آخر الأخبار

هل يبتلع المنفى من بقي من الإسلاميين؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يُخطئ مَن يختزل المنفى في الجغرافيا وحدها، بل هو بنية ممتدة من الصدمات النفسية التي تفرضها قرارات السياسة وتحديات الاقتصاد وتحوّلات المجتمع.

ومع هذه الصدمات التي تمسّ الفرد في تفاصيل معيشته اليومية وترسم ملامح مستقبله المنظور؛ يُعاد تشكيل ذات الإنسان، ويُعاد معها ترتيب علاقات الفرد بماضيه القريب وبالآخرين الذين يحيطونه في منفاه الجديد.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 قناع الغرب الذي نعرفه يسقط ووجهه "القبيح" يوشك أن يظهر
* list 2 of 2 أنقذتهم الصلاة.. كيف صاغ الإسلام "الوعي الأسود" في أميركا؟ end of list

ووسط كل هذا الضجيج، تتمزق روابط الماضي، وتتشكل مصفوفات مختلفة من القيم والتصورات التي تُعيد تعريف أولويات الفرد تجاه نفسه ومجتمعه، وتجاه أنماط التدين التي رسمت ملامح الهوية السابقة، نحو "إكراهات" واقعية تتطلب توليد معانٍ جديدة تجاه الكثير من المُسلّمات، وبما يرافق الفرد من تحديات يبحث معها عن "أكل العيش" في مجتمع المنفى الحديث.

ففي السنوات الأخيرة، خرج إسلاميون كُثر من بُلدان شتّى في موجة واسعة للمنفى، وحملوا معهم آثار "تسييس الموت" و"سجننة المجتمع" بتعبير ماتياس-بون (Matthies-Boon, 2023). هذه الصدمات المتتالية في المنفى، التي أخذت أشكالا جديدة أعادت صقل ذواتهم في الخارج، وربما تسييلها بحالة من اللايقين، قوامها إقامات مؤقتة، وهشاشة قانونية واجتماعية، وصراعات داخلية أشبه بصراع أمراء الحروب، وشللية عصفت بمنطق الانتماء ومشروعيته.

ومع انتشار العنف العابر للحدود، أصبحت شرعية القيادات الإسلامية تُختبَر في سوق العمل وتأمين الأوراق الرسمية وتوفير مقومات العيش لأفراد الصف، أي في تفاصيل "النجاة" قبل تفاصيل "الرسالة" ومركزيتها. وهنا أُعيد النظر في رسالة "الجماعة" عبر صحائف الواقع ويوميات السلوك والخطاب.

لكن المنفى هنا ليس مجرد انتقال من سجن كبير إلى مدينة كبيرة، إنه انتقال من يقين جمعي إلى تعدد مربك، ومن عُرف تنظيمي إلى تعاقد هش، ومِن "مَن نحن؟" إلى "كيف نعيش؟"، وهو كذلك انتقالٌ من زمن طويل كان يعلّم الصبر، إلى زمن قصير يفرض الحسابات، زمن التجديد الدوري للإقامة، ومواعيد الهجرة، ومنافسة السوق، وخوف السقوط الاجتماعي. في هذا الزمن، تصير السياسة أقلَّ خطابة وأكثرَ كُلفة، ويصير الدين أقلَّ شعارا وأكثرَ سؤالا: أي تدينٍ يُعين على الحياة؟ وأي تدينٍ يُنجي صاحبه من الانكسار دون أن يحوّله إلى آلة صامتة؟

إعلان

يتتبع هذا المقال الفروق بين أجيال الشتات الإسلامي، ثم يحلل أثر الصدمة والمنفى على الأفراد، قبل الانتقال إلى الكيفية التي حوَّل بها المنفى أفراد الحركة الإسلامية من كتلة جماهيرية ترتكز عليها برامج الإصلاح الإسلامي والمجتمعي إلى دوائر فردية محلية تنتهي فعاليتها عند حلقات التأمل وبرامج الإعلام.

ولا نقصد هنا إدانة المنفى بوصفه "مقصلةً للهوية"، ولا تمجيده بوصفه "مختبر التحرير"، بل فهمه بوصفه قوة باردة تُعيد ترتيب المعاني: تُسقِط بعض الرموز، وتُبقي بعض الأخلاق، وتفتح بوابات جديدة لدخول السياسة، تختلف عن البوّابات القديمة التي ظنّتها الجماعة الطريقَ الوحيد.

أجيال المنفى

من سخريات الأحداث أن تُكتب العديد من الدراسات عن تاريخ الحركات الإسلامية في المهجر، ولا تكتب الأخيرة عن نفسها، إما لفرط الانهماك في واجب الوقت ووطأة اللحظة، وإما لفرط الشقاق بين القيادات والأجيال بالداخل والخارج رغم الانتماء إلى مَعين فكري واحد، أو لأن "طُهرانية" المظهر تدفعها لتجنب المكاشفة والاعتراف.

وبين هذا وذاك يتوارى السرد الداخلي، لا لغياب التجربة، بل لأن التجربة أثقل من أن تُحكى بسهولة، فالقصة ليست قصة خروج فحسب، بل قصة انكشاف طويل لما كان يُدار سابقا بالمجاز والتربية والسكوت.

بنهاية المطاف، يحمل إسلاميو الداخل والخارج عينين بكل رأس إذا استعرنا توصيف دو بوا (1903) في كتاباته عن الوعي المزدوج؛ عينٌ ترى تاريخ المنفى من مذكرات وتسجيلات ومقابلات قادة الحركات الإسلامية مع الإعلام، وأخرى هي عين الأكاديميا الغربية التي حصرت دراسات الجماعات الإسلامية دهرا في الاستشراق والتنظيمات السياسية المعارضة. لكن العين الثالثة -إن جاز التعبير- هي عين الحياة اليومية التي لا تُرى في تلك السرديات، عينٌ تراقب الخسائر الصغيرة التي تُعيد تشكيل كل شيء؛ خسارة اللغة، وخسارة السكن، وخسارة "الناس"، وخسارة القدرة على التنبؤ بالغد.

على هذا القيد، تشير كاري ويكهام في دراسة نُشرت عام 2013 إلى بعض أبرز الفوارق في موجات الشتات الإسلامي. ففي مرحلة 1950-1970 كان هدف الإسلاميين بالمنفى تكوين هياكل حركية تُشكِّل غاية ووسيلة في الوقت نفسه، قوامها مؤسسات دعوية وتعليمية، ومراكز إسلامية واتحادات طلاب، ونقابات وشبكات اجتماعية ومهنية ذات درجة عالية من الانضباط والتراتب؛ بُغية ضمان استمرارية الحركة الإسلامية في بيئات القمع والتضييق، وجل استثمارها في رأس المال الرمزي عبر الخدمة الاجتماعية والانضباط وتوسيع القواعد على مهل في بيئات قانونية ومدنية مغايرة للسياق المحلي والعربي.

ومن ثم لم تكن تلك التكوينات نسخا طبق الأصل من التنظيمات الإسلامية الأولى، بل تكيّفت مؤسسيا وخطابيا مع بيئات قانونية ومدنية مختلفة، وشكَّلت واجهات حوارية مع الدول والمجتمعات الغربية، وانتظمت في أنشطة التعليم والخدمة العامة والعمل الخيري المنظم.

ورغم أنها لم تزل -كما الآن- قليلة التأثير في السياسات المحلية والخارجية بتلك الدول، فإنها طورت أجيالا من الحالة الإسلامية بالمهجر تتصل حلقاتها بأمهات الفكر والرسالة الجامعة، كما تطورت هياكلها الداخلية تزامنا مع الحاجة إلى الجمع بين الأُطر القانونية والحوكمة الداخلية ماليا وإداريا ومهنية الأداء، لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 و"الحرب على الإرهاب" التي سلطت الضوء على التنظيمات والهياكل الإسلامية بالخارج (انظر مثلا: Marshall, 2008).

إعلان

لكن موجة المنفى التي بدأت في 2013 جاءت مختلفة، فمعظم المنفيين هذه المرة لم يأتوا بدافع توسعة الرواق الدعوي ودعم الجماعة الأم في المركز، بل اندفعوا تحت ضغط التصنيف الأمني والملاحقات العابرة للحدود وتجفيف الموارد ومصادرة الأصول. والفارق هنا ليس في "الدافع" فقط، بل في "الزمن" أيضا، فالمنفى القديم كان يتشكل في بطء يسمح بالتأسيس، أما المنفى الجديد فصُنع على عجلٍ في إيقاع المطاردة والملفات والحدود.

تحوّل الخارج سريعا إلى "أرخبيل" لا إلى "تنظيم"؛ منصات إعلام، جمعيات صغيرة، شركات خدمات، مدارس وجامعات خاصة، مبادرات قانونية وحقوقية. صارت شرعية تلك الهياكل تُختبر في السوق لا في الصفّ، وفي قيود الإقامة لا في لجان العضوية. وبرزت وساطاتٌ جديدة تمسك بمفاتيح الموارد؛ مَن يمتلك عقد البثّ، ومَن يوقّع على المنح، ومَن يعرف طريق المحامين ومكاتب الهجرة والبنوك، ومَن يمكنه ببساطة توفير "بيتٍ آمن" ووظيفة مؤقتة.

هنا تحديدا تتبدّى الفروق بين الأجيال داخل المنفى نفسه. فالجيل الأقدم -الذي تربّى على زمن التنظيم الطويل- يحمل معه تصورات راسخة عن "الجماعة" بوصفها درعا ومعنى، ويبحث عن استعادة النسق القديم في بيئة لا تُتيح ذلك. أما الجيل الأصغر -الذي دخل السياسة مع لحظة الثورة أو ما بعدها- فقد خرج من بلاده وهو يحمل أسئلةً أكثر مما يحمل إجابات، رأى الحشد ثم رأى الانكسار، ورأى وعود الإصلاح ثم رأى تكلفة الخطأ. لذلك كان أكثر عُرضة لتحولات جذرية، وأقل قدرة على قبول "الصمت التنظيمي" الذي كان يُقدَّم دائما بوصفه حكمة أو طاعة أو سترا.

والحاصل أن "التجربة" لا تتوزع بالتساوي على مَن يخوضون هذا الواقع الجديد. فالمنفى يعيد فرز الصف بحسب رأس المال الاجتماعي والمهني واللغوي، وبحسب العائلة والنوع الاجتماعي، وبحسب البلد الذي استقر فيه الفرد. وهذا الفرز لا يخلق فوارق مادية فقط، بل يُنتج أيضا تفاوتا في المعنى بين مَن وجد شبكة مهنية تحفظ كرامته ونجا من الانكسار الكامل، ومَن وجد نفسه عالقا في سوق عمل مُهين وإقامات لا تنتهي إجراءاتها، لتصير أكثر همومه محصورة في تسيير الحياة اليومية والبقاء على قيد الحياة.

كان "اقتصاد الثقة" في الماضي القريب يتغذى من بطء الزمن التنظيمي وتعادل معقول بين الموارد والشرعية وقنوات مؤسسية لفضّ النزاعات أو تدويرها. أمّا وفق ما استجد من ظروف قاهرة، فالمعادلة مقلوبة؛ قليل من الموارد يتوزع عبر وساطات ضيقة، الأمر الذي أفرز تلقائيا نخبوية المنفى وتراتبيته في طبقات بحسب وجهات البلدان التي انتهى إليها الإسلاميون.

وفي تلك الطبقات، تتمايز القيادات لا بأقدميتها وطول عطائها في الدعوة أو خبراتها في إدارة الأفراد، بل بحسب صِلاتها وقوة محسوبيتها على "حراس الأبواب" وطبيعة نشاطها وقدرتها على توفير منفعة مادية. كما يتمايز أفراد المنفى بحسب النوع الاجتماعي والعلاقات الأسرية ومصادر الدخل -بصرف النظر عن حجم التضحيات التي قدموها/قدمنها للدعوة- بما ينتهي لتوزيع موارد الجماعة لا بمنطق التضامن والتكافل، بل بمنطق المحسوبية والمنافع المتبادلة.

من هنا فقدت إستراتيجيات التجنيد قيمتها، وصارت القيادات التي هاجرت حديثا محلا للريبة والتشكيك بالنيات، لاتساع البون -عكسيا- بين الموارد التي بيدها ومشروعية قيادتها للأفراد مقارنة بقيادات الموجة الأولى. وعند هذه النقطة بالذات يتجسد سؤال المقال: هل يبتلع المنفى ما بقي من الإسلاميين؟ أم أنه يبتلع فقط الأدوات القديمة، تاركا ما تبقّى من المعنى في هيئة جديدة؟

مصدر الصورة الثورة -كما يصفها كثيرون- كانت "استكشافا نفسيا" هزَّ اليقينيات، وفتح نافذةً على الذات وعلى المجتمع وعلى معنى السياسة، ثم جاءت لحظة القمع لتغلق النافذة بعنف (رويترز)

اللايقين الوجودي

يصعب عموما في دراسات العلوم الاجتماعية تفسير الظواهر الكبرى بعلاقات سببية تختزل الزمان والمكان، ربما لأن موجة ما بعد الحداثة قد ضربت الأيديولوجيات الكبرى في مقتل منذ عقود.

إعلان

غير أن الحالة الإسلامية الأخيرة تُعيدنا كثيرا إلى بعض البديهيات؛ اتساع الهوة بين الأحلام الكبرى المؤجلة وضرورات الحياة اليومية الضاغطة. تلك الهوة التي تتناولها دراسات الاقتصاد السياسي حين تصف "العبودية الحديثة الممأسسة" بوصفها عملا استغلاليا متوَّجا بعناوين الاحتراف، وساعات "مرنة" تبتلع العمر، ووعود رفاهٍ مؤجلة تُشترى بقروض طويلة لعشرات السنين.

تلك الهوة هي نفسها التي تفصل أحلام إسلاميي المهجر بالتمكين السياسي ونصرة الإسلام وتحرير فلسطين من جهة عن واقع الخذلان والتخلي والاتهامات المتبادلة داخل المجتمع "الطاهر". في المنفى، يجد أفراد الصف الإسلامي أنفسهم في مشهد تُشبه معادلاته معادلات السوق لا معادلات الحشد؛ مَن الذي يتحمل -أو يُفترض به أن يتحمل- فاتورة المخاطرة؟ مَن يضمن المسار القانوني؟ ما قيمة الشعار في يوميات السلوك والأرقام وطوابير الإقامة وحواجز الفيزا ومستحقات المعيشة؟ ومَن يسند الأسرة حين تُغلق المصارف حسابات الأفراد أو تُحدث تغييرات القواعد البنكية وقوانين الإقامة أثرا ارتداديا على كل ما هو مُسيّس أو قابل للتسييس؟

لكن اللايقين هنا ليس اقتصاديا فقط، إنه لايقين يمسُّ "الذات" نفسها، لأن هوية الفرد داخل الجماعات الإسلامية لم تكن مجرد رأي سياسي، بل كانت نظام حياة، روتينا يوميا، ولغةً تُمارس وتتداول في كل تواصل، وشبكةَ علاقات، وخريطةَ شرفٍ ووصم، وشعورا بأن المعنى مُتاحٌ دائما داخل "الصف" حتى حين يُغلق العالم أبوابه. وحين تنكسر هذه البنية، لا يُصاب الفرد بخيبة أمل فحسب، بل بارتجاج أخلاقي يجبر الأفراد على إعادة التفكير في هوياتهم الذاتية.

هنا تتضاعف صدمة ما بعد ثورات الربيع العربي في 2011 بدل أن تنتهي. فالثورة -كما يصفها كثيرون- كانت "استكشافا نفسيا" هزَّ اليقينيات، وفتح نافذةً على الذات وعلى المجتمع وعلى معنى السياسة، ثم جاءت لحظة القمع لتغلق النافذة بعنف، ويأتي المنفى ليعيد فتحها ولكن في غرفة باردة، بلا جماعة حامية، وبلا إجابات جاهزة.

لذلك لا يبدو الخذلان -في تجارب المنفى- بسيطا كحال تخلي رفاق العمل أو الدراسة فحسب، بل خذلان سنوات في الدعوة والتربية والأعمال الخيرية والتجنيد والحشد الجماهيري، خذلان للقيم والرسالة العليا، دفع بالبعض إلى إعادة تقييم ذواتهم الدينية، بينما دفع بالكثير إلى التدين اليومي الشعائري منخفض التكلفة (نفسيا وماديا وأمنيا)، ومنخفض الطموح أيضا، بحسب تعبير سامولي شيلكه (Schielke, 2015)، مقارنة بالتدين التعبوي المتمثل بالحشد والتظاهرات الذي يشوبه خطر بالأمان المادي والاجتماعي، ويتطلب قدرا كبيرا من الثقة والانقياد عزَّ توفره في يوميات الخذلان.

ومن هنا نفهم كيف تحول التدين في أوساط إسلاميي المنفى من الوعود المطلقة الكلية إلى يوميات إدارة الحياة، تدينٌ لا ينفصل عن دوامة العمل في هياكل اقتصادية وتوظيفية عنيفة، تدينٌ يعيد ترتيب الأولويات بعيدا عن "الفتح القريب" ليتركز حول معاني البقاء والكرامة والقيمة الذاتية. وتدينٌ يصير فيه الالتزام موازنةً بين القيم الدينية وفرص النجاة، ويتجاهل -أحيانا بوعي كامل- الفجوة السحيقة بين الغايات الكبرى والواقع اليومي.

لذلك لا تبدو مفارقةُ احتساء القهوة في ستاربكس -في وقت تصيح فيه دعوات المقاطعة- مجرد تناقض أخلاقي، بل هي تعبير عن زمن جديد، زمن الفرد الذي يفاوض العالم وحده، ويعيد تعريف "الواجب" بما يُطيق، ويبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار حتى لو بدا ذلك، في خطاب الصف القديم، "تهاونا".

مصدر الصورة المنفى لا يبتلع ما بقي من الإسلاميين دفعةً واحدة، بل يهضمهم ببطء عبر صدمات ممتدة، وهشاشة مادية واجتماعية وقانونية، واقتصاد ثقة لا يمنح الأمان إلا للقليلين بينما يقايض أكثرية الأفراد على ذواتهم وأولوياتهم (رويترز)

من الأسئلة الكبرى إلى سؤال الهوية

في قلب اللايقين، تظهر أسئلة لم يكن يُسمح لها سابقا بالصعود، أسئلة عن التدين لا بوصفه شعارا، بل بوصفه معنى يُختبر في الحياة: هل الدين قواعد تُطبَّق على الجسد والسلوك أم مقاصد تُهذِّب الروح؟ هل التدين "مظهر" أم "معاملة"؟ هل القوامة حقٌّ ثابت أم مسؤولية وظيفية؟ وهل الطاعة في كل مستوياتها قيمة مطلقة أم عقد أخلاقي يُشترط فيه العدل والرضا؟

تحت ضغط المنفى، يكتشف بعض الأفراد أن علاقتهم بالتدين كانت جزئيا علاقةً بخطاب مُسيّس، وأنهم حين يبتعدون عن هذا الخطاب لا يبتعدون بالضرورة عن الإيمان، بل يبتعدون عن "آلة الحشد" التي كانت تُغذّيه. فتظهر قراءات جديدة أكثر "واقعية" تجاه النص وأكثر حساسية للمقاصد، وتتراجع مركزية التفاصيل التي كانت تُقدَّم بوصفها جوهر الدين، مثل خمار المرأة، وشكل اللحية، وأنماط الاختلاط، ولغة الحديث، لا لأنها "تفاصيل بسيطة"، بل لأنها لم تعد قادرة على حماية المعنى حين يسقط الإطار الذي كان يمنحها مشروعية الوجود.

إعلان

في شهادات كثيرة من تجارب المنفى، نسمع لغة مختلفة عن الدين، لغة تبحث عن الأخلاق والعدل والرحمة، وتعيد مركز الثقل إلى "المعاملات" لا "العلامات". وهذا التحول لا يأتي دائما في هيئةِ استعادة الانتماء الإسلامي، بل كثيرا في شكل مراجعات موجعة؛ انسحاب مؤقت، نفور من الوعظ، صمت طويل، تحلل من الوسط الإسلامي وانخراط في الأوساط الأكثر "انفتاحا" ، ثم ربما إعادة اتصال تدريجي بالنص بعيدا عن ضجيج السياسة.

الأسرة.. حين تنهار أمام الحياة

تأتي مساحة الأسرة بين أكثر الساحات حساسيةً في المنفى، لأنها الحيز الذي لا يمكن تعليقه على الشعارات. تصطدم بالواقع مفاهيمٌ تقع في قلب "الأسرة المسلمة" مثل القوامة، والطاعة، وتقسيم الأدوار. ففي المهجر، تتصدر حياة امرأةٍ تعول، ورجلٌ بلا عمل، وأطفالٌ في مدارس أجنبية مختلطة، وأوراقٌ ثبوتيةٌ متعثرة، وبيوتٌ ضيقة، وخوفٌ من الترحيل أو انتهاء عقود العمل والإقامات، وذاكرةُ قمع لم تُشفَ بعد.

لهذا تتبدل موازين "السلطة" داخل البيوت، لا لأن النصوص تغيّرت، بل لأن الحياة فرضت أسئلةً من نوع آخر. كثيرات في المنفى يجدن أنفسهن أمام ضرورات العمل وتسيير الحياة والإجراءات اليومية.

كثيرات أصبحن فجأة خط التواصل الأول لسلطات وهيئات تتحدث لغة لا يعرفنها، أوراق مدرسة واستمارات ينبغي ملؤها، مواعيد هيئة الهجرة والإقامات، عقود الإيجار وملاك المنازل، العلاج، وغيرها.

وفي سياق كهذا، تصبح مفردات الأسرة المسلمة، القوامة والطاعة وآليات اتخاذ القرار بالمنزل وتربية النشء المسلم وغيرها، مفردات ثقيلة لا تمت إلى واقع الحياة المَعيشة بأدنى صلة.

تتقدم في يوميات الأسرة الإسلامية، أو الإسلامية سابقا، مشكلات البطالة والأجور الضئيلة، والطلاق والتفريق بين الأزواج لا سيما حديثي الارتباط، وحوادث العنف الأسري.

من هنا تكثر في المنفى الأسر المتباعدة، الأسر المفرقة عبر القارات، أو الأسر الرحالة التي تتنقل بين بلد وآخر، ونساء يعدن من المنفى طوعا لاستعادة دعم العائلة في البلد الأم حين لا تتوفر في المنفى ضمانات الحماية القانونية، ولا تتكفل الشبكات الاجتماعية بإدارة الخطر اليومي بحياة الأفراد.

ومن ثم لا يمكننا اعتبار "الأسرة المسلمة" الأمل الأخير لتنشئة أجيال أخرى من الإسلاميين في المنفى كما كان الحال في الخمسينيات، لأن الأسرة نفسها أصبحت مسرحا لصراع جديد بين ما كان "يُقال" وما يجب أن "يُفعل".

ومع تراكم المسؤوليات على النساء المعيلات والمطلقات والأرامل في المنفى، ومع انكشاف وقائع انحراف أخلاقي تجاوزت كثيرا حد الحالات الفردية، ضعفت سرديات الصبر والستر، ولم تعد تكفي نصوص الطاعة في "تسكين" البيوت في ظل غياب آليات احتكام وعدالة ملزمة.

النفور من السياسة

إحدى النتائج العميقة في موجة الهجرة الأخيرة للإسلاميين إلى المنفى هي صعود نفور واضح من فكرة علاقة الدين بالسياسة وفق الصيغة المشتهرة داخل التيارات الإسلامية، وهذا النفور ظهر داخل قطاعاتٍ من القاعدة الاجتماعية، لا بمعنى الانتقال الضروري إلى ضفة أيديولوجية أخرى، بل بمعنى الاشتباه في خطأ ربط المقدس بالمناورة السياسية.

هنا يبدأ التحول من "الانتماء" إلى "المسافة". البعض يبتعد عن التنظيم دون أن يبتعد عن القيم، والبعض يبتعد عن السياسة دون أن يبتعد عن الشأن العام، والبعض يرفض "الجماعة" لا لأنه رفض الدين، بل لأنه رفض الطريقة التي صُنعت بها الجماعة بديلا عن الوعي.

ولفهم هذا التحول بلا تعميمات متعجلة، يمكن التقاط بعض الزوايا التي تظهر يوميا في حياة المنفى.

أولا، لم يعد الزي الإسلامي في بعض مظاهره "رمزا"، ولم يعد خطابا وممارسات ضامنة للثقة. كان للرمز سلطةٌ حين كانت الجماعات تملك إطارها؛ تربية، ورقابة، ومحاسبة، وشبكة معرفة تُنتج "سمعة" الافراد ومواقعهم.

أما وقد انقلبت موازين القوى وافتقر بعض أفراد الصف في المنفى إلى مخاطبيهم بتلك الرموز والممارسات، فقد صارت الأخيرة تحتكم لمنطق الملاءمة والكفاءة؛ الخمار الذي لا يسمح بارتداء المعاطف الثقيلة في الشتاء يُستبدل بحجاب عادي، واللغة المتشددة في الاختلاط وغض البصر وأنماط الحديث تُراجَع تحت ضغط العمل والدراسة وضرورات الاندماج.

وليس هذا مجرد تكيّف مظهري، بل هو أيضا اعتراض صامت على سنوات كانت فيها المظهريات تُستخدم لتكريس فوقية التدين "المُشاهد" مقارنة بتدين العلم والمؤسسة وتدين الحياة الفردية الخاصة، لينتج من هذا سنوات تقدمت فيها معارك اللحية والنقاب والخمار على أولويات الصلاة والصيام والذكر وأخلاق الصدق والأمانة.

لكن الزاوية الأشدّ قسوة هنا هي انكشاف "عدم كفاية الرمز". فالمظهريات التي كانت معيار التقييم بالأمس، لم تمنع البعض من الانحراف الأخلاقي والفكري حين انقطعت حلقات التربية والرقابة والمحاسبة داخل التنظيم.الأمر الذي دفع أجيالا ناشئة من إسلاميي المنفى للتساؤل حول جدوى الممارسات الإسلامية حين لا تنبعث من تخلّق حقيقي بالقيم. وفي هذه المسافة بين الرمز والجوهر تظهر لغة جديدة: "شكل الإنسان لا يعكس جوهره"، وهي جملة تبدو بسيطة، لكنها تعني انهيار أحد أعمدة "الإسلام الحركي" القديم الذي كان يربط الشكل و"السمت" بالثقة ربطا شبه آلي.

ثانيا، لم يعد الاصطفاف خلف القيادات الدينية واجبا دينيا أو بيعة ملزمة، بل تُعاد قراءة تلك المتطلبات وفق دواعي الجدوى، وهي استجابة يُرى أنها عقلانية لشروط وفرص العمل في المنفى، ما انتهى ببعض العائلات للانقسام بين أولويات تنظيمية متناحرة ومتباينة. واللافت أن هذا الانقسام لا يحدث فقط بين "تنظيم" و"تنظيم مضاد"، بل داخل البيت الواحد، لأن المنفى يضع كل فرد أمام حسابات شخصية لا تقبل أن تُدار من أعلى.

واليوم، لم تعد القيادات تملك زمام تكوين صفوفها في المنفى، لا بسبب غياب المشروعية وعدالة التوزيع فقط، بل بسبب اختلاف آليات التجنيد جذريا عن الحال قبل 2011. فانتشار المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي والبرامج المسجلة التي تمنح وصولا سريعا لمئات الآلاف من المشاهدين لا تتيح فرصا لصكّ الهويات الدينية عموديا من خلال التربية والعضوية والترقي ثم التكليف، بل صارت الهويات تُصاغ أفقيا عبر زمالات العمل ومجموعات الواتساب و"ترندات" وسائل التواصل الاجتماعي.

وهذا يعني تسييل الهوية الدينية التنظيمية وتحوُّل وظيفة الخطاب الإسلامي من التعبئة والتسييس والتأطير إلى الاستنفار الإعلامي الذي يستهدف الزخم لا رسوخ الفكر والتنظيم، زخم يعلو ويخفق لحظيا بالصوت، ويفتقر إلى أيدٍ تبني المسار، وينتج عنه قمم تفاعلية يتلوها هبوط سحيق، وتتضخم فيه الخلافات الصغيرة، وتضعف القدرة على حشد أجندات مستدامة، حيث لا يغير أيٌّ منها معادلات على الأرض في البلدان الأم فضلا عن بلدان المنفى.

ثالثا، تظهر في المنفى "حياة موازية" لدى بعض الأفراد، خاصة في البيئات التي تضغط على الإسلاميين اجتماعيا أو تنظيميا. فتظهر الذات بوجه داخل المجتمع الإسلامي، وبوجه آخر خارجَه، لا نفاقا بالضرورة، بل أحيانا بوصفها محاولة للنجاة، نجاة من الوصم، من القطيعة، من فقدان الشبكة. لكن هذا التعدد يترك أثره البعيد؛ يفتت الداخل، ويُنتج شعورا بالثقل الأخلاقي، ويزيد من هشاشة الثقة، ويجعل الجماعة عاجزة عن ضبط أي سلوك، لأنها لم تعد تملك "الداخل" الذي كانت تُديره.

رابعا، يرتبط بتراجع دور التنظيم انتشار الانتماءات المهنية والمحلية بين إسلاميي المنفى عوضا عن الانتماء الدعوي والسياسي، بما يزيح عبء المعارك الداخلية ويعيد بناء الذات داخل مجتمعات أكثر رحابة وموثوقية.

يظهر هذا في انتشار الورش القانونية، ودورات رفع المهارات واللغات، وإدارة المشروعات الصغيرة، والاستشارات الأسرية -خاصة بين النساء-، إذ تيسر تلك الشبكات وصول الأفراد إلى مصالح حيوية تضمن الاستقرار والأمان المادي، ولا تجعل خصوصياتهم وقودا لمعارك القيادات. من هنا تنتشر "العقود القصيرة للانتماء" لتبني رأس مال ثقة محليا يُقاس بالجودة والمهنية والجدوى.

خامسا، يتحول العمل الدعوي في المنفى من "الدعوة الفردية" وحلقات التربية الطويلة إلى الخدمات الدينية العاجلة؛ البرامج والدورات والاستشارات والمحتوى السريع. هنا يُزجُّ المعنى الديني في مساحة الخاص واليومي قصير الأمد بدلا من الأيديولوجي والفكري، ويتحول التدين إلى استثمار ذاتي يصبح فيه الدين رأسَ مالٍ أخلاقيا شخصيا يُحسِّن قابلية الفرد على الاندماج في مجتمع المنفى والإبقاء على سلامته النفسية، وتحقيق صيغة سلام يتواءم فيها الماضي مع الحاضر.

لكن هذه السرعة تُنتج مفارقةً أخرى: فقر شديد في دراسة العقيدة والفقه والأصول لدى قطاعات واسعة، بحيث تُستبدل المعرفة المركبة بمقتطفات مبسطة أو تفسيرات شخصية مختزلة. وهذا الفقر -في زمن الصدمات- يجعل الأفراد أكثر عُرضة للانهيار أمام الأسئلة الأخلاقية والهويّاتية والجندرية، لأنهم لا يملكون أدوات التفكيك والبناء. فيتحول السؤال من "كيف نجدد؟" إلى "كيف ندير الواقع؟"، ويصير التجديد الفقهي حلما مؤجلا في لحظة ينهش فيها الواقع اليومي ما بقي من طاقة ووقت.

سادسا، لا يمكن فصل هذه التحولات عن تجربة النساء في المنفى. فالمرأة لا تواجه فقط ضغط السياسة والاقتصاد، بل أيضا ضغط "دورها" كما صاغته الجماعات الإسلامية ثم كما أعاد المنفى صياغته.

كثيرات وجدن أنفسهن مضطرات لتعديل "نمط الحياة" لإرضاء احتياجات الزوج في الغربة، أو لتخفيف توتر البيت، أو لتجنب صدام لا طاقة لهن به.

وهنا تزداد خطورة الانجراف لحكم ظاهري على الأفراد منفصلا عن فهم تعقيدات الواقع، فهذه التحولات ليست دائما "خروجا من الدين"، بل قد تكون محاولةً لاستكشاف صيغة مختلفة للتعاطي مع النفس والدِّين.

مصدر الصورة تُقاس الشرعية داخل التنظيمات في المنفى بجدوى الخدمة وجودتها لا بشعارها، وتُعاد صياغة الانتماء في وحدات محلية ومهنية صغيرة تحفظ المعنى وتقلل كلفة المخاطرة (رويترز)

خاتمة

المنفى لا يبتلع ما بقي من الإسلاميين دفعةً واحدة، بل يهضمهم ببطء عبر صدمات ممتدة، وهشاشة مادية واجتماعية وقانونية، واقتصاد ثقة لا يمنح الأمان إلا للقليلين بينما يقايض أكثرية الأفراد على ذواتهم وأولوياتهم. ومع الانتقال من منطق الكتلة المنظمة إلى فوضوية العيش الفردي، يحتفظ الكيان الأوسع ببذور هوية أخلاقية وفكرية بلا هياكل ولا أدوات حشد كبرى.

ويتزامن هذا مع تحوُّل أنماط التدين من الرمز والسلوك المظهري إلى التخلق بالقيم -أو التخلي الواعي عنها وفق منطق الملاءمة والجدوى- وتدين "الوقت" وأخلاقياته، بما يدفع إسلاميي المنفى من رسالية التغيير إلى رسالية البقاء.

يجري هذا التحول على إيقاع قصير للأفق الشخصي والقانوني، حيث تُقاس الشرعية داخل التنظيمات بجدوى الخدمة وجودتها لا بشعارها، وتُعاد صياغة الانتماء في وحدات محلية ومهنية صغيرة تحفظ المعنى وتقلل كلفة المخاطرة.

غير أن الأهم -ربما- هو أن هذا كله لا يعني خروجا كاملا من السياسة بقدر ما يعني تبدُّل بوابات الدخول إليها. فالمنفى يضع الإسلاميين أمام سؤال واقعي: إذا تعذّر المشروع الكبير، فكيف تُمارَس الأخلاق في التفاصيل اليومية؟ وإذا سقطت الأدوات القديمة، فهل يبقى من الرسالة شيء قابل للاستمرار؟

يبدو أن ما يتبقى -في كثير من الحالات- هو أخلاق عملية؛ مسؤولية، وكرامة، واحتراز من الاستغلال، ونفور من التجييش باسم المقدس، وحذر من تسليم العقل لقيادة لا تدفع ثمنًا. وهذه الأخلاق، وإن بدت "صغيرة" مقارنة بمشروع تغييري واسع، قد تكون في زمن المنفى الشكل الوحيد الممكن للتماسك.

أما السؤال المركزي فيبقى مفتوحا: هل يبتلع المنفى ما بقي من الإسلاميين حقا؟ أم أنه يبتلع صورةً بعينها عن الإسلاميين -صورتهم ككتلةٍ صلبة- ليُبقيهم أفرادا يتعلمون العيش خارج القوالب، ويعيدون تعريف الدين والسياسة والأسرة بما تطيقه الحياة؟

ولعل المنفى لا يبتلعهم بقدر ما يعيد تشكيلهم؛ يكسر صلابة التنظيم، ويُخرج المعنى من صيغته التعبوية، ويتركهم على حافة جديدة، حافة لا تُغري بخطابات اليقين، لكنها تفرض سؤال الجدوى والأخلاق، ومن هذه الحافة، قد تعود السياسة يوما، ولكن بوجهٍ مختلف، وبكلفة محسوبة، وبوّابات دخول لم تعرفها الجماعة من قبل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا