ثمة فخامة لا تُشترى، ولا تُعلَّق على الأكتاف، ولا تُقاس بما يملكه المرء من مال أو جاه؛ فخامة هادئة لا يراها إلا من عرف قيمة نفسه، وأدرك أن بعض الوحدة أكرم من كثير من الصحبة.

أن تجلس منفردًا إلى جوار مقعد فارغ، وتجد في صمته ما لا تجده في أحاديث كثيرة، تلك ليست عزلة كما يظن البعض، وإنما اختيار ناضج للحضور الذي يستحق أن يكون في حياتك. فليس كل من جلس إلى جوارك قريبًا، وليس كل من ملأ المكان من حولك قادرًا على أن يملأ شيئًا في داخلك.

المقاعد الفارغة أحيانًا أكثر رحمة من المقاعد المزدحمة. فيها متسع لأن تسمع صوتك، وأن تستعيد أفكارك التي بعثرتها المجاملات، وأن تنظر إلى نفسك دون ضجيج الآخرين. فيها فسحة للتأمل، وراحة من اضطرار دائم إلى تفسير ذاتك لمن لا يفهمها، أو تبرير مشاعرك لمن لا يشبهك.

وما أقسى أن يجلس الإنسان بين أناس كثيرين، ثم يشعر أنه وحيد؛ وما أجمل أن يجلس وحده، فيشعر للمرة الأولى أنه في صحبة نفسه.

ليست المشكلة في قلة الرفاق، وإنما في ندرة الأرواح التي نشعر معها أننا لسنا مضطرين إلى ارتداء وجوه لا تشبهنا. هناك مجالس كثيرة عامرة بالأجساد، فقيرة بالمعنى؛ ضاحكة في ظاهرها، موحشة في أعماقها. وهناك مقعد واحد خالٍ، يمنح صاحبه من الطمأنينة ما تعجز عنه موائد مكتظة بالحديث.

إن أجمل ما في النضج أن تتوقف عن الخوف من الوحدة، وأن تكف عن ملء الفراغ بأي شخص لمجرد أنك تخشى أن تبقى وحدك. عندها تفهم أن بعض المقاعد ينبغي أن تبقى فارغة، لا لأنها لم تجد من يشغلها، وإنما لأنك تعلمت أن المكان الذي لا يليق به أحد، من الوفاء لنفسك أن تتركه شاغرًا.

فالصحبة ليست كثرة، والقرب ليس مسافة، والأنس ليس عدد الأصوات من حولك. قد يكون الإنسان بعيدًا عن الجميع، لكنه قريب من ذاته، وقد يكون محاطًا بالعشرات، وهو أبعد ما يكون عن نفسه.

ثم إن في الجلوس منفردًا شيئًا من السيادة على الوقت. لا أحد ينتظر منك أن تتحدث حين لا تريد، ولا أحد يفرض على صمتك تفسيرًا، ولا أحد يقتحم مساحتك الداخلية بحجة الألفة. تستطيع أن تشرب قهوتك على مهل، أن تنظر من النافذة طويلًا، أن تقرأ، أن تفكر، أو أن لا تفعل شيء على الإطلاق؛ دون أن تشعر بأن عليك تقديم اعتذار عن هدوئك.

وهذا الهدوء ليس فراغًا، وإنما امتلاء من نوع آخر.

فالعاشق للضجيج قد يرى المقعد الفارغ خسارة، بينما يرى عاشق السكينة فيه نعمة. الأول يبحث عمن يملأ الوقت، والثاني يبحث عمن يستحق أن يشاركه الوقت. الأول يخشى الصمت لأنه يكشف له نفسه، والثاني يصادق الصمت لأنه يجد فيه الحقيقة التي لا يستطيع الضجيج إخفاءها.

ولعل أرقى صور الحرية أن تبلغ من السلام الداخلي مبلغًا لا يجعلك تقبل بأي صحبة خوفًا من الوحدة. أن تعرف أن وجود شخص في حياتك ينبغي أن يكون إضافة، لا تعويضًا عن نقص؛ وأن تكون العلاقة امتدادًا للطمأنينة، لا وسيلة للهروب من الفراغ.

لذلك، لا تخجل من مقعدك الفارغ.

دعه إلى جوارك ما دام الذين يملكون حق الجلوس فيه لم يأتوا بعد. لا تملأه عابرًا لمجرد أن المكان خالٍ، ولا تمنحه لمن يثقل روحك ثم تسمي ذلك صحبة. فبعض المقاعد تحفظ هيبتها حين تبقى فارغة، وبعض الأبواب تظل أجمل حين لا تُفتح إلا لمن يعرف كيف يدخلها.

إن الوحدة التي تختارها بوعي، أرحم كثيرًا من صحبة تُجبر عليها. والجلوس منفردًا، حين يكون المرء متصالحًا مع ذاته، ليس انكسارًا ولا هروبًا من الناس؛ إنه نوع من الثراء الداخلي، وامتياز لا يفهمه إلا من ذاق مرارة المجالس التي كان فيها حاضرًا بجسده، غائبًا بروحه.

ليست الفخامة أن تجد حولك مقاعد ممتلئة، وإنما أن تكون قادرًا على ترك بعضها فارغًا، حتى يأتي الشخص الذي لا يفسد هدوءك، ولا ينتقص من سلامك، ولا يجعلك تتساءل بعد رحيله: لماذا كنت أكثر وحدة وأنا معه؟

فاختر مقعدك بعناية، واختر من يجلس إلى جوارك بعناية أكبر.

فبعض المقاعد الفارغة ليست علامة على أن أحدًا لم يأتِ، وإنما هي علامة على أنك أخيرًا عرفت من يستحق أن يأتي.