"سلاح الحكم الصغير"، هو وصف دقيق يمكن إطلاقه على أداة صغيرة تصدر صوتا عاليا نتيجة اندفاع الهواء داخلها، وتؤدي وظيفة رئيسية في الألعاب الرياضية عموما وفي كرة القدم على وجه الخصوص، وهي الصافرة.
يستخدم الحكم الصافرة أثناء إدارة المباريات في مواقف عدة، أبرزها على الإطلاق عند الإعلان عن بدء المباراة وانتهائها، وعند إيقاف اللعب لاحتساب ركلة حرة مباشرة أو ضربة جزاء، وعند إيقاف المباراة مؤقتا بسبب إصابة لاعب، وعند نهاية كل شوط وعند استئناف اللعب بعد كل هدف.
وبحسب مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم "إيفاب" فإنه ليس من الضروري استخدام الصافرة عند احتساب ركلة مرمى أو ركلة ركنية أو رمية تماس أو حتى هدف، بل يمكن للحكم أن يشير بيده إلى ذلك، مبينا أن "الاستخدام غير الضروري أو المفرط للصفارة يضعف أثرها عند الحاجة إليها".
يعود أقدم استخدام لفكرة الصافرة تاريخيا إلى القرن الثالث الميلادي، إذ كان حراس المدن في الصين القديمة ينفخون في ثمار البلوط المجوفة لتحذير السكان من غزوات المغول.
أما في الألعاب الرياضية وتحديدا كرة القدم فاعتمد الحكام في إدارة المباريات على إصدار الأوامر الشفهية بأصواتهم، أو بالإشارات اليدوية بما في ذلك رفع أذرعهم أو حتى التلويح بالمناديل، وهي إشارات كان اللاعبون يفسرونها بشكل متباين.
وأثبتت هذه الطرق البدائية عدم جدواها، إذ تسبب غياب طريقة موحدة لإيقاف اللعب واستئنافه بحالات كثيرة من الفوضى والخلاف بين لاعبي الفرق المتنافسة، فبرزت الحاجة إلى طرق أخرى أكثر فعالية خاصة مع زيادة انتشار اللعبة.
وهنا ظهر البريطاني جوزيف هدسون من بيرمنغهام صاحب فكرة تصنيع الصافرات، التي لمعت في رأسه جراء صوت غريب متنافر صدر عن تحطم كمان إثر سقوطه على الأرض، فأثار هذا الصوت الحاد اهتمامه بمداه وقوته، فقرر تجسيد هذا الصوت من خلال صفارة.
وفي عام 1878 اخترع هدسون أول صافرة رياضية في العالم، إذ حصلت شركته "هدسون وشركاه" على براءة اختراع لما سيصبح فيما بعد صافرة "أكمي ثاندرر" (Acme Thunderer)، التي تميزت في بداياتها بصوت عال وحاد يمكن سماعه رغم ضجيج الجماهير.
واعتمد التصميم الذي قدمه هدسون في ذلك الوقت على كرة صغيرة بحجم حبة البازيلاء، وضعت داخل أنبوب معدني من النحاس الأصفر، يصدر صوتا عند النفخ فيه مع مرور الهواء عبره.
ولا يعرف على وجه الدقة متى تم استخدام الصافرات في مباريات كرة القدم لأول مرة، لكن مصادر عديدة أشارت إلى ظهورها في مباراة نوتنغهام فورست وشيفيلد نورفولك في بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي، في نفس العام الذي اخترع فيه هدسون الصافرة.
ويمكن سماع صوت الصافرة داخل أرضية الملعب بوضوح تام، ما أدى إلى تسهيل تعاون اللاعبين مع الحكم في مسألة توقف اللعب واستئنافه، حتى أصبحت بمرور الوقت أداة أساسية ليس للتواصل فقط؛ بل رمزا لتطبيق قوانين اللعبة.
وأصبحت الصافرة الآن عنصرا أساسيا لا يمكن الاستغناء عنه في إدارة مباريات كرة القدم، بل وباتت أداة رسمية بموجب القانون الصادر عن إيفاب.
وينص البند الخامس من المادة الخامسة الخاصة بالحكام على أن "الصافرة أداة أساسية للحكم يشير بها إلى بدء واستئناف وإيقاف اللعب، وإلى الأخطاء"، وكل الأمور المتعلقة باللعبة داخل أرضية الملعب.
تطورت صناعة الصافرات مع مرور السنين، فبعد صافرة هدسون ظهرت أخرى صنعت يدويا باستخدام مواد من الخشب أو العظام وحتى الأنابيب المعدنية البسيطة، فكان الحرفيون يشكلون التجويف الداخلي ويصنعون فتحة صغيرة لتدفق الهواء، مع إضافة كرة خشبية صغيرة أو خرزة معدنية لتكبير الصوت.
كانت هذه الصافرات فعالة من حيث قوة الصوت لكنها غير متسقة من ناحية الجودة، على عكس النسخ الحديثة التي تم الاستغناء فيها عن الكرات الصغيرة في الداخل لتجنب أي احتمال لحدوث انسداد يؤثر على جودة الصوت.
كما استبدلت المعادن بالبلاستيك عالي الجودة إلى جانب سبائك مخصصة لتعزيز المتانة ومقاومة ظروف الطقس المختلفة، كما تراعي راحة الحكام خاصة في المباريات الطويلة.
وتشدد بنود قوانين "إيفاب" على أهمية جودة الصافرة، بحيث يكون صوتها عاليا ومسموعا، لضمان نقل قرارات الحكم للاعبين وللجماهير وحتى للمشاهدين عبر شاشات التلفزيون.
تحول إنتاج الصافرات إلى صناعة متخصصة في دول تتمتع بقدرات عالية في تصنيع الأدوات الرياضية، أشهرها المملكة المتحدة واليابان وكندا على سبيل المثال لا الحصر.
وحافظت "أكمي ويسلز" (ACME Whistles) على علامتها التجارية كشركة رائدة في إنتاج صافرات الحكام الشهيرة باسم "ثاندرر" (Thunderer)، في مختلف الرياضات سواء كانت للمحترفين أو الهواة.
أما شركة "فوكس 40 إنترناشونال" (Fox 40 International) فأحدثت ثورة في تصميم الصافرات عبر النماذج الخالية من الحبوب، والتي تستخدم على نطاق واسع في البطولات الدولية، وتتميز بامتثالها التام لمعايير إيفاب.
وبرزت كذلك شركة "مولتن" (Molten) اليابانية في إنتاج صافرات استخدمت في إدارة مباريات كأس العالم 2010 الذي أقيم في جنوب أفريقيا، النسخة التي تميزت بصخب آلة الفوفوزيلا على المدرجات، ومع ذلك حققت الصافرة نجاحا باهرا من خلال الأداء الصوتي المتسق والواضح.
في هذا السياق، يوضح حكم دولي سابق، أن استخدام الصافرة لا يقتصر على إطلاق صوت موحد، بل يتضمن تنويعات تعبيرية تساعد في إيصال القرار بشكل أوضح داخل الملعب.
ويشير إلى أن طول الصافرة وقوتها وعدد مرات إطلاقها تحمل دلالات مختلفة؛ فالصفارة الطويلة غالبا ما تستخدم لبداية المباراة ونهايتها، بينما قد تشير الصفارات القصيرة إلى أخطاء بسيطة، في حين تعبر الصفارة الأقوى أو المتقطعة عن مخالفات أكثر خطورة مثل ركلات الجزاء.
ويضيف أن الحكم لا يعتمد على الصافرة وحدها، بل يقرنها بالإشارات اليدوية لتوضيح نوع المخالفة واتجاهها، وهو ما يعزز فهم اللاعبين للقرار.
كما يؤكد أن الإفراط في استخدام الصافرة يعد من الأخطاء الشائعة، إذ توجد حالات واضحة مثل ركلة المرمى أو رمية التماس، لا تستوجب إطلاقها، انسجاما مع توجيهات مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (إيفاب).
ومن الجوانب المهمة التي يشدد عليها الحكم، ما يعرف بمبدأ "انتظر وقرر" (Wait and See)، حيث ينبغي على الحكم التريث لثوان معدودة قبل إطلاق الصافرة، لتقييم الحالة بدقة وتفادي القرارات المتسرعة.
ويرى أن وضع الصافرة بشكل دائم في الفم قد يدفع الحكم إلى التسرع، وهو ما يتعارض مع هذا المبدأ.
كما لفت إلى تطور طرق حمل الصافرة، من تعليقها حول العنق أو تثبيتها في الصدر سابقا، إلى استخدام أربطة خاصة باليد أو الأصابع حاليا، مع احتفاظ الحكم غالبا بصفارة احتياطية تحسبا لأي طارئ أثناء المباراة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة