رغم أن فوزهم الأخير على المنتخب الكندي بثلاثية نظيفة لم يحمل الكثير من المتعة البصرية وتأرجح بين الواقعية والشراسة البدنية، فإن المنتخب المغربي واصل كتابة فصول قصته المونديالية المثيرة في ملاعب أمريكا الشمالية؛ مؤكداً أحقيته في دخول نادي كبار اللعبة والمنافسة بقوة على الكأس الذهبية.
غير أن النخبة المغربية عرفت كيف تخرج بالمراد، مصداقاً للمقولة الرياضية الشائعة بأن "علامة الفرق الكبرى هي قدرتها على تحقيق الفوز حتى في أسوأ أيامها". وبناءً على المعطيات الحالية، بات من المحتم إدراج المغرب ضمن خانة المرشحين الفعليين لانتزاع اللقب. فالمنتخب لم يكتفِ بالحفاظ على سجله خاليا من الهزائم في هذه البطولة فحسب، بل امتدت سلسلته التاريخية إلى 34 مباراة متتالية دون خسارة في مختلف المسابقات.
ومع أن هذا الرقم يحمل إشارة تفسيرية (نجمة) لكونه يتضمن نتيجة نهائي كأس الأمم الأفريقية 2026 ضد السنغال –وهو الفوز الذي مُنح للمغرب بقرار إداري/رجعي وما زال معروضا أمام ردهات المحاكم– إلا أنه يظل إنجازا استثنائيا. وتعود آخر خسارة للمنتخب المغربي إلى أغسطس/آب 2025 عندما سقط بهدف نظيف أمام كينيا في بطولة أفريقيا للاعبين المحليين، وهي مسابقة مقتصرة على الناشطين في الدوريات المحلية داخل القارة.
في هذه المواجهة التي جمعت بين جيلين ذهبيين، كانت الغلبة للمهارة والتنظيم المغربي. وفي المقابل، بدا النجم الكندي المصاب ألفونسو ديفيز عاجزاً وهو يراقب من دكة البدلاء زملائه وهم يفشلون في مجاراة النسق، بعدما نجح خط الوسط المغربي في شل حركة التمريرات الخطيرة لستيفن أوتستاكيو، وعزل المهاجم الأبرز جوناثان ديفيد تماما.
وفي الجانب المقابل، شكل قائد المنتخب المغربي أشرف حكيمي –الذي يصنف كأفضل ظهير أيمن في العالم– مصدر إزعاج دائم بتحركاته وضغطه المتواصل، بينما تقمص براهيم دياز دور العقل المدبر بصناعته لهدفين، ليرفع رصيده إلى 4 تمريرات حاسمة في تاريخ مشاركاته المونديالية، وهو الرقم الأعلى لأي لاعب أفريقي في تاريخ كأس العالم.
وفي المؤتمر الصحفي الذي أعقب اللقاء، قال مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي: "اتسم الشوط الأول بكثافة بدنية عالية، وتعين علينا إجراء بعض التعديلات التكتيكية بين الشوطين لأننا كنا تحت ضغط مستمر". وأضاف وهبي: "المهم هو أننا تمسكنا بهويتنا وفلسفتنا الكروية؛ كانت هناك أفكار وتوقعات كثيرة مطروحة، واخترنا الأنسب منها. نحن نلعب في كأس العالم، وهذا يعني المرور بلحظات عصيبة، لكن القيمة الحقيقية تكمن في الصمود والارتداد بقوة عندما لا نكون في أفضل حالاتنا، متذكرين دائماً من ولأجل ماذا نلعب".
وبهذه النتيجة، حجز المغرب مقعده في ربع نهائي كأس العالم للرجال للمرة الثانية على التوالي، مكرراً مسيرة المباريات الخمس الناجحة التي وقع عليها في مونديال قطر. وبذلك، رفع المغرب رصيده إلى 4 انتصارات في الأدوار الإقصائية للمونديال (اثنان في 2022 واثنان في 2026)، وهو ما يعادل مجموع انتصارات جميع المنتخبات الأفريقية الأخرى مجتمعة في هذه الأدوار عبر التاريخ. ويفصل الأسود فوز واحد فقط لمعادلة إنجازهم الأسطوري في نسخة 2022, حينما أصبحوا أول منتخب أفريقي وعربي يبلغ المربع الذهبي.
ورغم هذه الأرقام، لا يزال هناك انطباع بأن القدرات القصوى للمنتخب المغربي لم تظهر بشكل كامل بعد؛ فالإقناع بدأ بالتعادل مع البرازيل في الافتتاح، تلاه انتصاران متباينان؛ الأول جاء بعد صراع مرير وشاق أمام اسكتلندا بهدف مبكر في الدقيقة الثانية، والثاني كان هجوميا ومثيرا وانتهى بنتيجة (4-2) أمام منتخب هايتي الذي خاض اللقاء دون ضغوط بعد خروجه المسبق. وفي دور الـ 32، ورغم أفضليتهم أمام هولندا، استنجد المغاربة بضربة رأسية قاتلة في الوقت بديل الضائع لتفادي شبح الإقصاء، وصولا إلى مباراة كندا التي حسمت بارتياح في نهاية المطاف، دون أن تقدم الأداء الفني العالي الكفيل بطمأنة المتخوفين من مواجهة محتملة ضد فرنسا في دور الثمانية.
وفي هذا السياق، علق المحلل الرياضي لـ"بي بي سي" كريس ساتون قائلاً: "المغرب لم يقدم أفضل ما لديه، وهناك اختبارات أشد قسوة في انتظارهم. لقد فاجأني الخمول الذي بدأوا به اللقاء، ولا أدري إن كان الأمر ثقة مفرطة أو استخفافاً بالخصم الكندي، لكن ثمة خلل ما شاب الأداء".
واستطرد ساتون: "كان من المتوقع أن يتحسن المردود في الشوط الثاني، فكلما تقدم الوقت ظهرت قوتهم، وهم يملكون هجمات مرتدة مدمرة. لكن إذا تأهلت فرنسا، وظهر المغرب بنفس مستوى الشوط الأول، فسوف يتعرض للسحق".
ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن هذا الجيل يملك الفرصة الأكبر تاريخياً لتتويج القارة السمراء بالذهب العالمي. فالطفرة الكروية المغربية لم تأتِ وليدة الصدفة، بل نتاج استراتيجية استثمارية بعيدة المدى حظيت برعاية ودعم مباشرين من العاهل المغربي الملك محمد السادس؛ إذ أسفرت عن افتتاح أكاديمية وملعب كروي ضخم بقيمة 65 مليون دولار (ما يعادل 48.7 مليون جنيه إسترليني) عامي 2009 و2019، وهو ما قاد أسود الأطلس لتصدر تصنيف المنتخبات الأفريقية.
وفي هذا الصدد، أثنى المدرب محمد وهبي على هذا الدعم قائلاً: "كل الطفرة التي تشهدها كرة القدم المغربية حالياً تعود إلى رؤية الملك محمد السادس واستثماراته السخية في السنوات الأخيرة، وتحديداً في هذه الأكاديمية".
يُذكر أن المغرب، وبعد وصوله إلى نهائيات كأس العالم ثلاث مرات في أربع نسخ بين عامي 1986 و1998، دخل في نفق مظلم وغاب عن المونديال لعقدين من الزمن، قبل أن تأتي هذه الاستثمارات لتحدث ثورة حقيقية مكنت الاتحاد المغربي من استقطاب المواهب من أبناء المهاجرين في أوروبا، وفي مقدمتهم حكيمي ودياز المولودان في إسبانيا.
هذه البيئة الاحترافية منحت المغرب شخصية تنافسية وثقة عالية تحولت إلى نموذج يحتذى للدول الأفريقية والعربية، ومنحت الفريق هالة وهيبة تختلف تماماً عما كان عليه الحال قبل أربعة أعوام.
واختتم وهبي تصريحاته بالقول: "لم نعد مفاجأة لأحد اليوم؛ فعندما يُذكر اسم المغرب الآن، يُذكر بوصفه منافساً حقيقياً وقوة كروية كبرى، وهذا مبعث فخر واعتزاز. هذه مجرد البداية، ونأمل في استدامة هذه النجاحات المونديالية لسنوات طويلة. طموحنا لا يتوقف، ونريد الذهاب إلى أبعد مدى".
وإذا كانت رحلة قطر السابقة قد صُنفت في إطار المعجزات الكروية غير المتوقعة، فإن المسيرة الحالية في الملاعب الأمريكية تبدو مدفوعة بإرادة صلبة وأهداف مرسومة بدقة؛ لتخرج تماماً من إطار "القصص الخيالية" وتدخل في باب الواقعية الكروية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة