأستاذ الفخري بجامعة كولومبيا، أن "السبب في صعوبة شرح دوافع سياسة ترمب في غرينلاند هو أن أيا منها لا يبدو منطقيا حقا، فالقصة بأكملها تبدو تافهة تماما، انظر إلى عدد كتاب الأعمدة في صحيفة نيويورك تايمز الذين يشيرون إلى ترمب اليوم بـالملك المجنون".
وفي حديثه للجزيرة نت، أشار سيستانوفيتش إلى أن "الشيء الرئيسي الذي غفل عنه ترمب هو أنه لا أحد يتفق معه، حتى داخل إدارته، لذا، فإن الدعم للاستيلاء على غرينلاند متردد وغير مقنع، والوضع نفسه داخل الكونغرس، وفي وسائل الإعلام، وعند الرأي العام الأمريكي، وبين الحكومات الأوروبية كذلك".
وفي إشارة لموقف تيار "أمريكا أولا" -الذي يراه البعض انعزاليا- قال المحلل السياسي الجمهوري بيتر روف: إن "تصريحات ترمب الجريئة لجلب غرينلاند إلى الولايات المتحدة حشدت حركة "أمريكا أولا" إلى جانبه، فالتيار يؤمن به وبقدرته على الحكم على الأشياء، ترمب لا يزال الوحيد الذي يحدد ما يشكّل موقف أمريكا أولا في أي قضية".
في حين عارض ستيفن سيستانوفيتش، المسؤول السابق بالخارجية هذا الطرح، وقال: إن "هناك قاعدة تتعلّق باستطلاعات الرأي تقول إنه لا توجد تقريبا قضية سياسية جدية يحصل فيها أحد الأطراف على أقل من 10% من الدعم.
وأضاف أن "قضية غرينلاند أصبحت استثناءً، إذ يدعم ضمها نسبة أقل من ذلك، وعادة ما يمكن للرئيس الاعتماد على قاعدته الانتخابية، لكن ليس هذه المرة، تخيل فقط أن تكون أحد مستشاري ترمب، وتضطر لإخبار الرئيس بأنه يجب أن يتخلى عن هذه الفكرة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة