الأبراج بين الاعتقاد والتأثير النفسي.. هل نصنع شخصياتنا بما نقرأ؟
يقرأ أحدهم عن برج العقرب أنه غيور وكتوم ولا ينسى الإساءة، ويقرأ آخر عن برج الميزان أنه متردد ويسعى إلى إرضاء الآخرين، بينما يقرأ صاحب برج الحوت أنه عاطفي وحساس ويعيش كثيرًا في عالم الخيال.
وقد يقرأ الإنسان هذه الصفات في البداية من باب الفضول أو التسلية، ثم يعيد قراءتها مرة بعد أخرى، حتى يبدأ في البحث عنها داخل نفسه. فإذا غضب قال: أنا هكذا لأنني من هذا البرج، وإذا غار برر غيرته بصفات برجه، وإذا تردد في اتخاذ قرار قال: هذه طبيعتي، فبرجي معروف بالتردد.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل نحن نقرأ وصفًا لشخصياتنا، أم أننا مع كثرة القراءة والتصديق نبدأ في تشكيل شخصياتنا وفق ذلك الوصف؟
من الناحية النفسية، يتأثر الإنسان بالصورة التي يحملها عن نفسه. فعندما يقتنع بأنه عصبي أو حساس أو غيور أو متردد، قد يبدأ دون أن يشعر في تفسير مواقفه اليومية بما يتوافق مع هذه الصورة، بل وقد يتصرف بطريقة تعززها، حتى تتحول العبارة التي قرأها إلى جزء من تعريفه لنفسه: «أنا هكذا».
وهذا قريب مما يُعرف في علم النفس بـ«النبوءة ذاتية التحقق»، حيث يمكن للتوقع أو الاعتقاد أن يؤثر في السلوك بطريقة تجعله أقرب إلى التحقق. كما يميل الإنسان إلى ملاحظة المواقف التي تؤيد ما يعتقده عن نفسه، وقد يغفل المواقف التي تخالف ذلك. فإذا اقتنع مثلًا بأنه شديد الحساسية، فسيتذكر المواقف التي تأثر فيها سريعًا، وربما ينسى مواقف كثيرة تعامل معها بهدوء واتزان.
والأمر لا يتوقف عند نظرة الإنسان إلى نفسه، بل قد يمتد إلى علاقته بالآخرين. فقد يحكم شخص على شريك حياته أو صديقه أو زميله من خلال برجه قبل أن يحكم عليه من خلال سلوكه الحقيقي، فيقول: أصحاب هذا البرج لا أثق بهم، أو أصحاب ذلك البرج عصبيون، أو هذا البرج لا يتوافق مع ذاك. وهنا نضع الإنسان داخل قالب جاهز قبل أن نمنحه فرصة أن يكون نفسه.
والمشكلة ليست في مجرد قراءة جملة عابرة عن الأبراج، وإنما في أن تتحول تلك الجملة إلى تعريف للذات وتبرير للسلوك. فالقول: «أنا عصبي لأن برجي كذا» قد يجعل الإنسان أقل رغبة في تغيير عصبيته، والقول: «أنا غيور وهذه طبيعة برجي» قد يحول سلوكًا يحتاج إلى المراجعة والضبط إلى صفة يعتقد صاحبها أنها جزء ثابت منه.
ومن الجانب الديني، فإن الإسلام يدعو الإنسان إلى عدم ربط شخصيته أو مستقبله وحظه بحركة النجوم والأبراج، فالغيب لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. ومن المهم التفريق بين دراسة الأجرام السماوية وحركتها باعتبارها علمًا، وبين الاعتقاد بأن الأبراج تكشف شخصية الإنسان أو تتنبأ بحظه ومستقبله. ولذلك فإن بناء القرارات والعلاقات والأحكام على الآخرين استنادًا إلى الأبراج لا يقوم على أساس صحيح، فضلًا عما قد يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية.
فالشخصية الإنسانية أعقد بكثير من أن تُختصر في اثني عشر برجًا. نحن نتأثر بالتربية والأسرة والتجارب والثقافة والبيئة والتعليم والعلاقات والظروف التي مررنا بها، كما أننا قادرون على التعلم والتغيير ومراجعة أنفسنا.
لذلك، إذا قرأت يومًا أن برجك عنيد أو غيور أو متردد أو سريع الغضب، فلا تجعل هذه الكلمات تصريحًا مفتوحًا لممارسة هذه السلوكيات، ولا تحولها إلى قدر نفسي تعيش داخله.
ولا تسأل نفسك: ماذا يقول برجي عني؟
بل اسأل: من أنا فعلًا؟ وما الصفات التي أريد أن أحتفظ بها، وما السلوكيات التي أحتاج إلى تغييرها؟
لأن أخطر ما في بعض الأوصاف التي نقرأها عن أنفسنا ليس أن تكون صحيحة أو خاطئة فحسب، بل أن نصدقها ونكررها حتى نبدأ نحن بأنفسنا في تحويلها إلى واقع نعيشه.