شهد أسلوب حياة الرحّل الرقميين طفرة كبيرة في شعبيته خلال الأعوام القليلة الماضية.
بحسب منصة "Expatnetwork"، قفزت عمليات البحث عبر "غوغل" عن "تأشيرات الرحّل الرقميين" بنسبة 1.135% على مستوى العالم في عام 2024.
وبالنظر إلى ما يوفره هذا النمط من حرية ومرونة وفرص متزايدة حول العالم، فليس مستغربا أن يسعى كثير من الموظفين الأوروبيين الذين يعملون عن بُعد، وكذلك أصحاب الأعمال، إلى الهروب بأسرع ما يمكن إلى أقرب شاطئ ملائم للعمل على الحاسوب المحمول.
غير أن هذه الخطوة بعيدة كل البعد عن أن تكون قرارا عابرا بالنسبة لرواد الأعمال، إذ تتطلب قدرا كبيرا من التخطيط ووضع استراتيجية واضحة، بدءا من اختيار التأشيرة المناسبة وفهم الآثار الضريبية، مرورا بالتخطيط المالي ووصولا إلى إيجاد التأمين الأنسب.
تستعرض "Euronews Business" تسعة من أهم الأمور التي ينبغي لرواد الأعمال الأوروبيين، خصوصا أصحاب المشروعات الصغيرة، أخذها في الاعتبار قبل تبني أسلوب حياة الرحّل الرقميين بشكل كامل.
أولى الخطوات قبل التخطيط للسفر إلى الخارج كرحّال رقمي هي البحث عن أفضل دولة تناسب المرحلة التي يمر بها عملك حاليا، وكذلك أسلوب حياتك وأهدافك بعيدة المدى.
ويعني ذلك أيضا العثور على فئة التأشيرة الأنسب لك. فبينما توفر عدة دول مثل البرازيل وكوستاريكا وتايلاند وإندونيسيا تأشيرات مخصصة للرحّل الرقميين، ما تزال دول أخرى مثل أستراليا واليابان تحظر العمل بتأشيرة السياحة التقليدية.
"قبل حجز تذكرتك، ابحث عمّا إذا كانت الوجهة التي اخترتها توفر تأشيرة مصممة خصيصا لأصحاب الأعمال، وما هي معايير الأهلية، ومتطلبات الدخل الأدنى، وطول مدة الإقامة المسموح بها، وإمكانية تجديد التأشيرة إذا قررت إطالة فترة بقائك في الخارج"، نصح أليكس مايلز، مدير العمليات في شركة بطاقات الائتمان للأعمال "Capital on Tap".
تُعد التزاماتك الضريبية والقانونية من أهم العوامل التي يجب مراعاتها عند الانتقال إلى الخارج بصفتك صاحب عمل. فإذا أهملت ذلك، قد تجد نفسك تدفع الضرائب في ولايتين قضائيتين، ما قد يضغط على هامش الربح بشكل كبير، أو تواجه تكاليف قانونية باهظة، أو غرامات، أو مشاكل تتعلق بالامتثال في وقت لاحق.
وقال مايلز: "يمكن أن يؤثر الانتقال إلى الخارج في وضعك الضريبي الشخصي وفي الالتزامات القانونية لشركتك. وبحسب المكان الذي تنتقل إليه وطول إقامتك، قد تصبح ملزما بدفع الضرائب في أكثر من دولة".
وأضاف: "قبل اتخاذ القرار، من المفيد التحدث إلى خبير ضرائب أو مستشار قانوني يشرح لك كيفية عمل اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي، وما إذا كانت إقامتك الضريبية ستتغير، وما هي متطلبات الإبلاغ التي سيكون عليك الالتزام بها".
عامل مهم آخر هو إدارة أموالك بالشكل الصحيح لتغطية الإنفاق الدولي.
يشمل ذلك فتح حسابات مصرفية جديدة، والتقدم بطلب للحصول على قروض في الخارج، وتجربة حلول دفع مختلفة للعثور على الأنسب لاحتياجات عملك.
وأوضح مايلز: "فكّر في استخدام خدمات مصرفية للأعمال وحلول دفع توفر أسعار صرف تنافسية، ورسوم منخفضة على العمليات بالعملات الأجنبية، ودعما لعملات متعددة. كما أن الفصل الواضح بين أموال الشركة وأموالك الشخصية يجعل مسك الدفاتر ووضع الميزانية والتقارير الضريبية أكثر بساطة بكثير".
قد يبدو اختيار اتصال الإنترنت ومساحة العمل المناسبة لشركتك أمرا بديهيا، لكنه غالبا ما يكون من أكثر العوامل التي يُستهان بها عند الحديث عن سلاسة وفعالية وموثوقية سير العمل.
وبالمثل، يمكن أن تسبب مساحة العمل غير الملائمة أو الاتصال المتقطع بالإنترنت قدرا كبيرا من الضغط والتوتر غير الضروريين، خاصة في الأيام الأولى للعمل في بلد جديد، حين يكون رواد الأعمال مضطرين أصلا للتكيف مع مجموعة كبيرة من المتغيرات.
وأشار مايلز: "قبل اختيار الوجهة، ابحث عن سرعات الإنترنت، وتغطية بيانات الهاتف المحمول، وتوافر مساحات العمل المشتركة إذا كنت لا تنوي العمل من المنزل".
يُعد التأمين عاملا يغفل عنه كثير من أصحاب الأعمال، فيؤجلون النظر فيه إلى وقت لاحق عندما "يتوفر الوقت"، بدلا من اعتباره أولوية قصوى.
إلا أن امتلاك وثيقة تأمين غير مناسبة، أو عدم وجود تأمين من الأساس، قد يكلفك أكثر مما تتوقع في حال وقوع أحداث غير متوقعة.
وقد يفترض العديد من رواد الأعمال أن وثائق التأمين السياحي التقليدية تغطيهم في حالات العمل عن بُعد لفترات طويلة، أو في ما يتعلق بالمعدات المهنية الباهظة، أو الأنشطة المرتبطة بالعمل، وهو ما قد لا يكون صحيحا.
وقال مايلز: "عند مقارنة شركات التأمين، تأكد من أن لديك تغطية تأمين سفر وصحي وتجاري تتوافق مع احتياجاتك. فالحصول على التغطية المناسبة يحميك من تكاليف غير متوقعة مثل الحالات الطبية الطارئة، أو فقدان المعدات أو سرقتها، أو تعطل الأعمال، وهي أمور قد تكون مكلفة للغاية لولا التأمين".
لا يحسب العديد من رواد الأعمال الرقميين حسابا كافيا لتأثير فروق التوقيت عند الانتقال إلى الخارج، مع أن هذا العامل قد يكون حاسما في نجاح أعمالهم أو تعثرها، لما له من أثر واسع على كل شيء، من الجوانب التشغيلية إلى الصحة النفسية والجسدية.
وحذر مايلز قائلا: "من المهم أن تفكر في كيفية إدارة الاجتماعات والمواعيد النهائية والتواصل اليومي. فعلى سبيل المثال، إذا انتقلت إلى أستراليا، فإن فرق التوقيت الذي يتراوح بين ثماني و11 ساعة (بحسب الوقت من العام) قد يعني أن مكالمات الصباح الباكر أو آخر الليل ستصبح جزءا من روتينك".
وأضاف: "قبل الالتزام بوجهة معينة، اسأل نفسك ما إذا كان بإمكان عملك أن يستمر في العمل بشكل واقعي ضمن تلك الساعات".
في ظل الارتفاع الحاد في الهجمات السيبرانية وتسريبات البيانات حول العالم خلال الأشهر الأخيرة، يصبح من الضروري للغاية حماية أجهزتك وبياناتك قدر الإمكان، خاصة إذا لم يكن لديك مقر عمل ثابت أو إعداد منزلي دائم، وتغيّر مكان عملك باستمرار.
وأشار مايلز إلى أن "العمل عن بُعد يعني غالبا الاتصال بشبكات \"واي فاي\" عامة، وهو ما يزيد من مخاطر الهجمات السيبرانية. احمِ عملك باستخدام شبكة افتراضية خاصة \"VPN\"، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل على جميع حسابات العمل، وتحديث أجهزتك بانتظام، وتجنب الوصول إلى معلومات حساسة عبر الشبكات غير الآمنة".
يمكن أن يكون الانتقال إلى الخارج، سواء كريادي رقمي أو لأي سبب آخر، عملية فوضوية وغير متوقعة إلى حد كبير حتى في أفضل الظروف.
لذلك ينبغي أن يكون وجود شبكة أمان مالية شرطا لا يمكن التنازل عنه، خاصة إذا كنت لا تريد السحب من أموال الشركة لتغطية نفقات غير مخطط لها.
وقال مايلز: "يمكن أن تتراكم التكاليف غير المتوقعة بسرعة، مثل تأخر إصدار التأشيرة، أو الحالات الطبية الطارئة، أو التغييرات المفاجئة في السكن. يضمن وجود احتياطي مالي ثبات التدفقات النقدية واستمرار العمليات التجارية دون أن تتعطل بسبب مشكلات السفر الشخصية".
وأخيرا، على الرغم من أن جميع العوامل السابقة ضرورية لضمان بقاء عملك في وضع صحي ومربح أثناء عيشك كرحّال رقمي في الخارج، فإن الأهم هو عدم فقدان البوصلة المتعلقة بالرؤية والأهداف طويلة الأمد للشركة.
وختم مايلز بالقول: "رغم أن العمل من الخارج يمكن أن يوفر مرونة وإلهاما، فإنه من المهم ألا تغفل استمرارية الأعمال. فكّر في كيفية تأثر مصادر إيراداتك إذا تذبذب الطلب من العملاء، أو تغيرت دورات الدفع، أو عملت خارج ساعات السوق المعتادة بالنسبة لك".
المصدر:
يورو نيوز