آخر الأخبار

ماذا بقي من حماس بعد إعلان مقتل قادتها؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قبل أيام أعلنت كتائب القسام نعي مجموعة من أبرز قادتها، في مقدمتهم محمد السنوار قائد الأركان، ومحمد شبانة قائد لواء رفح، و رائد سعد قائد ركن التصنيع وقائد ركن العمليات الأسبق، وحكم العيسى قائد ركن الأسلحة والخدمات القتالية، إضافة إلى الناطق العسكري حذيفة الكحلوت، الذي عرفناه دوما باسم "أبو عبيدة".

وبالتوازي، كشفت القسام عن تعيين ناطق عسكري جديد احتفظ بالكنية ذاتها، في إشارة لافتة إلى استمرارية الوظيفة الإعلامية للمتحدث باسمها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ترامب الذي يريد إيقاف الحروب يشتعل العالم بين يديه
* list 2 of 2 كم دولة هاجمتها إسرائيل عام 2025؟ end of list

إن الإعلان عن اغتيال الاحتلال لهذه النخبة من قادة القسام في عمليات منفصلة، ليس الأول من نوعه منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد سبقته إعلانات مماثلة، كان أبرزها خلال فترة الهدنة، حين أُعلن عن استشهاد عدد من كبار القادة، على رأسهم القائد التاريخي لكتائب القسام محمد الضيف.

كما اتسع نطاق الاغتيالات ليشمل ساحات خارج فلسطين، بدءًا باغتيال صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية ( حماس) مع عدد من مرافقيه في الضاحية الجنوبية لبيروت مطلع عام 2024، مرورًا باغتيال رئيس الحركة إسماعيل هنية داخل مجمع مخصص لكبار الضيوف تابع للحرس الثوري في طهران منتصف العام ذاته، ثم مقتل خليفته يحيى السنوار في رفح، وصولًا إلى قصف اجتماع لقيادات الحركة في الدوحة أثناء بحثهم مقترحًا أميركيًّا لوقف الحرب في عام 2025.

جاء هذا التتابع في الاستهدافات ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف تقويض البنية القيادية والتنظيمية لحركة حماس عبر اغتيالات شملت بجوار الصف الأول القيادات الوسطى وكوادر تنظيمية في مختلف المستويات.

وترافقت هذه المقاربة مع عمليات تدمير واسعة للحاضنة المجتمعية في قطاع غزة، تمثلت في مجازر جماعية أسفرت عن أكثر من 70 ألف شهيد ونحو 10 آلاف مفقود، فضلًا عن أعداد أكبر من المصابين، مع تدمير البنية التحتية للقطاع، ضمن مقاربة تقوم على أن تدمير البيئة الحاضنة سينعكس تلقائيًّا على قدرة حماس على الاستمرار والتجدد.

إعلان

في ضوء ذلك، تبرز الحاجة إلى تقييم دقيق لأثر هذه الموجة غير المسبوقة من الاغتيالات على قدرة حماس على مواصلة نشاطها العسكري والتنظيمي والسياسي، وعلى انعكاساتها المحتملة على توجهات الحركة وخياراتها، لا سيما مع اقتراب استحقاق اختيار قائد جديد، في ظل تداعيات حرب " طوفان الأقصى" التي تجاوزت غزة لتطال شبكة حلفاء الحركة وبيئتها الإقليمية.

مصدر الصورة حذيفة الكحلوت الناطق الإعلامي السابق باسم كتائب القسام المعروف بـ"أبو عبيدة" (حساب حركة حماس على تلغرام)

مرجعية أميركية

يستند التحليل المرفق إلى أدبيات منهجية طُوِّرت داخل مؤسسات صنع القرار الأمني الغربية، وفي مقدمتها دراسة سرية أعدّتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية حول ما يُعرف ببرامج "الاستهداف العالي القيمة"، قبل أن تُنشر ضمن تسريبات موقع ويكيليكس.

وتتناول هذه الدراسة الاغتيالات بوصفها عمليات مركّزة تستهدف أفرادًا أو شبكات يُفترض أن يؤدي تحييدها إلى إحداث تآكل ملموس في فاعلية الجماعات المسلحة، مع التشديد على أن نتائج هذه العمليات ليست ثابتة، بل تتغيّر تبعًا لطبيعة التنظيم المستهدف، ومستوى مركزيته، وبنية قيادته، والغاية الإستراتيجية التي تسعى الجهة المنفذة إلى تحقيقها.

الوثيقة، المصنّفة "سري/لغير الأجانب" والمخصصة للاستخدام الداخلي، لم تكن معدّة للنشر العام، واعتمدت على تقارير سرية للسفارات ووكالات الاستخبارات الأميركية، وتقارير لأجهزة استخبارات حليفة.

وقد قيّمت الدراسة تجارب استهداف جماعات مسلحة في ساحات متعدّدة، من أفغانستان والجزائر والعراق وفلسطين المحتلة، إلى إيرلندا الشمالية وسريلانكا والشيشان وليبيا وباكستان وتايلند وبيرو، خلال الفترة الممتدة بين 1983 و2009. ويأتي توظيف هذه الدراسة هنا باعتبارها إطارًا تحليليًّا لفهم حدود نهج اغتيال القادة، وشروط نجاحه وعوامل إخفاقه، عند إسقاطه على حالة حركة حماس في السياق الراهن.

تُظهر أدبيات وكالة الاستخبارات المركزية أن الاغتيالات تُعامَل بوصفها أداة وظيفية يتوقف أثرها على السياق الذي تُستخدم فيه. ففاعلية استهداف القادة ترتبط بمدى اندماج هذه العمليات ضمن إستراتيجية أشمل لمكافحة الجماعات المسلحة، وبقدرة الجهة المنفذة على تحديد النتيجة المرجوّة مسبقًا، وفهم البنية الداخلية للتنظيم المستهدف، وتوظيف أدوات الضغط العسكرية وغير العسكرية بصورة متزامنة ومنسّقة.

وعند إسقاط هذه المقاربة على حالة حركة حماس، يتضح أن سياسة الاغتيالات الإسرائيلية تسعى إلى تحقيق مزيج من الأهداف التنظيمية والنفسية، تشمل إضعاف فاعلية الحركة، وتقليص قدرتها على التعبئة، ودفعها إلى تعديل أنماط عملها، بالتوازي مع محاولة إظهار القدرة على المبادرة وتعزيز المعنويات داخل المجتمع الإسرائيلي.

وفي هذا الإطار، قد تُحدث عمليات الاستهداف قدرًا من الارتباك عندما تطال قادة يصعب تعويضهم أو كوادر تمتلك خبرات نوعية في مجالات حساسة مثل التمويل أو اللوجستيات، كما تدفع التنظيم إلى تشديد احترازاته الأمنية، وتقليص قنوات الاتصال، واللجوء إلى أنماط قيادة أكثر تباعدًا، بما يحد من الكفاءة التشغيلية.

إعلان

وتشير هذه الأدبيات إلى أن مقتل القادة قد يؤدي، في بعض السياقات، إلى تراجع الدعم المحلي أو الخارجي، مع إعادة المؤيدين حساب فرص النجاح خاصة عندما تتزامن الضربات مع خسائر ميدانية أو سياسية.

وتكتسب هذه الخلاصة المنهجية معناها العملي عند مقارنتها بتقديرات صادرة من داخل قادة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها. فقد أشار مائير بن شبات، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق قبيل الهجوم على الدوحة بأيام معدودة، إلى أن تصفية القيادة الميدانية لحركة حماس في قطاع غزة لم تُنهِ فاعلية الحركة، بل أسهمت في نقل مركز الثقل إلى القيادة العاملة في الخارج، التي أصبحت تضطلع بوظائف تشبه "هيئة أركان" سياسية وتنظيمية، تتولى إدارة الخطاب، وتعبئة الموارد، والحفاظ على شبكة العلاقات الإقليمية، وهو ما يفسر الحرص الإسرائيلي على تصفية قادة الحركة الموجودين خارج فلسطين.

يتقاطع تقدير مائير بن شابات مباشرة مع ما خلصت إليه مراجعات برامج "الاستهداف العالي الأهمية"، التي تؤكد أن الاغتيالات قد تغيّر شكل التنظيم المستهدف وتوزيع أدواره أكثر مما تؤدي إلى تفكيكه، خاصة في الحالات التي تتوافر فيها بنية لا مركزية، ومخططات استخلاف، وعمق سياسي واجتماعي يسمح بامتصاص الصدمات.

آثار الاغتيالات

يتشكل أثر اغتيال القادة من خلال تفاعل معقّد بين خصائص التنظيم المستهدف من جهة، وقدرة الجهة المنفذة على إدارة الاستهداف ضمن مقاربة أشمل من جهة أخرى. ويفسر هذا الإطار التباين الكبير في نتائج الاغتيالات عبر الحالات المختلفة، كما يوفّر مدخلًا ضروريًّا لفهم حدود تأثيرها في حركة حماس في السياق الراهن.

يحتل الهيكل القيادي موقعًا حاسمًا في تحديد حجم التأثر. فالجماعات ذات البنية المركزية، المقادة بشكل شخصي، تُظهر قابلية أعلى للاضطراب عند فقدان قادتها، حيث ينعكس غياب الرأس مباشرة على القرار والتوجيه، وقد يفتح غياب القائد الكاريزمي المجال أمام صراعات داخلية، أو تنافس على الشرعية، أو تشظٍّ في مراكز صنع القرار أو يعيد ترتيب التحالفات داخل التنظيم.

في المقابل، تُظهر التنظيمات ذات الهياكل اللامركزية قدرة أكبر على التكيّف وإعادة إنتاج نفسها بعد الضربات. في هذا السياق، تُدرج الأدبيات الأميركية حركات مثل حماس ضمن هذه الفئة، حيث يتوزع القرار على مستويات متعددة، وتُدار المهام عبر شبكات تنظيمية تقلل من أثر فقدان الأفراد.

وقد برز ذلك بوضوح بعد اغتيال قائدي حماس الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي بفاصل 3 أسابيع عام 2004، إذ أظهرت البنية الانضباطية للحركة قدرة واضحة على إعادة تنظيم الصفوف بدل الانكفاء أو التفكك.

مصدر الصورة الشيخ أحمد ياسين (يمين) والدكتور عبد العزيز الرنتيسي (مواقع التواصل)

وتؤدّي نوعية القادة المستهدفين دورًا إضافيًّا في تحديد الأثر. فبعض القادة يجمعون بين المبادرة والكاريزما والرؤية الإستراتيجية والقدرة على التواصل، مما يجعل فقدانهم أكثر كلفة من الناحية النوعية.

غير أن هذه الكلفة تتراجع عندما يمتلك التنظيم آليات واضحة للاستخلاف، وقاعدة بدائل واسعة، ونظام تصعيد داخلي يسمح بترقية قيادات جديدة وفق معايير تنظيمية مستقرة. وفي حالة حماس عبر تاريخها، أسهم اتساع القاعدة القيادية والانضباط الداخلي في الحد من الفراغ الناتج عن اغتيال شخصيات مركزية.

غير أن هذا التكيّف التنظيمي لا ينفصل عن البيئة التي تعمل فيها الحركة. فاستهداف الحاضنة المجتمعية على نطاق واسع، عبر القتل الجماعي والتدمير الممنهج للبنية السكنية والخدمية، يفرض أثرًا مضاعفا على حماس، إذ ينهك القاعدة الشعبية التي تستند إليها في التجنيد والدعم والاحتضان، ويفني طبقات اجتماعية استثمرت فيها دعويا وتربويا عبر عقود. ويسبب هذا النمط من الاستهداف صعوبات مستقبلية في استعادة الزخم الدعوي والخدماتي الذي شكّل أحد أعمدة حضور حماس داخل المجتمع.

إعلان

ومن زاوية أخرى، يمثّل مستوى الظهور العلني عاملًا نفسيًّا وتنظيميًّا مؤثرًا. فالتنظيمات التي تضطلع بأدوار شبيهة بوظائف الدولة، كإدارة الشأن الاجتماعي أو تقديم الخدمات، تفرض حضورًا عامًّا لقياداتها، مما يجعل فقدان هذه الشخصيات أكثر وقعًا على مستوى الإدراك الشعبي. وتندرج حماس ضمن هذا النموذج، إذ لا يقتصر دور قيادتها على العمل السري، بل يمتد إلى المجالين الاجتماعي والسياسي، وهو ما يضفي على الاغتيالات أبعادًا تتجاوز الخسارة التنظيمية المباشرة.

كما تدخل مرحلة تطور التنظيم في حسابات التأثر. فالحركات التي لا تزال في طور التكوين، أو التي تمرّ بمراحل تراجع حادّ، تكون أكثر هشاشة واعتمادًا على عدد محدود من الأفراد. في المقابل، تُظهر التنظيمات التي بلغت درجة من النضج المؤسسي، كما في حالة حماس، قدرة أعلى على امتصاص الخسائر، حتى عندما تطال قيادات من الصف الأول. ويعزّز ذلك وجود قضية جامعة، وروابط اجتماعية متجذرة، وقاعدة دعم واسعة، بما يضمن استمرار تدفق المجندين والموارد، ويحدّ من الأثر التفكيكي لفقدان القيادة.

غير أن تصاعد وتيرة الاستهداف، وتحولها إلى ضغط متواصل لا يترك فواصل زمنية كافية لإعادة الترميم الداخلي، يفرض تحديًا مختلفًا، يتمثل في إنهاك البنية القيادية، وإجبارها على العمل في وضع استنزاف دائم، مما يضيّق هامش المناورة، ويسرّع التحولات في أساليب القيادة والتواصل، وربما يؤثر فير التوجهات العامة مع التغيّر السريع للأشخاص الذين يتولّون مواقع القيادة خلال فترات زمنية قصيرة.

ويُضاف إلى ذلك عامل الملاذات الآمنة، بوصفه أحد محددات القدرة على التعافي بعد الضربات. فوجود مثل هذه المساحات يتيح إعادة التموضع وتخفيف الضغط المباشر وإعادة تنظيم الموارد. وهو ما يفسّر، في حالة حماس، الضغط الإسرائيلي المتزايد لنزع سلاح حزب الله والفصائل الفلسطينية داخل مخيمات لبنان، إلى جانب مساعٍ لتجريد الجنوب السوري من السلاح الثقيل.

ويتزامن ذلك مع ضغوط موازية على إيران تستهدف تقليص تمويلها للحركة وتقييد سقف قدراتها الصاروخية، فضلًا عن مساعي الإدارة الأميركية لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيمًا إرهابيًّا، في محاولة لفصل حماس عن شبكات الدعم التي شكّلت أحد مصادر مرونتها. ويفرض هذا النمط من الضغط أثرًا تراكميًّا على البنية القيادية، ويدفعها للعمل في بيئة ضيقة وعالية الكلفة، بما يجعل التعافي أبطأ والمناورة أكثر تعقيدًا.

حماس والاغتيالات

يُظهر تاريخ حركة حماس أنها نشأت وتطورت في بيئة متخمة باستهداف القيادات، حيث شكّلت تصفية القادة الكبار أو الكوادر التي تمتلك مهارات نوعية يصعب تعويضها أداة رئيسية في المقاربة الإسرائيلية ضد حركات المقاومة الفلسطينية، فخلال انتفاضة الأقصى وحدها نفذت إسرائيل بين أكتوبر/تشرين الأول 2000 ويوليو/تموز 2007 ما مجموعه 134 عملية اغتيال، أسفرت عن مقتل 367 شخصًا، بحسب دراسة نشرها "سيمون برات" بعنوان "تطور منطق سياسة الاغتيالات الإسرائيلية خلال انتفاضة الأقصى".

وقبل ذلك، مثّل اغتيال يحيى عياش مطلع عام 1996، ثم تصفية شخصيات بارزة في الحركة مثل إبراهيم المقادمة و صلاح شحادة و إسماعيل أبو شنب و سعيد صيام وأحمد الجعبري محطات تأسيسية في ترسيخ الاغتيال بوصفه أداة إسرائيلية في مسيرة الصراع.

وانعكس هذا النمط المتكرر من الاستهداف على تطور البنية التنظيمية لحماس، وعلى توزيع الصلاحيات داخلها، وعلى طبيعة القيادة. فقد جرى تفكيك مركزية القرار لصالح هيكل قيادي متعدد المستويات، ورُبطت الشرعية التنظيمية والمناصب الإدارية بالمؤسسات لا بالأفراد، وهو ما قلّل من قابلية الحركة للانهيار عند فقدان قادتها.

ولم يُلغِ بروز شخصيات ذات حضور سياسي وجماهيري الطابعَ الشبكي للنظام الداخلي. فالقائد، مهما بلغت مكانته، يؤدي وظيفة ضمن منظومة أوسع، ويتحرك داخل توازنات داخلية تضبط سلطته وتحدّد أطرها. وأسهم هذا النمط في الحد من تداعيات اغتيال القادة.

ففي كل مرة جرى فيها استهداف رأس قيادي، عُوِّض الفراغ عبر آليات مؤسسية، سواء بتعيين بديل مباشر أو باللجوء المؤقت إلى قيادة جماعية إلى حين استكمال إجراءات الاستخلاف. فاغتيال إسماعيل هنية سُدّ بتعيين السنوار، ومقتل السنوار سُدّ مؤقتا بقيادة جماعية لحين اختيار قائد جديد.

وفي هذا السياق، برز التخطيط للاستخلاف بوصفه آلية تنظيمية أساسية. فقد وفّر وجود طبقات قيادية متدرجة، واتساع قاعدة الكوادر العسكرية والسياسية، قدرة على تقليص الفراغ الناتج عن الاغتيالات، وضمان استمرار الوظائف الأساسية، حتى مع تفاوت مستويات الخبرة والكفاءة بين القادة المتعاقبين. كما شكّل الفصل النسبي بين الأذرع السياسية والعسكرية عامل حماية إضافيًّا، إذ لا يؤدي استهداف قيادة عسكرية تلقائيًّا إلى شلل سياسي، ولا يفضي استهداف القيادة السياسية بالضرورة إلى تعطيل القدرة العسكرية.

إعلان إسرائيل وتأكيد حماس

يمتد أثر الاغتيالات إلى لحظة الإعلان عنها وكيفية توظيفها سياسيا ومعنويا. ففي الحالة الإسرائيلية، يؤدي الإعلان المبكر، الصادر غالبًا على لسان رئيس الحكومة نتنياهو أو رئيس أركان الجيش، وظيفة داخلية بالأساس، تتصل بإدارة المعنويات داخل مجتمع يعيش كلفة حرب طويلة، كما يُقدَّم قتل قادة المقاومة بوصفه مؤشرًا على استعادة زمام المبادرة، وتسويقًا لإنجازات أمنية قابلة للاستهلاك السياسي، ومحاولة لتعويض الأثر النفسي للإخفاقات التي كشفتها هجمات 7 أكتوبر.

إعلان

وبالتوازي، يُستخدم الإعلان أداة ضغط مجتمعي، عبر تحويل الاغتيال إلى رسالة تتجاوز الكادر أو القائد المستهدف لتطال محيطه الاجتماعي، في مسعى لرفع كلفة الانخراط في المقاومة، كما ظهر في استهداف عائلات ودوائر قريبة من القيادات، بما في ذلك مقتل عشرات من أفراد عائلة المتحدث العسكري لكتائب القسام خلال عملية اغتياله.

مصدر الصورة حماس تميل إلى تأخير الإعلان عن نجاح الاغتيالات ثم صياغتها بصيغة جماعية بعد فترة زمنية بهدف امتصاص الصدمة ومنع تحويلها إلى لحظة انكسار معنوي (الموقع الرسمي لحركة حماس)

في المقابل، تتعامل حركة حماس مع الإعلان بمنطق مغاير، حيث تميل مؤخرا إلى تأخير الإعلان عن نجاح الاغتيالات ثم صياغتها بصيغة جماعية بعد فترة زمنية، بهدف امتصاص الصدمة، ومنع تحويل الاغتيال إلى لحظة انكسار معنوي، وللحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية إلى حين استكمال ترتيبات الاستخلاف وتعيين البدلاء.

ويعكس هذا الفارق في توقيت الإعلان صراعًا موازيًّا على السردية، فإسرائيل تسعى إلى تثبيت صورة الإنجاز والردع فورًا، في حين تراهن حماس على مرور الزمن لتقليص الأثر النفسي وإخماد التداعيات الأولية للاغتيال، والتعمية على الجانب الإسرائيلي.

المأزق الإسرائيلي المزمن

عند تأمل نهج الاغتيالات الإسرائيلية يتبيّن أنها تميل إلى ترجيح المكاسب التكتيكية السريعة على حساب النتائج البعيدة المدى، وكثيرا ما تُفضي إلى مآلات معاكسة للأهداف المعلنة. فقد أسهم اغتيال المئات من قادة حركة فتح، وفي مقدمتهم خليل الوزير (أبو جهاد)، الرجل الثاني بعد ياسر عرفات، في إضعاف بنية حركة فتح، لكنه في المقابل شرع الباب أمام صعود الحركات الإسلامية، وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي، خلال ثمانينيات القرن العشرين.

وتكرّر هذا النمط خلال الانتفاضة الثانية، إذ أدّت سلسلة الاغتيالات التي طالت قادة ومؤسسي حركة حماس، وفي مقدمتهم الشيخ أحمد ياسين، خلال فترة زمنية قصيرة، إلى تعزيز صورة الحركة باعتبارها تنظيمًا تُقتل قياداته من دون أن يُفضي ذلك إلى كسر إرادته أو دفعه نحو التسوية.

وانعكس هذا المسار لاحقًا في فوز حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006، في نتيجة مثّلت نقيضًا مباشرًا لما راهنت عليه القيادة الإسرائيلية من تفكيك الحركة أو تحييدها سياسيًّا.

وقد لخّص هذا التناقض الصحفي الإسرائيلي رونين بيرجمان في كتابه "قم واقتل أولًا: التاريخ السري للاغتيالات الإسرائيلية المستهدفة"، حيث أشار إلى أن الاغتيالات نجحت في إزالة تهديدات محددة ومؤقتة، لكنها أخفقت في إنتاج حلّ طويل الأمد لمعضلة الأمن القومي الإسرائيلي، وأثبتت محدوديتها في أن تكون أداة بديلة عن التسويات السياسية الشاملة.

في هذا السياق، تُظهر التجربة أن وجود قضية تحظى بشرعية مجتمعية، وحاضنة شعبية متمسكة بحقوقها، يحوّل القادة المغتالين إلى رموز جامعة، ويدفع باتجاه تجديد النخب القيادية بدلا من تحلل التنظيم المستهدف. وبذلك، لا تؤدي سياسة الاغتيالات إلى إنهاء الصراع، بقدر ما تعيد إنتاجه في أشكال ومسارات جديدة.

كما أن استمرار المواجهات على جبهات متعددة، واتساعها زمانيًّا وجغرافيًّا، يُبقي الشعور الإسرائيلي بانعدام الأمن قائمًا ومتجددًا، دون أن ينجح التفوق العسكري أو الإنجاز التكتيكي في إنتاج بيئة أكثر استقرارًا. ويكشف هذا المأزق المزمن أن الاغتيالات، مهما بلغت كثافتها، تظل أداة إدارة للصراع دون القدرة على حسمه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا