عيدروس الزبيدي الذي أعلنت الرياض فراره من اليمن إلى الإمارات العربية المتحدة يسعى منذ عقود لإقامة دولة جنوبية مستقلة، إلا أن الهجوم المباغت الذي تفذه أنصاره قبل أسابيع للسيطرة على مناطق يمنية شاسعة جنوب وشرق اليمن، قد يترك أثرا سلبيا على طموحاته ومسيرته السياسية.
ويجزم مسؤولون سعوديون أن السياسي البالغ من العمر 58 عاما فرّ إلى الإمارات، في أعقاب طرد قواته من المناطق التي سيطرت عليها الشهر الماضي في جنوب اليمن وبينها محافظة حضرموت الغنية بالنفط، وتقدم هذه القوات نحو مدينة عدن عاصمة اليمن المؤقتة. لكن مسؤولين في المجلس الانتقالي الذي يترأسه الزبيدي والمدعوم من الإمارات، يؤكدون أنه لا يزال في اليمن.
وأتهم مجلس القيادة الرئاسي اليمني، السلطة العليا في اليمن والمعترف بها دوليا، الزبيدي بـ"الخيانة العظمى" وأعلن فصله من المجلس. وهكذا، تحوّل الزبيدي من شريك أساسي في الحكم الذي يحارب المتمردين الحوثيين منذ العام 2014، إلى سياسي متوار عن الأنظار بعد أن تمكّن شركاؤه في الحكومة المدعومون من السعودية من استعادة زمام المبادرة في المناطق التي أراد الزبيدي إحياء دولة جنوب اليمن فيها والتي كانت قائمة حتى العام 1990 قبل توحيد البلاد.
وتقول إليزابيث كيندال من جامعة كامبريدج البريطانية لوكالة فرانس برس، "من الصعب تصوّر كيف يمكن للزبيدي إعادة بناء مسيرته السياسية"، مشيرة إلى "النكسات العسكرية الأخيرة، وتجاوز المجلس الانتقالي الجنوبي لحدود قدراته، فضلا عن فراره من عدن رغم تصريحات المجلس بأنه سيبقى فيها لدعم شعبه".
بنظاراته ولحيته المرتبة التي تتخللها خيوط شيب، يبدو الزبيدي اليوم مختلفا عن صورة المقاتل الذي خاض في العشرينات من عمره حربا قصيرة من أجل الاستقلال. وُلد الزبيدي عام 1967 ونشأ في محافظة الضالع في جنوب اليمن، وتابع دراسته الجامعية لاحقا في كلية القوات الجوية والدفاع الجوي في عاصمة جنوب اليمن آنذاك عدن، وفق موقع المجلس الانتقالي الجنوبي. بعد تخرجه من الكلية العسكرية، التحق بالقوات الجوية لمدة عام قبل توحيد اليمن الجنوبي والشمالي في عام 1990.
في العام 1994، شارك إلى جانب القوات الجنوبية في الحرب الأهلية التي استمرت أشهرا قليلة وانتهت بهزيمة القوات الجنوبية وسيطرة قوات الشمال على عدن، ما دفعه إلى مغادرة البلاد إلى جيبوتي . بعد عودته إلى اليمن عام 1996، أنشأ وقاد حركة مسلحة باسم "حتم" (حق تقرير المصير)، تطالب باستعادة دولة اليمن الجنوبي، ونفّذت هجمات ضد القوات الحكومية.
عندما سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء عام 2014، بدأ الزبيدي بتعزيز سلطته في عدن التي صارت عاصمة مؤقتة لليمن، وبرز كقائد في القتال ضد المتمردين المدعومين من إيران.
في تلك الفترة، عاد الزبيدي "إلى جذوره كمقاتل جبلي" بعد فترة من الانقطاع، كما يقول فارع المسلمي، الخبير في الشأن اليمني في "معهد تشاتام هاوس" في لندن، في منشور على منصة إكس. ويضيف المسلمي، مشيرا إلى مقابلة أجراها مع الزبيدي عام 2013، "كان يبدو بصحة أفضل وسعادة أكبر مما كان عليه في حياته اللاحقة التي قضاها في فنادق خمس نجوم ومدن غريبة".
وتولى الزبيدي منصب محافظ عدن في كانون الأول/ ديسمبر 2015. ونجا من محاولات اغتيال، بينها ثلاثة تفجيرات بسيارات مفخخة نسبت إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). نجا من عدة محاولات اغتيال.
لكن التوترات تصاعدت مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا التي تتخّذ من عدن مقرا منذ سيطرة المتمردين الحوثيين على العاصمة صنعاء. وأُقيل من منصبه كمحافظ في العام 2017.
وفي تلك المرحلة، أسّس الزبيدي "المجلس الانتقالي الجنوبي"، جامعا تحت مظلته قوى انفصالية تحظى بدعم من دولة الإمارات. وتحوّل المجلس تدريجيا إلى أقوى قوة عسكرية في جنوب اليمن. عند تشكيل مجلس القيادة الرئاسي اليمني في العام 2022، انضم إليه الزبيدي.
وكانت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي قد تقدّمت في محافظتي حضرموت والمهرة في مطلع كانون الأول/ ديسمبر، ما أثار غضب السعودية التي تدعم الحكومة وتقود التحالف العسكري الذي يحارب الحوثيين.
وكتب المسلمي على منصة إكس إن ما حصل خلال مؤخرا "يطوي فجأة فصلَ دوره (الزبيدي) في الجنوب". ويضيف أن الزبيدي "ينضمّ الآن إلى قائمة طويلة من قادة الجنوب المنفيين الذين استغلوا البحر خير استغلال عبر التاريخ"، في إشارة إلى طريق الهروب عقب الهزيمة.
تحرير: ع.ح.م
المصدر:
DW