أنقرة- شهد البرلمان التركي، اليوم الجمعة، جلسة استثنائية خصصت لمناقشة الأوضاع المأساوية في قطاع غزة والبحث في سبل وقف المجازر وضمان وصول المساعدات إلى المدنيين المحاصرين.
جاءت الدعوة إلى هذه الجلسة بطلب مشترك من 7 أحزاب معارضة، في مقدمتها حزبا الشعب الجمهوري و"الجيد" القومي، إضافة إلى قوى يسارية وإسلامية أخرى، لتقطع بذلك العطلة البرلمانية الصيفية.
ورغم أن البرلمان كان مقررا أن يعود للانعقاد مطلع أكتوبر/تشرين الأول المقبل، استجاب رئيسه نعمان قورتولموش للطلب، مستندا إلى الصلاحيات الدستورية الخاصة بعقد الجلسات الطارئة.
كما حضر وزير الخارجية هاكان فيدان لعرض إحاطة أمام النواب حول آخر المستجدات الميدانية وجهود أنقرة الدبلوماسية، وذلك عقب عودته من مشاركات إقليمية ودولية شملت ترؤسه اجتماعا استثنائيا ل منظمة التعاون الإسلامي في جدة.
وبدت الجلسة محملة برمزية خاصة جسدت وحدة الموقف التركي تجاه القضية الفلسطينية، إذ ارتدى رئيس البرلمان ونوابه الكوفية الفلسطينية الموشحة بالعلمين التركي والفلسطيني.
كما شارك عدد من قادة الأحزاب أو ممثليهم، من بينهم أوزغور أوزيل رئيس حزب الشعب الجمهوري، و دولت بهتشلي زعيم حزب الحركة القومية ، و مساوات درويش أوغلو رئيس حزب "الجيد"، و محمود أريكان رئيس حزب السعادة. كما لفت الأنظار حضور رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو ، زعيم حزب المستقبل، من شرفة الضيوف متابعا مجريات النقاش.
أجمع ممثلو الأحزاب، سواء في صفوف المعارضة أو الموالاة، على إدانة الجرائم الإسرائيلية وضرورة التحرك العاجل لوقفها، في إشارة واضحة إلى أن فلسطين تظل قضية عابرة للانقسامات الحزبية داخل تركيا.
وافتتحت الجلسة بكلمة رئيس البرلمان، تلتها إحاطة مطولة من وزير الخارجية، ثم مداخلات لزعماء الكتل النيابية.
وعرض فيدان صورة قاتمة للأوضاع الإنسانية في غزة، مؤكدا أن إسرائيل ترتكب منذ قرابة عامين فظائع ترقى إلى جريمة إبادة جماعية على مرأى العالم، محذرا من أن اتساع رقعة العدوان ليشمل الضفة الغربية ومناطق أخرى يهدد بإشعال المنطقة بأسرها.
وقال إن ما يجري في غزة سيسجّل كإحدى أحلك الصفحات في تاريخ البشرية، مشددا على رفض تركيا القاطع لأي خطة تهدف إلى تهجير سكان القطاع، ومؤكدا "مهما كان مصدر هذا المقترح، فهو بالنسبة لنا باطل ولاغٍ".
وزير الخارجية التركي يقول إن بلاده قررت قطع العلاقات الاقتصادية والتجارية كاملة مع إسرائيل وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية نتيجة استمرارها بارتكاب المجازر الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع #غزة
التفاصيل: https://t.co/CLBWTgCuTR pic.twitter.com/9USqVaeK52— Aljazeera.net • الجزيرة نت (@AJArabicnet) August 29, 2025
وفي استعراضه لخطوات أنقرة، أعلن فيدان أنها أنهت تماما علاقاتها التجارية والاقتصادية مع إسرائيل، مشيرا إلى أنه "لا توجد دولة أخرى غير تركيا أقدمت على ذلك".
وأوضح أن المجال الجوي والموانئ التركية باتت مغلقة أمام الطائرات والسفن الإسرائيلية، معتبرا ذلك ردا مباشرا على تجاهل تل أبيب لكل القيم الإنسانية في غزة. ودعا المجتمع الدولي إلى اتباع نهج بلاده في مقاطعة إسرائيل وعزلها، محذرا من أن استمرار الصمت سيعني تفاقم المأساة.
من جانبه، شدد رئيس البرلمان على أن القضية الفلسطينية تمثل قضية وطنية لتركيا وإجماعا راسخا لدى الشعب ومؤسسات الدولة. واستعرض ما وصفه ببشاعة الجرائم الإسرائيلية في غزة، مؤكدا أن الاحتلال يسعى لتحويل المجاعة إلى أداة ل لإبادة الجماعية . وقال إن حجم الفظائع تجاوز قدرة الكلمات على الوصف بعدما تحولت غزة إلى مسرح لانتهاكات غير مسبوقة.
وأكد قورتولموش أن إسرائيل مطالبة بوقف فوري لإطلاق النار وسحب قواتها من القطاع دون تأخير، معتبرا أن انعقاد هذه الجلسة الاستثنائية للبرلمان يأتي في إطار مسؤولية تاريخية لتركيا في الدفاع عن فلسطين.
في ختام المداولات، خرج البرلمان التركي بإجماع نادر بين مختلف أطيافه على إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة، مقرونا بسلسلة توصيات موجهة للحكومة والمجتمع الدولي.
وشدد النواب على ضرورة أن تواصل أنقرة تحركاتها الدبلوماسية المكثفة للضغط من أجل وقف فوري لإطلاق النار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون قيود. كما دعوا إلى إطلاق برامج عاجلة لإعادة إعمار غزة فور توقف الحرب، وإلى توفير حماية دولية للمدنيين عبر آليات أممية واضحة.
كما طالب البرلمان الحكومة بتعزيز جهودها القانونية في المحافل الدولية، مذكرا بمساهمة تركيا في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، وبتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى أن تلتزم بالقانون الدولي، ونشر قوات حفظ سلام أممية في غزة لفتح ممرات آمنة للإغاثة وحماية المدنيين.
ودعا النواب الدول الإسلامية والغربية إلى فرض عقوبات فعلية وقطع التعاملات مع تل أبيب، معتبرين أن أنقرة قدّمت نموذجا عبر إنهاء علاقاتها التجارية معها بالكامل.
قال المحلل السياسي مراد تورال إن الجلسة البرلمانية عكست توافقا سياسيا نادرا جمع الحكومة والمعارضة في موقف واحد دفاعا عن الفلسطينيين. واعتبر أن انعقادها يبرز المكانة الراسخة للقضية الفلسطينية في الوعي التركي، إذ إنها تتجاوز كل الانقسامات الداخلية.
وأوضح للجزيرة نت أن النقاشات البرلمانية أكدت أن الخلافات الحادة بين الأحزاب تتلاشى عندما يتعلق الأمر بغزة، وأن حتى الأصوات الأكثر انتقادا للحكومة، انخرطت في هذا الاصطفاف، وأنها مع الدعوة إلى المضي بخطوات عملية أكبر.
وحسب تورال، فإن مشهد مصافحة بهتشلي وأوزيل قبل انعقاد الجلسة شكّل رمزا واضحا لهذا التوافق الوطني، الذي ترجم لاحقا إلى إجماع كامل على البيانات والتوصيات الصادرة في ختامها، ما جعله محطة فارقة في المشهد السياسي التركي.
أما على الصعيد الخارجي، يرى المحلل السياسي علي أسمر أن الجلسة عكست انتقال تركيا من مستوى التضامن السياسي والإعلامي التقليدي مع الفلسطينيين إلى مستوى الخطوات العملية والقرارات العقابية، بدءا من وقف التجارة ومرورا بحظر الموانئ وإغلاق الأجواء أمام الطائرات الإسرائيلية.
وأضاف للجزيرة نت أن هذه الإجراءات، إلى جانب الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية في منظمة التعاون الإسلامي، تكشف سعي أنقرة لإبراز نفسها قوة إقليمية قيادية قادرة على تحويل مواقفها السياسية إلى أدوات ضغط ملموسة.
ووفق أسمر، فإن أنقرة تسعى إلى موازنة سياستها الخارجية مع اعتبارات الداخل: