يواجه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو ضغوطا متزايدة، بعدما بدأت قضية قانونية رفعها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) تهدد بكشف تفاصيل خطته الفاشلة لبيع حقوق مرتبطة بكأس العالم، في وقت يبدو فيه أن الدعم السياسي الذي كان يحظى به من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بدأ التراجع.
إنفانتينو، الذي يعيش منذ أسابيع تحت وطأة الانتقادات، أصبح في وضع أكثر صعوبة مع تطور القضية التي تتعلق بخطة مثيرة للجدل لبيع جزء من الأصول العالمية لكرة القدم، وهي الخطة التي كان يُعتقد أنها قد تحقق مكاسب مالية ضخمة، وكان إنفانتينو نفسه سيحصل على راتب شخصي كبير إذا أُتمّت.
وخلال الأسابيع الماضية، ظهرت مؤشرات على تراجع قاعدة نفوذ رئيس الفيفا، وسط حديث عن إمكانية ظهور منافس له في انتخابات مارس/آذار المقبل. لكن نفوذ إنفانتينو لا يزال قويا، كما أن السلطة المترسخة داخل المؤسسة الدولية لكرة القدم تجعل الحديث عن رحيله أمرا سابقا لأوانه.
غير أن شيئا ما تغير هذا الأسبوع.
فقد اتخذت القضية القانونية التي يلوّح بها اليويفا منحى أكثر جدية، بعدما أصبح احتمال إجبار الفيفا وأطراف أخرى على الكشف عن وثائق ومراسلات مرتبطة بالخطة موضع اهتمام مباشر.
وتتمثل أهمية هذه الخطوة في أن اليويفا لا يبدو بالضرورة وكأنه يسعى إلى تحقيق انتصار قضائي نهائي بقدر ما يحاول ممارسة ضغط متواصل قد يضع إنفانتينو في موقف لا يملك فيه كثيرا من الخيارات الآمنة.
أحد أبرز التطورات جاء من جوش كوشنر، الذي ورد اسمه طرفا في إجراءات الكشف عن الوثائق في ولاية فلوريدا، والذي كان مرتبطا بالجانب المالي من خطة الفيفا.
وقال كوشنر إنه "لم يكن لينخرط في خطة الفيفا لو كان يعرف الصورة كاملة"، في تصريح بدا للوهلة الأولى هادئا ومحسوبا، لكنه حمل أيضا إشارة واضحة إلى محاولة الابتعاد عن المشروع المثير للجدل.
ولم يتوقف الأمر عند التصريحات، إذ استعان كوشنر بالمحامي أليكس سبيرو، المعروف بتوليه الدفاع عن شخصيات بارزة في قضايا شديدة الحساسية، في خطوة تعكس حجم القلق بشأن المسار القانوني للقضية.
في المقابل، تقدم الفيفا هذا الأسبوع برد قانوني وصف فيه تحرك اليويفا بأنه "حملة تشويه"، لكنه في الوقت نفسه أظهر بوضوح أنه يريد مقاومة إجراءات الكشف عن الوثائق.
وهنا تكمن النقطة الأهم.
فـ"الكشف" يعني إتاحة الوثائق والمذكرات الداخلية ورسائل البريد الإلكتروني وغيرها من المواد ذات الصلة بالقضية، وهو أمر لا يبدو أن الجانب المحيط بإنفانتينو يرغب في حدوثه.
وبالنسبة إلى مؤسسة يقودها رجل يتمتع بهذا القدر من النفوذ، فإن فتح الأدراج الداخلية وكشف المراسلات المتعلقة بصفقة بهذا الحجم قد يكون مصدر قلق بالغ.
يتهم اليويفا الفيفا وإنفانتينو بـ"سوء الإدارة الجنائي"، ويركز جوهر القضية على ما يعتبره الاتحاد الأوروبي تقليلا من قيمة حقوق كأس العالم عند طرح خطة البيع.
وبالتوازي مع ذلك، كان إنفانتينو سيستفيد شخصيا من الصفقة عبر راتب ضخم، وهو أمر قد يزيد من الأسئلة حول طبيعة الخطة ودوافعها.
ويحاول اليويفا الحصول على وثائق من الفيفا، ومن شركة "ثرايف كابيتال"، ومن غريغ مافي، وهو مستشار في الصفقة وأحد المتبرعين لترمب.
وتكتسب هذه الوثائق أهمية لأنها قد تكشف ما جرى خلف الأبواب المغلقة خلال الفترة التي حصل فيها إنفانتينو على وصول واسع إلى دوائر النفوذ السياسي والمالي في الولايات المتحدة.
والسؤال الآن ليس فقط: هل ستنجح القضية؟
بل: ماذا يمكن أن تكشف إذا سُمح بفتح الملفات؟
لطالما شكلت علاقة إنفانتينو بترمب أحد مصادر قوته السياسية خلال السنوات الماضية.
وكان ترمب قد أعلن في وقت سابق دعمه لإنفانتينو، حتى إنه تدخل علنا للدفاع عنه عندما ظهرت تهديدات بإمكانية إبعاده من رئاسة الفيفا.
لكن ذلك الدعم بدا، في الآونة الأخيرة، أقل وضوحا.
ففي مطلع أغسطس/آب، نشر ترمب رسالة عبر منصته "تروث سوشيال" يؤكد فيها أن إبعاد إنفانتينو من الفيفا، "لأي سبب كان"، سيكون أمرا سيئا للغاية.
لكن منذ ذلك الحين لم يصدر الكثير.
وهذا الصمت أصبح لافتا، خصوصا في ظل تصاعد القضية القانونية.
فالتحالفات السياسية، كما يشير الكاتب، يمكن أن تكون هشة للغاية. قد يفتح لك ترمب الأبواب ويستقبلك ويصافحك أمام الكاميرات، لكن إذا خرجت من دائرة النفوذ، فإن الأمور قد تتغير بسرعة.
لا يزال من المبكر القول إن إنفانتينو يواجه نهاية وشيكة. فهو يتحرك سياسيا، ويواصل جولاته واتصالاته مع الاتحادات الوطنية والقارية، وقد حصل على دعم، ولو كان مشروطا، من السعودية.
كما أن مؤتمر الفيفا المقرر في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل سيكون محطة مهمة في هذا المسار.
لكن السؤال الأكبر يتعلق بما إذا كانت الأصوات والانتخابات وحدها هي العامل الحاسم في مستقبل رئيس الفيفا.
ففي كرة القدم، لا تأتي نهايات كبار المسؤولين دائما بالطريقة التي يتوقعها الجميع.
وهنا يستحضر الكاتب نهايتي سيب بلاتر وميشيل بلاتيني، اللذين انتهى نفوذهما بعد قضية دفع مالي غير قانوني، في تطور بدا في البداية وكأنه خرج من العدم.
في الوقت الراهن، ستواصل القضية القانونية مسارها، وقد تفشل الطعون أو تتراجع الضغوط مع مرور الوقت.
لكن اليويفا لا يحتاج بالضرورة إلى إسقاط إنفانتينو مباشرة.
يكفي أن يواصل الضغط، وأن يطالب بالكشف عن الوثائق، وأن يبقي القضية مفتوحة، لأن استمرار الضغط قد يؤدي في النهاية إلى ظهور معلومات جديدة، أو إلى سقوط أوراق لم يكن أحد يتوقع أن تسقط.
وهنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحا: هل تكون قضية اليويفا مجرد معركة قانونية أخرى، أم أنها بالفعل بداية النهاية لعهد جياني إنفانتينو في الفيفا؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة