هذا المقال بقلم خلف بن أحمد الحبتور، رجل أعمال إماراتي ورئيس مجلس إدارة مجموعة "الحبتور" الإماراتية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن وجهة نظره ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN
ما جرى مؤخراً في فنزويلا ليس حادثة معزولة، ولا ينبغي التعامل معه على هذا الأساس. إنه إشارة واضحة تستحق قراءة متأنية لا ردود فعل عاطفية، ولحظة مفصلية تكشف هشاشة النظام الدولي الذي نعيش في ظله اليوم .
في مطلع هذا الشهر، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية مباشرة على الأراضي الفنزويلية، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية. لم يكن ذلك نتيجة قرار متعدد الأطراف، ولا خاتمة لمسار قضائي دولي، بل كان إجراءً أحادياً نُفذ بالقوة .
والرسالة هنا لا تحتمل التأويل: لا توجد ضمانات مطلقة، والسيادة الوطنية تصبح مشروطة عندما تتعارض مع مصالح الدول الأقوى .
عندما يصبح القانون انتقائياً
إذا كانت الاتهامات الموجهة إلى الرئيس مادورو ذات طابع قانوني، يبرز سؤال بديهي: لماذا لم يتم اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية ICC ؟ ولماذا لم تُقدَّم شكاوى رسمية، وتُعرض الأدلة، ويُحتكم إلى الإجراءات القانونية الواجبة؟
بتجاوز المؤسسات القانونية الدولية، تكون الولايات المتحدة قد تولّت بنفسها مهمة "العدالة الدولية". وبهذا، لم تُضعف سيادة فنزويلا فحسب، بل قوّضت أيضاً النظام الذي تزعم الدفاع عنه. وهذا يشكل سابقة خطيرة. فإذا استطاعت دولة واحدة تجاهل الآليات الدولية من دون تبعات، فما الذي يمنع الآخرين من أن يحذوا حذوها؟
سابقة تتجاوز حدود فنزويلا
الولايات المتحدة ليست القوة العالمية الوحيدة. فالصين وروسيا والهند وباكستان وغيرها تمتلك قدرات عسكرية وقوى نووية. وإذا أصبح التدخل الأحادي نهجاً مقبولاً، فمن الذي سيمنع التدخل القادم تحت ذريعة "الأمن" أو "العدالة"؟ لهذا، لا تكمن أهمية فنزويلا في التعاطف مع نظام أو شخص، بل في حقيقة أن القواعد نفسها يجري إعادة صياغتها .
صمت المجتمع الدولي
اجتمعت الأمم المتحدة. أُلقيت الكلمات. عُبّر عن القلق. لكن ما عدا ذلك، لم يحدث الكثير. هذا المشهد المتكرر يبعث برسالة واضحة إلى العالم: القوة تتغلب على المبدأ، والمساءلة انتقائية. وعندما تفشل المؤسسات الدولية في اتخاذ مواقف حاسمة، فإنها لا تحافظ على الاستقرار، بل تساهم في تآكله .
حتى التحذيرات الصادرة عن جهات أممية بأن مثل هذه التصرفات تجعل العالم أقل أمناً قوبلت باللامبالاة. وهذا الصمت ليس حيادياً؛ بل له تبعاته .
من فنزويلا إلى غرينلاند: من الآمن حقاً؟
لقد صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً بأن غرينلاند ذات أهمية حيوية للأمن القومي الأمريكي. وإذا كانت الاعتبارات الأمنية تبرر التحرك الأحادي، فمن المشروع التساؤل: هل سنشهد تطبيق المنطق ذاته في أماكن أخرى؟
هذا ليس تهويلاً. بل هو النتيجة المنطقية لعالم يحل فيه منطق القوة محل حكم القانون. والسؤال المقلق الذي يجب طرحه بصدق، ومن دون أوهام، هو: من الآمن اليوم؟
القوة لا تُعلن، بل تُبنى
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا بد من التأكيد على حقيقة أساسية: لسنا عاجزين. يمتلك العالم العربي ثروة هائلة من العقول؛ علماء ومبدعين ومفكرين وقادة، أسهم كثير منهم في التقدم العالمي حين أُتيحت لهم الفرصة. لم تكن مشكلتنا يوماً في نقص المواهب، بل في غياب الهياكل المستقرة التي تحمي هذه الطاقات وتحتضنها وتمنع نزيفها .
إن أنجح اقتصاداتنا العربية لم تُبنَ بالاعتماد على الآخرين، بل أُسست على أرضنا، وبسواعد أبنائنا، عبر الرؤية والانضباط والتخطيط طويل الأمد. وهذا ليس تنظيراً، بل تجربة مُعاشة. فالاستقلال الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، بل بالمعرفة، وبناء المؤسسات، والقدرة على اتخاذ قرارات سيادية من دون خوف .
فما الذي يجب فعله؟
أولاً: تعزيز جامعة الدول العربية فعلاً لا شكلاً .
يجب أن تتجاوز جامعة الدول العربية الإطار الرمزي، وأن تتحول إلى منظومة سياسية واقتصادية وأمنية ذات مصداقية، قادرة على حماية أعضائها وردع الضغوط الخارجية. فالكتلة التي تعجز عن حماية سيادتها لن تحظى بالاحترام .
ثانياً: إبقاء رأس المال والأصول الاستراتيجية العربية داخل المنطقة .
أثبتت التطورات العالمية الأخيرة حقيقة بسيطة: الأصول الموجودة خارج الأوطان عرضة للمخاطر. إن تجميد ومصادرة الأصول الروسية الخاصة في أوروبا يشكل تذكيراً واضحاً بأن القرارات السياسية قادرة على تجميد الثروات أو مصادرتها بين ليلة وضحاها، بغض النظر عن الملكية القانونية أو الضمانات السابقة .
وتبدأ السيادة الاقتصادية من الداخل، عبر الاستثمار الإقليمي في الأمن الغذائي، والطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا. وهذا ليس انعزالاً، بل حُسن تقدير .
ثالثاً: الوحدة، واليقظة، ودائرة القرار الموثوقة .
الوحدة ليست مفهوماً عاطفياً، بل ضرورة استراتيجية. على الدول العربية تنسيق سياساتها، ورصّ الصفوف، وتعزيز التماسك الداخلي. وفي الوقت نفسه، من الضروري التدقيق في المحيطين بصنّاع القرار، والاحتفاظ فقط بمن لا يُشكّ في ولائهم للمصلحة الوطنية .
فالتاريخ يعلمنا أن نقاط الضعف الداخلية غالباً ما تكون أشد خطراً من التهديدات الخارجية .
كلمة أخيرة
فنزويلا ليست استثناءً. إنها تحذير. نحن ندخل مرحلة تتراجع فيها الضمانات الدولية، وتضعف فيها المؤسسات، وتعلو فيها لغة القوة على المبادئ. والوعي اليوم ليس ترفاً، بل شرطاً للبقاء. من يدرك اتجاه العالم ويستعد بحكمة سيصمد. أما من يراهن على افتراضات لم تعد قائمة، فقد لا تُمنح له فرصة أخرى .
الرسالة واضحة. والوقت للتحرك هو الآن .
المصدر:
سي ان ان