في تقدم يقترب بفكرة "الإلكترونيات الجزيئية" من التطبيق العملي، نجح فريق بحثي دولي في تطوير بنية جزيئية معقدة تتكون من خمس وحدات مترابطة تعمل معا كما لو كانت نظاما إلكترونيا واحدا، وهو إنجاز قد يفتح الباب أمام مواد أصغر حجما وأكثر كفاءة للاستخدام في الإلكترونيات المتقدمة وتقنيات الطاقة والاستشعار.
جوهر هذا الإنجاز يدور حول فئة من الجزيئات تعرف باسم الفثالوسيانينات، وهي جزيئات مسطحة غنية بالكربون، تشتهر بخصائصها الضوئية والإلكترونية الجيدة، ولذلك تُعد مهمة في تطبيقات مثل الخلايا الشمسية والمستشعرات الكيميائية والمواد الإلكترونية الدقيقة.
ويحاول العلماء منذ سنوات توصيل أكثر من جزيء من هذه الفئة ببعضه بعضا لتكوين شبكات أكبر، لأن ذلك يسمح للإلكترونات بالحركة عبر بنية أوسع وأكثر ترابطا، بما قد يحسن الأداء الإلكتروني للمادة الناتجة.
لكن المشكلة أن هذه الجزيئات كلما كبرت وتشابكت أصبحت أقل ذوبانا في السوائل، وهذا يجعل تصنيعها بالطرق الكيميائية التقليدية أكثر صعوبة، بل يضع حدا عمليا لحجم البنى التي يمكن إنتاجها.
ووفقا للدراسة، فإن هذا العائق كان يمنع عادة الوصول إلى تراكيب تتجاوز ثلاث وحدات مترابطة، لذلك مثل الوصول إلى خماسي مدمج بالكامل قفزة مهمة في هذا المجال.
ولحل هذه المعضلة، اتبع الباحثون استراتيجية هجينة تجمع بين مرحلتين، الأولى تتم في المحلول الكيميائي، حيث تُحضَّر الوحدات الجزيئية الأساسية بعناية، والثانية تتم على سطح معدني وتحت ظروف فراغ فائق، حيث تُستكمل التفاعلات لتندمج الوحدات في بنية نهائية أكبر وأكثر تعقيدا.
بهذه الطريقة جمع الفريق بين دقة الكيمياء التقليدية ومزايا "التخليق على السطح"، وهي تقنية تتيح بناء تراكيب يصعب جدا الحصول عليها داخل القوارير المعتادة في المختبر.
والنتيجة كانت بنية على شكل صليب مكو نة من خمس وحدات من الفثالوسيانين مندمجة في نظام متصل؛ والمقصود بذلك أن السحابة الإلكترونية تمتد عبر الجزيء كله بدلا من أن تبقى محصورة في كل وحدة على حدة.
هذه نقطة شديدة الأهمية، لأن المادة عندئذ لا تتصرف كمجموعة جزيئات منفصلة، بل ككيان إلكتروني واحد على مقياس النانو.
وأظهرت القياسات أن هذا الدمج خف ض فجوة الطاقة، وهي خاصية أساسية تتحكم في سهولة انتقال الشحنة الكهربائية، ما يجعل المادة الجديدة أكثر جاذبية للإلكترونيات الجزيئية والمواد الوظيفية المتقدمة.
ومن الجوانب اللافتة أيضا أن تصميم الجزيء يتيح إدخال أيونات معدنية مختلفة في مواضع محددة داخله، لأن جزيئات الفثالوسيانين تمتلك تجويفا مركزيا قابلا لاحتضان المعادن. وهذا يمنح الباحثين قدرة دقيقة على "تفصيل" خصائص الجزيء، بحيث يمكن مثلا إضافة صفات مغناطيسية في مناطق معينة، أو تعديل خصائصه الإلكترونية والضوئية بحسب التطبيق المطلوب.
ولم يقتصر الإنجاز على التصنيع فقط، بل شمل أيضا تصوير البنية الجديدة وتمييزها بدقة شبه ذرية باستخدام مجهر المسح بالمسبار، وهو ما أتاح للباحثين التحقق من أن البنية تشكلت فعلا كما خ طط لها.
أهمية هذا العمل لا تكمن في أنه أنتج "جزيئا كبيرا" فحسب، بل في أنه يقدم وصفة تصنيع جديدة قد تسمح مستقبلا ببناء بوليمرات ثنائية الأبعاد من الفثالوسيانين، كما أشار الباحثون أنفسهم.
وإذا نجح هذا المسار، فقد نكون أمام عائلة جديدة من المواد المصممة بدقة ذرية، يمكن أن تدخل في دوائر جزيئية، وأجهزة استشعار عالية الحساسية، وتقنيات تحويل الطاقة، بل وربما في بعض تطبيقات الحوسبة الكمية حيث تصبح السيطرة على الخواص الإلكترونية والمغناطيسية على المستوى الذري عاملا حاسما.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة