أحيانًا لا تحتاج إلى إجابة جديدة، بقدر ما تحتاج إلى أن تسأل الشخص الصحيح ، في أحد مواقف العمل، قد يجلس أمامك موظف يحمل شكوى تبدو في ظاهرها بسيطة؛ خلاف مع مدير، شعور بعدم التقدير، تراجع في الأداء، أو رغبة في ترك العمل ، وبحكم عملك في الموارد البشرية، قد تكون أمامك كل الأدوات التي تعلمك كيف تتعامل مع الموقف: لائحة، سياسة، نموذج، إجراء، وربما عشرات الكتب والدورات التي تحدثت عن المشكلة نفسها ، ومع ذلك، قد تكتشف بعد دقائق من الحديث أن كل ما قرأته لم يخبرك عن ذلك الجزء الصغير من الحكاية الذي يفسر كل شيء.

لأن هناك فرقًا بين أن تعرف عن الشيء، وأن تعرف الشيء لأنك عشته ، قد يعرف شخص كيف تُدار الأزمات، لكنه لم يقف يومًا في منتصف أزمة حقيقية ، وقد يعرف آخر كيف تُبنى الفرق، لكنه لم يتحمل مسؤولية فريق يختلف أفراده ثم يُطلب منه أن يحافظ على تماسكه ، وقد يتحدث ثالث عن الصبر بثقة، حتى يأتيه موقف يختبر فيه صبره فعلًا، فيكتشف أن المسافة بين معرفة الفضيلة وممارستها أكبر مما كان يظن.

ولهذا فإن بعض الأسئلة لا ينبغي أن نوجهها إلى أكثر الناس معرفة، وإنما إلى أكثرهم تجربة ، وحين نتأمل المنهج النبوي في التعليم والتربية، نجد أن المعرفة لم تكن منفصلة عن الإنسان وحاله؛ فكان السؤال يُستمع إليه، والموقف يُراعى، والخطأ يُصحح، والجواب يأتي بقدر حاجة صاحبه ، لم تكن الغاية أن يعرف الإنسان المعلومة فقط، بل أن يعرف كيف يحملها إلى حياته.

وهذا هو الفارق الذي نحتاج أن نستحضره اليوم، خصوصًا في بيئات العمل التي امتلأت بالسياسات والأدلة والنماذج، لكنها تظل في حاجة إلى شيء لا يُكتب في الملفات: الخبرة الإنسانية ، فحين يتعثر موظف، قد تخبرك اللائحة ماذا تفعل، لكن من جرّب التعثر يستطيع أن يخبرك ماذا يحتاج الإنسان في تلك اللحظة ، وحين تفكر في تطوير قائد، قد تمنحك الكتب عشرات النماذج القيادية، لكن قائدًا عاش سنوات من المواقف الصعبة قد يمنحك في دقائق درسًا لا تجده في فصل كامل؛ لأنه لا ينقل إليك المعلومة فقط، بل ينقل معها ثمنها.

وهنا تصبح الخبرة نوعًا آخر من المعرفة؛ معرفة دفعت الحياة ثمنها قبل أن تصل إلينا ، وفي علاقاتنا أيضًا، كم من مرة سمعنا نصيحة جميلة ثم اكتشفنا أنها لا تشبه الواقع؟ وكم من شخص لم يكن يملك العبارات المنمقة، لكنه قال جملة واحدة لأنه عاشها، فبقيت فينا أكثر من عشرات النصائح؟

ربما لهذا قيل:
ومن لم يذق مُرَّ التعلُّم ساعةً
تجرّع ذُلَّ الجهل طول حياته

فالتجربة ليست بديلًا عن العلم، كما أن العلم ليس بديلًا عن التجربة؛ أحدهما يمنحك البصيرة، والآخر يمنحك القدرة على رؤية البصيرة وهي تمشي على الأرض ، لذلك، عندما تواجه أمرًا لم تعشه من قبل، لا تتعجل أن تسأل: ماذا تقول الكتب؟ اسأل أيضًا: من مرّ من هنا قبلي؟ ماذا تعلّم؟ وأين أخطأ؟ وماذا كان يتمنى لو عرفه قبل أن يبدأ؟

في الموارد البشرية، كما في التربية والعلاقات والحياة، قد يكون أذكى قرار تتخذه ألا تبحث عن الشخص الذي يعرف أكثر، بل عن الشخص الذي جرّب أكثر وتعلّم أكثر مما جرّب ، فليست كل الحكمة تسكن في الكتب، ولا كل الخبرة تُمنح في الدورات؛ بعض الحكمة يجلس أمامك في هيئة إنسان، يحمل في صمته قصة، وفي أخطائه درسًا، وفي تجربته طريقًا أقصر لك.

فاسأل من جرّب، لا من عرف فقط؛ لأن من عرف يخبرك بالطريق، أما من جرّب فيستطيع أن يحذرك من الحفر التي لا تظهر على الخريطة .