آخر الأخبار

خلفيات الحملة الأمنية الواسعة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في تركيا

شارك

أنقرة- نفذت السلطات التركية في 30 ديسمبر/كانون الأول الماضي، حملة أمنية واسعة ضد خلايا يشتبه بانتمائها لتنظيم الدولة الإسلامية، شملت مداهمات متزامنة في 21 ولاية وأسفرت عن توقيف 357 شخصا.

وأعلن وزير الداخلية علي يرلي قايا أن العمليات تأتي في إطار نهج أمني استباقي بدأ منذ أسابيع لمواجهة ما وصفه بـ"تهديدات جدية"، تزامنا مع قرب احتفالات رأس السنة، التي طالما مثلت هدفا مفضلا للتنظيم في محاولاته لزعزعة الأمن الداخلي.

وتعد هذه الحملة واحدة من أكبر الضربات الأمنية للتنظيم في تركيا خلال الأعوام الأخيرة، وتبرز كدلالة على تصعيد واضح في مواجهة الخلايا النائمة، خصوصا مع تكثيف الإجراءات الاحترازية خلال المناسبات العامة.

مصدر الصورة الأمن التركي خلال المداهمات ضد تنظيم الدولة الأسبوع الماضي (الأناضول)

خلايا التنظيم

تشكلت جذور حضور تنظيم الدولة الإسلامية في تركيا في سياق الانهيار الأمني الإقليمي الذي رافق التوترات في سوريا والعراق عام 2014، إذ استغل التنظيم حالات الفوضى في البلدين ليتمدد قرب الحدود التركية، ويحول مناطق التماس إلى ممر إستراتيجي لتجنيد المقاتلين الأجانب وتسهيل تنقلهم.

ومع تنامي قوة التنظيم، لم يكتف بنشاطه الخارجي، بل بدأ في نقل معركته إلى الداخل التركي، منفذا بين عامي 2015 و2017 سلسلة هجمات تعد من الأكثر دموية في تاريخ البلاد الحديث، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2015، استهدف انتحاريون تجمعا سلميا في العاصمة أنقرة، مما أسفر عن مقتل 103 أشخاص.

تلت ذلك هجمات أخرى هزت الأمن التركي، أبرزها الهجوم على ملهى "رينا" في إسطنبول ليلة رأس السنة 2017، والذي راح ضحيته 39 شخصا، إلى جانب هجمات استهدفت مطار أتاتورك، وبلدة سروج، ومدينة ديار بكر، وأوقعت عشرات القتلى والجرحى.

وكثفت الحكومة عمليات الرصد والملاحقة، فشنت قوات الأمن حملات دهم واعتقال واسعة، مكنت من تفكيك عدد كبير من الشبكات الداخلية، وأسفرت عن تراجع واضح في عدد الهجمات بعد عام 2017.

حملة واسعة

بدأت الحملة الأمنية الأخيرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في تركيا خلال الأيام الأخيرة من ديسمبر/كانون الأول 2025، على مراحل متتالية وبمستوى عال من التنسيق بين أجهزة الأمن والنيابات العامة والاستخبارات.

إعلان

وقبل انطلاق الموجة الكبرى بيوم واحد، نفذت قوات الأمن في 29 ديسمبر/كانون الأول مداهمات طالت أكثر من 100 موقع في عدد من الولايات، من بينها 114 مداهمة في إسطنبول وضواحيها، بحسب ما أعلنه مكتب المدعي العام.

وأسفرت تلك العمليات عن ضبط مواد رقمية ووثائق يعتقد أنها ترتبط بمخططات للتنظيم، فيما جاءت التحركات استكمالا لاعتقالات سابقة جرت قبل أسبوع وشملت أكثر من 100 مشتبه به، وسط مؤشرات على تخطيط لهجمات كانت تستهدف احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة.

بلغت الحملة ذروتها فجر الثلاثاء 30 ديسمبر/كانون الأول، حين انطلقت عمليات مداهمة متزامنة في 21 ولاية تركية، بناء على توجيه من وزارة الداخلية ومشاركة وحدات مكافحة الإرهاب والقوات الخاصة.

وشملت الحملة ولايات مركزية كإسطنبول وأنقرة، وأخرى حدودية وإستراتيجية، وبحسب ما أعلنه وزير الداخلية قايا، فقد تم توقيف 357 شخصا يشتبه بانتمائهم للتنظيم.

وفي حين لم تسجل مقاومة تذكر في معظم المواقع المستهدفة، مثلت واقعة يالوفا (أو يلوا شمال غربي البلاد) والتي وقعت يوم 29 ديسمبر/كانون الأول، استثناء لافتا. فقد طوقت الشرطة منزلا في ضواحي الولاية بعد ورود معلومات استخبارية عن خلية مسلحة داخله، لتندلع مواجهات مسلحة استمرت نحو 8 ساعات.

ومع ذلك، تمكنت القوات من تحرير 5 نساء و6 أطفال كانوا داخل المنزل، وقتلت العناصر الستة المتحصنة، لكنها فقدت في المقابل 3 من أفراد الشرطة، وأصيب 9 آخرون بجروح، بينهم عنصر من حرس الأمن.

مصدر الصورة الأجهزة الأمنية التركية تمكنت من توقيف أعداد كبيرة من المشتبهين خلال فترة زمنية قصيرة (الأناضول)

دلالات التوقيت الأمني

جاء توقيت الحملة الأمنية الشاملة في أواخر ديسمبر/كانون الأول متناغما مع تقييمات استخباراتية وتحذيرات أمنية رفعت قبيل احتفالات رأس السنة، ما يجعل توقيتها جزءا من إستراتيجية وقائية مدروسة.

فقد أفادت تقارير رسمية بأن قيادة الدرك التركي أصدرت، في 19 ديسمبر/كانون الأول، بلاغا إلى وحداتها في أنقرة وإسطنبول يحذر من معلومات استخباراتية حول نية تنظيم الدولة الإسلامية تنفيذ هجمات متزامنة عشية رأس السنة الميلادية.

وحددت التقديرات الأمنية أهدافا مرجحة للهجوم، أبرزها مراكز التسوق والأسواق الشعبية والمناطق ذات الكثافة البشرية العالية، الأمر الذي دفع السلطات إلى رفع مستوى التأهب إلى أقصاه مع اقتراب نهاية العام.

إلى جانب الاعتقالات والمداهمات، فعّلت الدولة خطة أمنية موسعة لتأمين احتفالات رأس السنة، عبر نشر أكثر من 325 ألف عنصر من قوات الشرطة والدرك وخفر السواحل في عموم الولايات، بدءا من 30 ديسمبر/كانون الأول وحتى 2 يناير/كانون الثاني.

انتقال الأفكار

يرى المحلل السياسي التركي علي أسمر أن بلاده قطعت شوطا مهما في تفكيك البنية الداخلية لتنظيم "الدولة الإسلامية"، مشيرًا إلى أن قدرة الأجهزة الأمنية على توقيف أعداد كبيرة من المشتبهين خلال فترة زمنية قصيرة تعكس مستوى التقدم الاستخباراتي والميداني في مكافحة التنظيم.

وفي حديثه للجزيرة نت، لفت أسمر إلى أن "مشكلة التنظيم لا تكمن فقط في وجوده، بل في توقيت وحجم ظهوره"، معتبرا أن نشاط تنظيم الدولة يتزامن غالبا مع محطات حساسة، مثل احتفالات رأس السنة أو عند تصاعد الحديث عن عمليات عسكرية تركية محتملة ضد امتدادات حزب العمال الكردستاني.

إعلان

وأكد أسمر أن مرور رأس السنة 2026 دون تسجيل أي هجوم أو خسائر يعد دليلا على أن تركيا نجحت في إحباط التنظيم داخليا، لكنه في الوقت ذاته شدد على أن خطر التنظيم لم يلغ بالكامل، بل تقلصت قدرته على التمدد واستعادة نشاطه كما كان في ذروة صعوده.

واقترح أسمر إنشاء مركز بحثي نفسي متخصص بدراسة الحالات التي سبق أن انتمت إلى التنظيم، مضيفا "وفقا لما أعلنته الحكومة التركية، فإن عناصر خلية يالوفا (يلوا) الأخيرة كانوا جميعا من المواطنين الأتراك، هذا يدفعنا للتساؤل: كيف وصلت أفكار التنظيم إلى الداخل التركي؟ وكيف يمكن تحصين المجتمع من اختراقات مشابهة مستقبلا؟".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا