آخر الأخبار

كيف نفهم موقف موسكو من اعتقال مادورو؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، رسم البحارة العلم الروسي على جانب ناقلة النفط "بيلا 1" (Bella 1) وأعلنوا أنهم يعملون تحت الولاية القضائية لروسيا.

بعد ذلك أُعيدت تسمية الناقلة وأُدرجت في السجل البحري الروسي للملاحة، وأصبحت مسجلة في ميناء سوتشي باسم "مارينيرا" (Marinera) وترفع العلم الروسي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 المحطة الأخيرة لمادورو سائق الحافلة.. هل ينتصر "جالوت" الأميركي؟
* list 2 of 2 ترامب الذي يريد إيقاف الحروب يشتعل العالم بين يديه end of list

كانت هذه الناقلة مثار الاهتمام مؤخرا على إثر احتجاز الولايات المتحدة لها في المحيط الأطلسي.

سارع الكرملين إلى توجيه مذكرة دبلوماسية للولايات المتحدة، طالب فيها بوقف محاولات احتجاز الناقلة. كما أرسلت روسيا غواصة وسفنا حربية لمرافقة الناقلة الفارغة التي يلاحقها خفر السواحل الأميركي في المحيط الأطلسي، وذلك وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال" وقناة "CBS News" نقلا عن مسؤولين أميركيين. إلا أن الأميركيين بمساعدة البريطانيين كانوا سباقين إلى "مارينيرا"، وتمكنوا من الاستيلاء عليها في السابع من الشهر الجاري وتحويل مسارها إلى الولايات المتحدة.

أثار استيلاء البحرية الأميركية على ناقلة النفط "مارينيرا" ردود فعل متباينة في روسيا. فبرأي شريحة واسعة من السياسيين والخبراء، أصبحت عملية الاستيلاء بداية تحوُّل أميركي حاسم باتجاه تنفيذ عقيدة مونرو الأميركية برؤيتها "الترامبية". بكلمات أخرى، تعمل اليوم واشنطن على إنهاء النفوذ الروسي والصيني في القارة الأميركية.

رد الفعل الروسي الرسمي على عملية الاستيلاء جاء على لسان الخارجية الروسية، واقتصر على مطالبة الولايات المتحدة بضمان معاملة إنسانية ولائقة للمواطنين الروس الموجودين على متن السفينة "مارينيرا"، واحترام حقوقهم وعدم عرقلة عودتهم السريعة إلى وطنهم. وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز"، يضم طاقم السفينة مواطنين من روسيا والهند وأوكرانيا.

موقف يأتي في سياق تعامل موسكو مع التصعيد الأميركي حول فنزويلا واعتقال رئيسها وزوجته، الذي يبدو للوهلة الأولى باهتا ولا يرتقي إلى مستوى العلاقة الإستراتيجية بين موسكو وكاراكاس.

إعلان

خسارة جيوسياسية واقتصادية لروسيا

بدأ العام السياسي 2026 بالعملية العسكرية الأميركية ضد فنزويلا واعتقال رئيس البلاد نيكولاس مادورو. نجاح الولايات المتحدة في تغيير السلطة في فنزويلا يُشكّل تحديات جديدة للقيادة الروسية.

إذ وبحسب عالِم السياسة الروسي أليكسي تشيرنيايف، فإنه "بالنسبة لروسيا، تُعدّ هذه نكسة كبيرة، لأن حكومة مادورو كانت، بشكل أو بآخر، شريكا روسيًّا. كانت الاستثمارات الروسية تتدفق إلى فنزويلا، وكانت المشاريع الروسية تُقام هناك. وبالتالي، فإن مصير كل هذا بات موضع تساؤل خطير".

وخلص تشيرنيايف إلى أنه "إذا نجح الأميركيون بالفعل في تحقيق ما يدّعونه، فإن موقفهم التفاوضي في التسوية الأوكرانية سيتعزز".

ولوضع هذه الحدث في سياقه الأوسع، فإنه وفي أوائل ديسمبر/كانون الأول 2025، نشر البيت الأبيض إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، وهي الأولى لإدارة دونالد ترامب الحالية. أما الملح الأبرز لهذه الإستراتيجية فكانت أنها تُعطي الأولوية لنصف الكرة الغربي، وتُعلن صراحةً العودة إلى "عقيدة مونرو" كما يُفسّرها ترامب.

ومن وراء ترامب، يُصرّح مجلس الأمن القومي الأميركي صراحةً بأنّ الوجود العسكري لقوى من خارج المنطقة في نصف الكرة الغربي، وسيطرتها على موارد أو بنى تحتية ذات أهمية إستراتيجية، أمرٌ غير مقبول.

هنا تأتي الضربة على فنزويلا بوصفها اختبارا وتطبيقا عمليا للأفكار الواردة في إستراتيجية الأمن القومي. أما الآلية التي اتبعتها واشنطن هذه المرة، فهي اختبار عملي لأفكار سابقة طرحها ترامب خلال الحرب الإيرانية الإسرائيلية، مهددا بالانتقام الشخصي من القيادة الإيرانية.

وهو إذ يفعل ذلك، فإنه "يُجرّد رؤساء الدول فعليا من حصانتهم. حيث يمكن تصفيتهم أو اختطافهم أو احتجازهم رهائن". تماما كما حصل كنموذج عمليّ مع الرئيس الفنزويلي مادورو، وهو ما يفتح الباب مواربا أمام إمكانية امتداد هذه الآلية لبلدان ومناطق أخرى ترغب واشنطن في إعادة تشكيلها.

وبالعودة لتأثيرات هذا الحدث على موسكو، فإن فنزويلا تُعد أحد أبرز حلفاء روسيا في القارة الأميركية الجنوبية. حيث استثمرت روسيا اقتصاديا فيها على مدار عقدين، وفيما يلي سنتناول أبرز تلك الاستثمارات.

الاستثمارات الاقتصادية

منذ عام 2006، قدمت الحكومة الروسية وشركة "روسنفت" الحكومية قروضا أو خطوطا ائتمانية إلى فنزويلا بلغ مجموعها 17 مليار دولار على الأقل، وفقا لحسابات وكالة "رويترز" التي أُجريت في أغسطس/آب 2017.

لم تنشر فنزويلا قط تفاصيل كاملة عن ديونها لروسيا، واستند المبلغ الذي حسبته "رويترز" فقط إلى القروض وخطوط الائتمان المعلنة. وشمل ذلك دفعة مقدمة بقيمة 6 مليارات دولار قدمتها "روسنفت" لشركة النفط الفنزويلية الحكومية "PDVSA" مقابل إمدادات (تدفع "روسنفت" مقدما، وتقوم "PDVSA" بتسليم النفط لاحقا).

حتى 30 سبتمبر/أيلول 2018 -وهو آخر تاريخ لتقرير شركة "روسنفت"- بلغت قيمة المدفوعات المسبقة المستحقة 3.1 مليارات دولار أميركي، باستثناء الفوائد التي لا تفصح عنها الشركة، وفقا لعرض تقديمي. في ديسمبر/كانون الأول 2011، قدمت روسيا لكاراكاس قرضا حكوميا يصل إلى 4 مليارات دولار أميركي لتمويل توريد معدات عسكرية روسية إلى فنزويلا. وقد استخدمت فنزويلا ما لا يقل عن 3.6 مليارات دولار أميركي من هذا القرض لشراء أسلحة روسية.

إعلان

ويأتي معظم الدعم الروسي لفنزويلا على شكل قروض والتزامات ديون، وليس استثمارا مباشرا. وقد أُعيدت هيكلة بعض هذه القروض وتأجل سدادها حتى أواخر العقد الحالي، وذلك بحسب وكالة "تاس" الروسية.

إذ ومنذ نهاية عام 2022، لم تفتح روسيا أي خطوط ديون رئيسية جديدة، ويقتصر التعاون في المقام الأول على الجوانب السياسية والتجارية، مع بعض المشاريع المشتركة في مجال الطاقة.

وفي السابع من مايو/أيار 2025، وُقِّعت اتفاقية شراكة إستراتيجية بين البلدين عقب محادثات بين فلاديمير بوتين ونيكولاس مادورو. وبذلك، أصبحت جمهورية فنزويلا البوليفارية أول دولة في أميركا اللاتينية تصل معها موسكو إلى هذا المستوى من التعاون. وقد سلط الرئيس الروسي الضوء على قطاعات الطاقة والنقل والأدوية والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية باعتبارها مجالات واعدة للتعاون.

وتنص الاتفاقية بين روسيا وفنزويلا على التعاون في مجالات مثل استكشاف وتطوير حقول النفط والغاز الطبيعي الجديدة، وزيادة إنتاجية الحقول التي تديرها مشاريع مشتركة، والحد من أثرها البيئي من خلال استخدام تقنيات إنتاج متطورة، وتوسيع نطاق عمليات تجارة النفط ذات المنفعة المتبادلة.

مصدر الصورة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (يسار) مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو بتاريخ 7 مايو/أيار 2025 (غيتي)

استثمرت "روسنفت" ما يقارب 9 مليارات دولار في مشاريع بفنزويلا منذ عام 2010، لكنها لم تحقق حتى الآن أي عائد، وفقا لحسابات "رويترز" استنادا إلى التقارير السنوية للشركة ووثائقها الداخلية للفترة من 2012 إلى 2015. وقد كتب أحد المدققين الداخليين في "روسنفت" في رسالة بريد إلكتروني إلى زميل له، حصلت عليها رويترز: "سيستمر هذا إلى الأبد".

في رسالته الإلكترونية، اشتكى من أن شركة "روسنفت" لم تحصل على تفسير من شركة النفط الفنزويلية (PDVSA) بشأن "ثغرة" بقيمة 700 مليون دولار في ميزانية المشروع المشترك. ووفقا لوثائق داخلية، كان إنتاج النفط في المشاريع المشتركة بين "روسنفت" و"PDVSA" أقل بكثير من التوقعات.

وتزعم مصادر "رويترز" أن "روسنفت" استمرت في دعم المشاريع الفنزويلية لأسباب سياسية، حيث كان من المفترض أن تساعد الشركة حلفاء موسكو في كاراكاس. وقال رئيس إحدى شركات النفط الروسية المتعاونة مع "روسنفت" في فنزويلا للوكالة: "منذ البداية، كان هذا مشروعا سياسيا بحتا. كان علينا جميعا المساهمة".

وفي عام 2020، ذكرت وكالة أنباء "ريا نوفوستي" أن استثمارات شركة "روسنفت" في فنزويلا قد وصلت بالفعل إلى 14 مليار دولار. كما أصبحت شريكة في ملكية حصص في شركات فنزويلية، حيث اشترت أسهمها التي انخفضت قيمتها بشكل كبير لاحقا.

فعلى سبيل المثال، من المعروف أن "روسنفت" كانت تمتلك حصصا في شركات النفط الفنزويلية "بتروموناغاس"، و"بتروبيريا"، و"بوكيرون"، و"بتروميراندا"، و"بتروفيكتوريا"، بالإضافة إلى شركات خدمات حقول النفط وتجارة النفط. وفي عام 2020، نُقلت هذه الأصول إلى شركة "روسنفت" مقابل 9,6% من أسهمها.

تبلغ القيمة السوقية الحالية لشركة "روسنفت" ما يعادل 54,2 مليار دولار. وتبلغ القيمة الحالية لأصول روسيا في فنزويلا، وفقا للمحللين، 5,2 مليارات دولار، أي عُشر قيمة "روسنفت" (9,6% تحديدا). وقد انخفضت قيمة هذه الأصول بالفعل بنحو ثلاثة إلى أربعة أضعاف خلال سنوات "التعاون المثمر".

لكن ما سيحدث لها الآن، بعد انهيار فنزويلا، هو سؤال آخر تماما

يُشكِّل الصراع بين كاراكاس وواشنطن عدة مخاطر على موسكو، أبرزها: شطب أو تجميد مليارات الدولارات من الديون والاستثمارات القائمة لأجل غير مسمى، وتعذُّر وصول الشركات الروسية حاليا ومستقبلا إلى مشاريع إنتاج النفط، إضافة إلى خسارة صادرات النفتا الروسية. وتُعدّ هذه الأخيرة أكثر أهمية لكاراكاس منها لموسكو. حيث تُنتج فنزويلا النفط الثقيل، الذي لا يُمكن ضخه عبر خطوط الأنابيب دون تسييله أولا، وتُستخدم النفتا في هذه العملية. والجدير بالذكر أن روسيا أصبحت المورّد الرئيسي لهذه المادة المكررة إلى كاراكاس في السنوات الأخيرة.

إعلان

كما يكمن الخطر الذي يهدد صناعة النفط الروسية في فقدان شراكتها مع كاراكاس، بتبعاته على سوق النفط العالمية. ففنزويلا اليوم ليست مجرد دولة في أميركا اللاتينية تُعد حليفا أيديولوجيًّا مهما لموسكو في مواجهتها مع واشنطن، بل هي أيضا عضو في منظمة أوبك+. على مدى السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية، لم تكن فنزويلا ملزمة بحصص إنتاجية محددة بموجب سياسة المنظمة.

لكن هذا القرار كان من أعضاء أوبك+ أنفسهم، نظرا لمعاناة البلاد من العقوبات الأميركية وانخفاض إنتاجها الذي لم يتجاوز 0.8 إلى 1 مليون برميل يوميا. في المستقبل، إذا بدأ الإنتاج بالنمو، فمن الممكن التوصل إلى اتفاق مع كاراكاس داخل المنظمة. مع ذلك، "إذا ما نُصِّبَ نظام موالٍ للولايات المتحدة في فنزويلا، فمن المحتمل جدا أن تتجاهل البلاد تماما مطالب أوبك+. من خلال السيطرة على صناعة النفط الفنزويلية، ستكتسب الولايات المتحدة نفوذا إضافيا للتلاعب بسوق النفط العالمية".

الاستثمارات السياسية والعسكرية

يسود اعتقاد في الأوساط السياسية والإعلامية في روسيا أن نجاح العملية الأميركية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لم يعتمد فقط على التفوق العددي والنوعي للأسطول الأميركي أو مفاجأة الهجوم، بل اعتمد أكثر على عدم تحرُّك الجيش الفنزويلي وخيانة جزء من دائرة الرئيس مادورو.

أحد أكثر الأسئلة المطروحة عقب العملية الأميركية العسكرية ضد فنزويلا: لماذا لم تصبح الأسلحة الروسية والخبراء العسكريون الروس عاملا مؤثرا في ساحة المعركة؟ يقول المدون العسكري الروسي المعروف ألكسي بودلياك إنه "كلما مرَّ الوقت منذ أن اختطف الأميركيون الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ازدادت الأدلة التي تشير إلى أن روسيا لم تلعب أي دور في تلك المعركة. وإن كان لها دور، فقد كان دور المراقب السلبي. علاوة على ذلك، لا يمكن أن يكون هذا الدور السلبي محض مصادفة".

نشر بودلياك معلومات لافتة بشأن التعاون العسكري الروسي مع فنزويلا. هذه المعلومات تُظهر أن موسكو عيَّنت عام 2024 أوليغ ماكاريفيتش كبير المستشارين العسكريين الروس في فنزويلا.

ماكاريفيتش شغل في بداية العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا منصب مجموعة دنيبر، قبل أن يُقال من منصبه ويختفي مؤقتا عن الأنظار، لفشله في إيقاف الهجوم الأوكراني المعاكس صيف 2022، الذي خسرت موسكو بسببه سيطرتها على الضفة الغربية لنهر دنيبر في مقاطعة خيرسون. عاد ماكاريفيتش للظهور في فنزويلا بصفته كبير المستشارين العسكريين، وشملت مهامه، من بين أمور أخرى، إعداد الجيش الفنزويلي لغزو أميركي محتمل.

أظهرت عملية اعتقال الأميركيين لنيكولاس مادورو عجز نظام الدفاع الجوي الفنزويلي، الذي كان نظريا الأقوى في أميركا الجنوبية، عن القتال وقت الهجوم.

وبحسب معلومات المدون الروسي العسكري، فإن 7 من أصل 12 نظاما من طراز "بوك-إم2" كانت معطلة بسبب نقص المكونات. وكذلك معظم أنظمة "إس-300 في إم" بعيدة المدى. ولم يكن وضع أنظمة الدفاع الجوي قريبة المدى، مثل نظام "تور-إم1" أفضل حالا. "ولا يعلم إلا الله أين اختفت صواريخ إيغلا المحمولة على الكتف، التي قيل إن عددها يزيد على 5000 صاروخ".

علاوة على ذلك، "كان لدى موسكو وكاراكاس متسع من الوقت لتصحيح وضع أنظمة الدفاع الجوي بعيدة ومتوسطة المدى، نظرا للتصعيد المطول الذي أحاط بالهجوم (على الأقل منذ الصيف). لكن لم تُتخذ أيٌّ من هذه الإجراءات الواضحة، ليس فقط من قِبل الفنزويليين، بل من قِبل الروس أيضا".

مصدر الصورة نيكولاس مادورو وزوجته مكبلين بالأصفاد بعد هبوطهما في مانهاتن، برفقة عملاء فيدراليين وهما في طريقهما إ محكمة فيدرالية في نيويرك في 5 يناير/كانون الثاني 2026 (غيتي)

هل هي صفقة جيوسياسية – اقتصادية؟

عقب إعلانه عن نجاح عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قال الرئيس الأميركي بشكل لا لبس فيه: "يجب أن تفهموا: لماذا تحتاج الصين إلى النفط الفنزويلي؟ لماذا تحتاج إليه روسيا؟ لماذا تحتاج إليه إيران؟ إنهم لا وجود لهم أصلا في هذه القارة".

تصريحات الإدارة الأميركية وردود الفعل الروسية توحي، بحسب عدد من الخبراء السياسيين الروس، أن روسيا كانت على علم بالعملية الفنزويلية.

يقول الإعلامي الروسي الشهير مكسيم شيفشينكو إن "عبارة ترامب «هنا تمّ كل شيء مباشرة» لا يمكن فهمها إلا بمعنى واحد: أي إنّه في فلوريدا خلال مفاوضات المبعوث الروسي كيريل دميترييف مع الأميركيين في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بحث مصير مادورو وجميع جوانب إعادة التقسيم القسري لحزمة النفط الفنزويلية، التي كانت حصة روسيا فيها في مجال استخراج النفط الفنزويلي وحده تبلغ حتى عام 2024 نحو 12%".

إعلان

ويرى الإعلامي الروسي أن "من المرجّح أن تكون الولايات المتحدة قد تعهّدت بمراعاة المصالح الروسية في النفط الفنزويلي. فمصادرة الحصص الروسية في فنزويلا لن تؤدي إلا إلى دفع موسكو أكثر إلى أحضان بكين. وفصل روسيا عن الصين هي مهمة إستراتيجية بالنسبة للإدارة الأميركية".

بمعنى أن التواطؤ حول فنزويلا لا يكلّف الأميركيين شيئا، لكنه سيلعب دورا مهما في الملف الأوكراني وفي مسألة فصل روسيا عن الصين.

ويطرح الكاتب سؤالا يتردد في الفضاء الروسي: "هل حدث أيضا عبر روسيا التفاهم مع الجنرالات الذين راقبوا إخراج مادورو من البلاد من دون إطلاق النار على الأهداف الخاصة في كاراكاس، التي كانت تحلّق فوقها طائرات بلا حماية وبلا شعلات حرارية، بينما كانت تلك المواقع مكتظة بقوات خاصة مزوّدة بمنظومات دفاع جوي محمولة على الكتف؟".

التسوية الأوكرانية في ضوء التحولات في أميركا اللاتينية

عملية اعتقال مادورو تحرر برأي كثيرين الكرملين من "العوائق السياسية والأخلاقية"، وتطلق يدي الرئيس الروسي للقيام بشيء مماثل تجاه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وحاشيته. فزيلينسكي فاقد للشرعية برأي موسكو والدستور الأوكراني. أما رموز حكمه فمدرجون على قوائم الإرهاب الروسية، لا سيما مع ترويج موسكو لقصة محاولة أوكرانيا استهداف أحد مقرات الرئيس الروسي في مقاطعة نوفغورود.

لا شك أن قضية فنزويلا ستؤثر على جودة المفاوضات القادمة مع الولايات المتحدة. ستحدد نبرة معينة، بشكل أو بآخر. "حسنا، لقد فعلناها، فعلنا ما أردنا، وماذا عنكم؟"، سواء أعجب موسكو ذلك أم لا، سيكون هذا موقف واشنطن.

فهل ستُقدم موسكو على تصفية زيلينسكي وحاشيته بضربة صاروخية مدمرة؟

سؤال معقد لا يمتلك أحد في روسيا القدرة للإجابة عنه.

لتحجيم الدعم السياسي الروسي لفنزويلا، ربطت الولايات المتحدة ضغوطها على فنزويلا بالدبلوماسية المكثفة والمفاوضات بشأن أوكرانيا. من الواضح أنه لا أحد سيرغب في الدخول في صراع مع ترامب في هذه اللحظة، بما في ذلك الرئيس بوتين. كان هناك حديث طويل في الأروقة السياسية والإعلامية في موسكو وواشنطن عن خطة تُنسب إلى الرئيس ترامب: "مقايضة مادورو بزيلينسكي".

الفكرة كانت أن إنهاء الصراع في أوكرانيا سيكون أكثر أهمية بالنسبة لموسكو. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن مغادرة مادورو تحل مشكلة فنزويلا، لكن مغادرة زيلينسكي لن تحل مشكلة أوكرانيا، ربما لأن الوضع في أوكرانيا ليس بهذه البساطة.

يقول الإعلامي الروسي مكسيم شيفشينكو إن "القضية الأوكرانية مرتبطة بالأسواق العالمية ولا وجود لها بمعزل عنها. وإن «التفاهم المباشر» على طريقة «روح أنكوريدج» (قمة آلاسكا بين بوتين وترامب) سيحدث مع موسكو في العديد من القضايا العالمية".

وترى الباحثة السياسية لانا بادفان أن "تسارع اليد الأميركية في بعثرة أوراق القوة هناك ليس إلا محاولة استباقية للضغط على الموقف الروسي قبل لحظة التوقيع الكبرى، مما يجعل المسار التفاوضي الأوكراني مجرد صدى لاهتزازات النفوذ في الكاريبي. هذا الترابط العضوي يؤكد أن مصير كييف بات رهينة لـ"خارطة المقايضات" بين الكرملين والبيت الأبيض، حيث تُقايض السيادة بالسيادة، والنفوذ بالنفوذ، في لعبة شطرنج كونية لا تعترف بالحدود الجغرافية. وفي هذا الصدام، تبرز التفاهمات الضمنية بين (بوتين-ترامب) بوصفها قوة دفع وحيدة لإنهاء الأزمة، عبر هندسة واقع دولي جديد يطيح بالحسابات التقليدية ويفرض "منطق الأقوياء" بديلا وحيدا للفوضى".

ما العمل؟ السؤال التاريخي الروسي الأبدي

في تحليل لردود الفعل والمواقف الروسية الرسمية، يتكون انطباع وكأن موسكو تتعامل مع حدث لا يتعلق بدولة حليفة في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، وإنما دولة صغيرة غير مؤثرة على أطراف العالم. فمنذ بداية التصعيد حول فنزويلا، دعت موسكو إلى اللجوء إلى الحوار وبحث الخلافات دون اللجوء إلى القوة، وكأنها تعترف ضمنيا بالاتهامات الأميركية لمادورو.

سارعت الخارجية الروسية للترحيب بأداء ديلسي رودريغيز اليمين الدستورية بوصفها رئيسة للبلاد، معتبرة هذه الخطوة تجسيدا لعزم الحكومة على ضمان الوحدة والحفاظ على هيكل السلطة ومنع حدوث أزمة دستورية ومواجهة التهديدات والعدوان المسلح القادم من الخارج. (بيان الخارجية الروسية يوم 6 يناير/كانون الثاني 2026)

ويرى خبراء السياسة الروس أن موسكو لا تمتلك فعليا أدوات ضغط وتأثير على مجريات الأحداث في فنزويلا. فعليا تعترف موسكو بفقدانها حليفا إستراتيجيا مهما في النصف الغربي من الكرة الأرضية. خسارة قد لا تكون الأخيرة، فكوبا ونيكاراغوا وكولومبيا وضعها ترامب هي الأخرى في مرمى أهدافه.

في ضوء هذه التطورات وما تفرضه من تحديات، يجب على الجانب الروسي أن يفعل تماما كما فعل الأميركيون. بحسب الخبراء، يجب على روسيا إجراء مراجعة شاملة لأصولها الجيوسياسية في العالم. فإذا كانت فنزويلا غير قابلة للمساعدة ولا يمكن إنقاذها، وإذا لم تكن أولوية، فهذا يقتضي اتباع إستراتيجية محددة في إطار ما يمكن تسميته بـ "عقيدة مونرو الروسية".

أما إذا كانت فنزويلا ضرورية ومهمة، سواء بذاتها أو بوصفها جزءا من خطة أوسع، فإن من المهم ألا تُقلَّص إلى مجرد صفقة تبادل. لذلك، يجب الحديث عن فنزويلا ليس فقط في سياق أوكرانيا، بل ربطها بمواقف روسيا في السوق الأوروبية للطاقة، رغم أن هذا يبدو غير واقعي وفق المعطيات المُعاشة اليوم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا