في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تعد الاحتجاجات المتصاعدة في إيران مجرد موجة غضب اجتماعي عابرة، بل تحولت إلى اختبار معقّد لطبيعة إدارة الدولة للأزمات في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، حيث يتقاطع الضغط الداخلي مع إستراتيجية أميركية تقوم على إنهاك الخصم عبر تعميم الفوضى وتهشيم السيادة، بدل المواجهة المباشرة.
فبين خطاب متشدد للمرشد الإيراني علي خامنئي يربط الاحتجاجات بأدوار خارجية، ونبرة هادئة للرئيس مسعود بزشكيان تدعو إلى الإنصات وضبط النفس، تتكشف معضلة تواجهها طهران: كيف يمكن احتواء احتجاجات ذات جذور اقتصادية دون الانزلاق إلى المعالجة الأمنية التي قد توسّع نطاقها وتمنح خصومها الذريعة؟
هذا السؤال شكّل جوهر النقاش في برنامج "ما وراء الخبر"، حيث بدا أن المقاربة الأمنية -رغم قدرتها على الضبط السريع- تحمل في طياتها أخطارا إستراتيجية تتجاوز الشارع إلى بنية الدولة نفسها، خصوصا في ظل إشارات أميركية واضحة إلى الاستعداد للتصعيد إذا ما استخدم العنف ضد المتظاهرين.
ويرى الدكتور محجوب الزويري، الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط، أن التشبث بالرواية الأمنية لا يعكس قراءة للشارع فقط، بل شعورا لدى النظام بضغط مركّب، يتداخل فيه إرث الحرب مع إسرائيل، والتشدد الأميركي في الملف النووي، ومساعي دفع إيران نحو الانكشاف الداخلي.
فحسب هذا التحليل، لم يعد الهدف الأميركي يقتصر على تعديل سلوك طهران أو انتزاع تنازلات تفاوضية، بل يتجه نحو إضعاف بنية الدولة، عبر سياسة "تهشيم السيادة" القائمة على ضرب المؤسسات، واستنزاف الشرعية، وترك النظام في حالة هشاشة مزمنة، على غرار ما حدث في العراق خلال تسعينيات القرن الماضي.
في المقابل، يقدّم فؤاد إيزدي، أستاذ الدراسات السياسية في جامعة طهران، قراءة تنطلق من الداخل الإيراني، معتبرا أن السلطات تحاول الفصل بين احتجاجات مطلبية مشروعة، وعناصر تسعى -حسب توصيفه- إلى دفع المشهد نحو الفوضى، مستندة إلى دعم خارجي واضح.
ووفق هذا المنظور، فإن الرهان الأساسي في طهران يتمثل في منع تكرار سيناريوهات الانهيار التي شهدتها دول أخرى عندما فُتح الباب أمام الصدام الأمني المفتوح، وما استتبعه من تفكك مؤسسات الدولة وانزلاقها إلى فوضى طويلة الأمد يصعب احتواؤها لاحقا.
غير أن هذا الفصل، على أرض الواقع، يبدو شديد الصعوبة، خصوصا في ظل طبيعة احتجاجات "بلا رأس"، كما يصفها الزويري، فلا توجد قيادة سياسية واضحة، ولا إطار تنظيمي يمكن التفاوض معه أو عزله، مما يجعل أي تصعيد أمني مرشحا لتحويل المطالب الاقتصادية إلى مواجهة سياسية أوسع مع الدولة.
ومن هنا، يكتسب خطاب الرئيس بزشكيان دلالته الأعمق، إذ لا يُقرأ فقط كاختلاف في النبرة، بل كمحاولة لتجنّب الوقوع في الفخ الذي قد يحوّل أزمة اجتماعية إلى أزمة شرعية، ويدفع إلى موقع الخصومة المفتوحة شرائح كانت حتى وقت قريب ضمن القاعدة الصامتة للنظام.
وعلى الجهة الأخرى، ترى واشنطن المشهد من زاوية مختلفة، فحسب توماس واريك، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية، تعكس الاحتجاجات غضبا شعبيا حقيقيا، وأن أي قمع قد يسرّع تفكك التماسك الداخلي، بما يفسر التلويح بخيارات تصعيدية لرفع كلفة الخيار الأمني دون السعي الفوري لإسقاط النظام.
وتشير متابعات دولية إلى أن هذا النمط من الضغط لا يفترض وجود بديل جاهز أو "يومٍ تالٍ" واضح، بقدر ما يسعى إلى إبقاء الدولة المستهدفة في حالة اضطراب دائم، بما يعطل قدرتها على المناورة الإقليمية أو فرض شروطها في الملفات الكبرى، وعلى رأسها الملف النووي.
في هذا السياق، تبدو طهران محاصرة بين خيارين أحلاهما مرّ: معالجة أمنية قد تفرض الهدوء مؤقتا لكنها تفتح الباب لتدويل الأزمة، أو انفتاح سياسي محدود قد يخفف الاحتقان، لكنه يهدد بكسر هيبة الدولة في لحظة ضعف إقليمي.
المصدر:
الجزيرة