ما الذي يجعل مدينة ما عاصمة للرياضة العالمية؟ هل هو عدد البطولات التي تستضيفها، أم تاريخ ملاعبها، أم جماهيرها القادرة على تحويل مباراة عادية إلى حدث يبقى في الذاكرة؟.
وضعت صحيفة "تلغراف " (The Telegraph) البريطانية قائمة بأفضل 10 مدن رياضية في العالم، اعتمادًا على تنوع المنافسات الكبرى، وقوة الحضور الجماهيري، وأجواء الملاعب، واللحظات التاريخية التي شهدتها، ومدى استحقاق كل مدينة أن يسافر المشجع إليها من أجل الرياضة.
ضم التصنيف مدنًا صنعت شهرتها من كرة القدم، وأخرى جمعت بين التنس والكريكيت والرغبي وسباقات السيارات. لكن المفاجأة أن المدينة المتصدرة لم تحتج إلى حدث واحد أو ملعب بعينه لإثبات أحقيتها، بل تفوقت بمشهد رياضي يتجدد كل أسبوع.
فأي مدينة سبقت نيويورك وباريس وملبورن وانتزعت المركز الأول؟.
دخلت لاس فيغاس القائمة من البوابة التي اشتهرت بها طويلًا، وهي الملاكمة، لكنها لم تكتفِ بكونها مدينة نزالات الفن النبيل فقط. فقد انضمت المدينة إلى روزنامة بطولة العالم لفورمولا 1، عبر سباق ليلي يمر في منطقة "ستريب " وبين أشهر فنادقها ومعالمها. وكانت فورمولا 1 قد أعلنت إقامة السباق ابتداء من موسم 2023.
وفي العام نفسه، أصبحت مقرًا لفريق رايدرز في دوري كرة القدم الأمريكية، وأسست فريق فيغاس غولدن نايتس الذي توج بكأس ستانلي لهوكي الجليد عام 2023، بعد ست سنوات فقط من تأسيسه.
تملك لاس فيغاس ثالوث الصخب والمال والقدرة على صناعة الحدث، لكنها لا تزال في بداية الطريق لبناء تاريخ رياضي يضاهي المدن الأعرق.
في طوكيو، لا يحتاج المشجع إلى الاختيار بين الرياضة الحديثة والتقاليد اليابانية، إذ يجد البيسبول وكرة القدم والسومو داخل مدينة واحدة.
تضم العاصمة اليابانية ملاعب حديثة ومنشآت تاريخية، من بينها قاعة بودوكان التي افتتحت قبل أولمبياد 1964، ثم عادت لتكون جزءا من ألعاب طوكيو 2020.
لكن تلك الدورة، التي تأجلت حتى عام 2021 بسبب جائحة كورونا، حرمت المدينة من عرض أهم عناصر قوتها. فقد أقيمت معظم المنافسات من دون جماهير، فضاعت فرصة رؤية الملاعب ممتلئة بمشجعي المدينة.
يمكن البدء بفلامنغو أو فلومينينسي أو فاسكو دا غاما أو بوتافوغو، لكن كل طريق رياضي في ريو ينتهي تقريبًا عند ملعب "ماراكانا ".
شهد الملعب المباراة الحاسمة لمونديال 1950، حين صدمت أوروغواي البرازيل أمام جماهيرها، ثم استضاف نهائي كأس العالم 2014 بين ألمانيا والأرجنتين. وخارج المستطيل الأخضر، قدمت أولمبياد 2016 مشهدًا يصعب نقله إلى مدينة أخرى، حين استضاف شاطئ كوباكابانا منافسات الكرة الطائرة الشاطئية.
ترتبط صورة سيدني الرياضية بدورة الألعاب الأولمبية عام 2000، ولا سيما لحظة فوز العداءة الأسترالية كاثي فريمان بذهبية سباق 400 متر أمام جماهير بلادها.
لكن المدينة لا تعيش على ذكرى الأولمبياد فحسب. ففيها فرق بارزة بدوري الرغبي وكرة القدم الأسترالية والدوري الأسترالي لكرة القدم، إلى جانب تاريخ طويل مع الكريكيت في ملعب سيدني الشهير.
منحتها الألعاب الأولمبية لحظتها العالمية، لكن تنوع المنافسات المحلية أبقاها مدينة رياضية بعد انطفاء الشعلة.
تتقدم بوينس آيرس في القائمة بل بقوة التجربة التي تقدمها داخل مدرجاتها أكثر من عدد وتنوع الفعاليات التي تحتضنها.
فحين يلتقي بوكا جونيورز وريفر بليت، يتحول ملعب "لا بومبونيرا " أو "إل مونومنتال" إلى جزء من تجربة فريدة يعيشها المشجع والمسافر. الأهازيج والرايات والضغط المتواصل كلها أمور تجعل ديربي المدينة تجربة تتجاوز النتيجة.
ولا تقتصر العاصمة الأرجنتينية على كرة القدم، إذ تملك حضورًا قويًا في الرغبي، وتعد من أهم مراكز لعبة البولو في العالم. لعل بوينس آيرس لا تملك التنوع الذي تملكه مدن أخرى، لكنها تتفوق في شدة الارتباط بين الرياضة وجمهورها وثقافتها الكروية.
لم تحتج جوهانسبرغ إلى بطولة واحدة لتدخل التاريخ، فقد استضافت نهائيات كأس العالم في ثلاث رياضات مختلفة. في ملعب "إليس بارك "، توجت جنوب أفريقيا بمونديال الرغبي عام 1995، وتسلم القائد فرانسوا بينار الكأس من الرئيس نيلسون مانديلا، الذي ارتدى قميص المنتخب في مشهد تجاوز أثره حدود الرياضة.
وفي ملعب واندررز، أقيم نهائي كأس العالم للكريكيت عام 2003، قبل أن يحتضن "سوكر سيتي " نهائي مونديال كرة القدم 2010، حين سجل أندريس إنييستا هدف تتويج إسبانيا أمام هولندا.
ثلاثة نهائيات عالمية كانت كافية لدفع جوهانسبرغ إلى النصف الأول من القائمة.
بعض البطولات تقام في مدن، لكن بعض المدن تخيم على البطولات وتصبح جزءًا من هويتها. وهذا ما يحدث في باريس مع بطولة رولان غاروس للتنس، ونهائي سباق فرنسا للدراجات في جادة الشانزليزيه.
وتضيف كرة القدم إلى المدينة ملعب "حديقة الأمراء " وباريس سان جيرمان، فيما استضاف ملعب فرنسا نهائي مونديال 1998 ونهائيي كأس العالم للرغبي عامي 2007 و2023.
ثم جاءت أولمبياد 2024 لتستخدم المدينة نفسها مسرحا للمنافسات، من برج إيفل وقصر فرساي إلى رولان غاروس وحديقة الأمراء. واعتمدت الدورة بدرجة كبيرة على المنشآت القائمة، مما حول تاريخ باريس الرياضي إلى جزء من الألعاب نفسها.
تصف ملبورن نفسها بأنها "عاصمة الرياضة في العالم "، وهو ادعاء تدعمه قائمة مزدحمة بالأحداث الكبرى. تستضيف المدينة بطولة أستراليا المفتوحة للتنس، وسباق الجائزة الكبرى في فورمولا 1، وكأس ملبورن لسباقات الخيل، ونهائي دوري كرة القدم الأسترالية.
نوفاك دجوكوفيتش (يمين) وكارلوس ألكاراز في توزيع جوائز بطولة ميلبورن للتنس (رويترز)أما قلب المشهد الرياضي فهو ملعب ملبورن للكريكيت، أحد أكبر ملاعب العالم، الذي يحتضن الـ"بوكسينغ داي" في 26 ديسمبر/كانون الأول من كل عام.
وتتفوق ملبورن في أن الرياضة فيها حياة، وليست أحداثا نادرة متباعدة.
تمتلك نيويورك ما يكفي من الفرق والملاعب لتتصدر أي قائمة حسب "التلغراف ". ففيها فرق يانكيز وميتس في البيسبول، ونيكس ونتس في كرة السلة، ورينجرز وآيلاندرز في هوكي الجليد، فضلا عن جاينتس وجيتس في كرة القدم الأمريكية.
لاعب السلة الأمريكي ستيفين كيري في قاعة "ماديسون سكوير غاردين " (غيتي)تمنح قاعة "ماديسون سكوير غاردن " المدينة أحد أشهر المسارح الرياضية في العالم، بينما تقدم بطولة أمريكا المفتوحة للتنس وملعب "آرثر آش " موعدًا عالميًا ثابتًا كل صيف.
تتفوق نيويورك في تنوع الخيارات واتساعها، لكن الصحيفة رأت أن مدينة واحدة تملك مزيجًا يصعب مجاراته.
حسمت لندن الصدارة لأنها لا تنتظر بطولة كبرى كي تصبح مدينة رياضية. ففي كل أسبوع تقريبًا، تستضيف مباريات أرسنال وتشلسي وتوتنهام ووست هام وكريستال بالاس وفولهام وبرنتفورد، إلى جانب أندية أخرى ترتبط بأحياء المدينة وهوياتها المحلية.
وعندما تتوقف مسابقات كرة القدم، تبقى ويمبلدون للتنس، ولوردز للكريكيت، وتويكنهام للرغبي، فضلًا عن سلسلة طويلة من النهائيات والبطولات العالمية.
وفي عام 2012، أصبحت لندن أول مدينة تستضيف الألعاب الأولمبية ثلاث مرات، بعد نسختي 1908 و1948، وفق اللجنة الأولمبية الدولية.
تصدرت لندن التصنيف بفضل مشهد رياضي متنوع يتيح لزائرها تجارب قد يحتاج إلى التنقل بين عدة مدن لمعايشتها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة