آخر الأخبار

مطالب الانفصال في اليمن.. الجذور التاريخية وتعقيدات الأزمة الراهنة

شارك

أعادت التطورات الأخيرة في اليمن والتوتر المتصاعد بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، قضية انفصال جنوب البلاد إلى الواجهة، وكشفت عن تحديات جدية قد تزعزع وحدة اليمن التي تحققت عام 1990، فما جذور هذه القضية وما الذي أعاد مطالب الانفصال إلى الواجهة من جديد؟

ما قبل الدولة

لم يكن اليمن طوال تاريخه دولة واحدة بالمعنى المعاصر. ففي القرن التاسع عشر، سيطرت بريطانيا على عدن والمناطق الجنوبية، بينما أعادت الدولة العثمانية بسط نفوذها على المناطق الشمالية. وهكذا عاش اليمن فعليا منقسما بين نفوذ بريطاني في الجنوب ونفوذ عثماني في الشمال.

استمر هذا الوضع لعقود إلى أن جاءت الحرب العالمية الأولى، ومع هزيمة الدولة العثمانية عام 1918 انسحبت قواتها من شمال اليمن، وبانسحاب العثمانيين انتهى فصل من الحكم وبدأ فصل آخر بقيادة الإمام يحيى حميد الدين الذي أعلن قيام المملكة المتوكلية اليمنية.

أما في الجنوب، فاستمر الاستعمار البريطاني حتى عام 1967، حين نال الجنوب استقلاله بعد كفاح مسلح، أُعلن بعده قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والتي تبنت النهج الاشتراكي، وأصبحت حليفا للاتحاد السوفياتي آنذاك.

إعلان الوحدة 1990

ظلت فكرة الوحدة حلما يراود اليمنيين في شطري البلاد، وشهدت السبعينيات والثمانينيات مناوشات وحروبا حدودية بين الشمال والجنوب، لكنها شهدت أيضا جولات من المفاوضات.

في عام 1986، شهد جنوب اليمن حربا أهلية دامية، قضت على جزء كبير من قيادته السياسية. وفي تلك الفترة أيضا، دخل الاتحاد السوفياتي -الداعم الرئيسي للجنوب- مرحلة التفكك.

في هذا السياق، تسارعت الخُطا نحو الوحدة، وفي 22 مايو/أيار 1990، رُفع علم الجمهورية اليمنية في عدن، وأصبح علي عبد الله صالح رئيسا للدولة الجديدة، وعلي سالم البيض نائبا له. وأُعلن عن دستور جديد لليمن الموحد تم الاستفتاء عليه بنجاح عام 1991.

إعلان

لكنّ وحدة اليمن سرعان ما واجهت اختبارا جديدا، حيث اندلعت حرب أهلية بين شطريه في 5 مايو/أيار 1994 أججها خلاف قادة الشطرين حول تقاسم السلطة ودمج الجيش.

استمرت الحرب حتى يوليو/تموز من العام نفسه وخلفت ما بين 7 إلى 10 آلاف قتيل، انتهت بانتصار قوات علي عبد الله صالح وهزيمة الجنوبيين وفرار قائد ثورتهم علي سالم البيض إلى الخارج.

بيد أن نهاية الحرب لم تنهِ الخلاف، بل عمقته؛ حيث يرى الجنوبيون أن الوحدة السلمية انتهت في ذلك اليوم وحل محلها "احتلال عسكري" أدى إلى تسريح آلاف الكوادر الجنوبية ونهب الأراضي والممتلكات.

الحراك الجنوبي

مع استمرار ما اعتبره الجنوبيون تهميشا وإقصاء، انطلق في عام 2007 حراك جنوبي، بدأ بمطالب حقوقية لجمعية المتقاعدين العسكريين، لكنه سرعان ما تحول إلى حركة سياسية شعبية تطالب بفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب.

وفي عام 2011، مع اندلاع احتجاجات الربيع العربي، تراجع حضور مطلب الانفصال مؤقتا في خطاب الحراك، وانضم الجنوبيون إلى الاحتجاجات الشعبية التي عمت مدنا يمنية مطالبين بإسقاط نظام علي عبد الله صالح.

المجلس الانتقالي

بعد سقوط صالح ودخول اليمن صراعا مريرا عقب سيطرة الحوثيين على السلطة في العاصمة صنعاء ومناطق أخرى عام 2014، تغيرت الموازين على الأرض، وأعلن في عام 2017، عن تأسيس "المجلس الانتقالي الجنوبي" برئاسة عيدروس الزبيدي، وهو المجلس الذي يسيطر عسكريا على عدن ومناطق واسعة في الجنوب بدعم إماراتي، واضعا هدف استعادة دولة الجنوب على رأس أولوياته.

وفي مايو/أيار 2023، أعاد المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن تشكيل هيئة رئاسته لتضم 25 عضوا، إضافة إلى تعيين رؤساء للهيئات التابعة له. كما أعلن عن تشكيل مجلس استشاري يضم 392 عضوا، بمثابة الغرفة التشريعية الثانية للمجلس إلى جانب الجمعية الوطنية.

وعقد الانتقالي الجنوبي في العام ذاته مؤتمرا ضم رؤساء وممثلي المكونات السياسية الجنوبية، اختُتم بالتوقيع على "ميثاق وطني" للانفصال، استنادا إلى ما وصفوه بمعاناة محافظات الجنوب من تهميش وإقصاء سياسي واقتصادي، وهو ما تنفيه الحكومات اليمنية المتعاقبة.

التطورات الأخيرة

في عامي 2023 و2024 تصاعد التوتر في محافظة حضرموت شرقي البلاد، مع إعلان حلف قبائل حضرموت عن تشكيل قوات عسكرية تابعة له تحت اسم "قوات حماية حضرموت"، انتشرت في مديريات وادي حضرموت، واتخذت من منطقة الهضبة مقرا رئيسيا لها، وذلك لحماية المحافظة من تهديد المجلس الانتقالي الجنوبي الذي صعّد تحركاته السياسية والعسكرية في المحافظة.

وفي 3 ديسمبر/كانون الأول الجاري، أعلن الانتقالي الجنوبي إطلاق عملية عسكرية حملت اسم "المستقبل الواعد"، أعقبتها اشتباكات مباشرة مع قوات حلف قبائل حضرموت. وبعد أيام من المعارك، أعلن المجلس الانتقالي سيطرته على وادي حضرموت ومدينة سيئون، التي تضم مطارا دوليا يعد من أهم المطارات في اليمن.

وتواصلت التطورات المتسارعة في 7 ديسمبر/كانون الأول، حين أعلنت قوات المجلس الانتقالي سيطرتها على أجزاء واسعة من محافظة المهرة، بما في ذلك مطار الغيضة، قبل أن تعلن في التاسع من ديسمبر/كانون الأول السيطرة الكاملة على محافظة المهرة ومعظم مناطق حضرموت.

إعلان

وتعكس هذه التطورات حجم التعقيد الذي تشهده الساحة اليمنية، في ظل تداخل المطالب السياسية مع الصراع على الثروة النفطية والمواقع الإستراتيجية، وعلى رأسها الموانئ والمطارات، مما يضع محافظتي حضرموت والمهرة في قلب مشهد إقليمي شديد الحساسية، وسط تحذيرات من اتساع رقعة الصراع في حال استمرار تدفق السلاح وتعدد أطراف النفوذ.

أزمة متصاعدة

شكّلت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة منعطفا خطيرا أدخل البلاد في أزمة، حيث قصفت القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية، فجر الثلاثاء الماضي، أسلحة وعربات قتالية وصلت إلى ميناء المكلا -عاصمة حضرموت- الخاضع لسيطرة الانتقالي الجنوبي، قادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي على متن سفينتين.

وتتالت المواقف والقرارات بعد ذلك، حيث طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي جميع القوات الإماراتية بالخروج من جميع الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، معلنا حالة الطوارئ في كل أراضي الجمهورية ولمدة 90 يوما.

كما أعلن إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات، وفرْض حظر جوي وبري على جميع الموانئ والمنافذ لمدة 72 ساعة. وتعالت الأصوات اليمنية داعمة للحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، ومتهمة الانتقالي الجنوبي بشق عصا الطاعة والتمرد.

ورغم إعلان الإمارات -الحليف الرئيس للانتقالي الجنوبي- سحب ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن، فإن الواقع الذي فرضه المجلس الانتقالي على الأرض من خلال سيطرته على حضرموت والمهرة اللتين تمثلان نحو 52% من مساحة البلاد، يضع وحدة اليمن على المحك مجددا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا