حَمَلَةُ الأَسْفَار
في كل مجتمع، وفي كل جماعة، وفي كل مكان يجتمع فيه الناس على غاية أو عمل، قد يظهر أناس جعلوا من الكلام صناعة، ومن نقل الأخبار عادة، ومن الخوض في شؤون الآخرين سبيلا إلى الحضور والتأثير. تراهم ينتقلون بين المجالس والمكاتب، يحملون من هنا كلمة، ومن هناك همسة، ويضيفون إلى الخبر من وحى خيالهم ما يغير معناه، ثم يلقون به في موضع آخر، وكأنهم لا يدركون أن بعض الكلمات لا تمر على القلوب مرورا عابرا، وإنما تترك فيها جراحا قد يصعب التئامها.
إنهم حملة الأسفار؛ لا يحملون كتابا ينفع، ولا علما يرفع، وإنما يحملون الكلام من شخص إلى آخر ومن مكتب إلى مكتب، ومن مجلس إلى مجلس، ويحرفون ذلك الكلام ، ثم يعيدونه في صورة جديدة، حتى يصبح الخبر الصغير فتنة كبيرة، والاختلاف العابر خصومة مستعرة، وسوء الفهم جدارا يفصل بين القلوب.
وليس الخطر في نقل الكلام وحده، فالكلام قد يكون حقا يقال في موضعه، ونصيحة تؤدى بأمانة، أو معلومة يحتاج إليها صاحبها. وإنما البلاء حين يتحول نقل الكلام إلى وسيلة للإفساد، وحين يصبح الإنسان رسولا بين النفوس، لا ليصلح بينها، وإنما ليزيد المسافة اتساعا، ويصب الزيت على نار الخلاف.
وفي أماكن العمل على وجه الخصوص، يكون أثر هؤلاء أشد خطرا؛ لأن بيئة العمل تقوم على الثقة والتعاون والاحترام، وأي شرخ في هذه المعاني ينعكس على الجميع. فالموظف الذي يسمع أن زميله قال فيه كذا، ثم يسمع من آخر أن المدير لا يثق به، ثم تصله رواية ثالثة تحمل اتهاما أو تأويلا، قد يجد نفسه فجأة في معركة لم يخترها، وعداوة لم يسع إليها، وخصومة لا يعرف كيف بدأت.
ولا تكمن المشكلة في مجرد نقل الحديث؛ فالكلام بين الناس أمر مألوف، وقد يكون أحيانا ضرورة تقتضيها طبيعة العمل. وإنما تبدأ المشكلة حين يتحول نقل الأخبار إلى وسيلة للإفساد، وحين يصبح تناقل الأقاويل صناعة يومية، وحين يغدو لسان الإنسان أداة للنيل من سمعة الآخرين، أو الانتقاص من جهودهم، أو التشويش على علاقتهم بزملائهم ورؤسائهم.
وهكذا تبدأ الفتنة غالبا بكلمة.
كلمة قيلت في غياب صاحبها، ثم نقلت ناقصة، ثم زينت بتفسير، ثم أضيف إليها ما ليس فيها، ثم انتقلت من أذن إلى أذن حتى فقدت حقيقتها، وأصبحت رواية جديدة لا تمت إلى أصلها إلا بخيط واه.
وما أشد قسوة أن يكون الإنسان سببا في خصومة بين اثنين كانا بالأمس متعاونين، أو أن يزرع الشك في قلب موظف تجاه زميله، أو أن يجعل مديرا ينظر إلى أحد موظفيه بعين الريبة بسبب حديث منقول لم يتحقق من صحته.
إن صاحب هذه الصنعة قد يظن أنه ذكي، وأنه يعرف خفايا الناس، وأن كثرة ما ينقله تمنحه نفوذا ومكانة، لكنه لا يدرك أن من اعتاد نقل كلام الآخرين لا يأمن الناس جانبه؛ فمن حمل إليك كلام غيرك، سيحمل إلى غيرك كلامك.
ولذلك كان حفظ اللسان من أعظم أبواب الحكمة، وكان الصمت في مواضع كثيرة أبلغ من الكلام. فليس كل ما يسمع يقال، وليس كل ما يقال ينقل، وليس كل ما ينقل يستحق أن يصدق.
والمؤسف أن بعض الناس لا يكتفون بنقل الكلام، بل يتفننون في صناعة التأويلات؛ فيأخذون موقفا عاديا ويمنحونه معنى عدائيا، ويحولون الصمت إلى تكبر، والانشغال إلى تجاهل، والاختلاف في الرأي إلى مؤامرة، والنقد المهني إلى خصومة شخصية.
وهنا يتحول الإنسان من ناقل للكلام إلى صانع للفتنة.
فالفتنة لا تحتاج دائما إلى كذبة صريحة؛ قد يكفيها نصف حقيقة، أو معلومة مبتورة، أو عبارة قيلت في سياق مختلف، أو سؤال خبيث يلقى في نفس مستعدة للشك.
وقد يكون أخطر هؤلاء أولئك الذين يتظاهرون بالحرص على الآخرين، فيقول أحدهم: "أنا لا أريد أن أتكلم، ولكن..." ثم يبدأ الكلام. ويقول آخر: "لا تنقل عني، لكني سمعت..." ثم يفتح بابا من الأبواب التي كان الأولى أن تغلق.
وما أكثر الأبواب التي لو أغلقت عند أول كلمة، لما اتسعت منها الخصومات.
إن بيئة العمل الناجحة لا تبنى بكثرة الكلام، وإنما بالثقة والوضوح والاحترام. فإذا كان لدى الموظف ملاحظة على زميله، فالأصل أن يواجهه بأدب، وإذا كانت لديه شكوى، فلتذهب إلى الجهة المختصة، وإذا وقع سوء فهم، فليعالج بالحوار المباشر، لا بالممرات الجانبية ولا بالأحاديث السرية التي تتناقلها الألسن.
أما أن يصبح المكتب ساحة لتداول الأسرار، وتوزيع الاتهامات، وتحليل النيات، وتتبع الزلات، فذلك طريق لا ينتهي إلا بإفساد القلوب وإضعاف المؤسسة وإهدار الطاقات.
والعجيب أن بعض الناس يراقبون أخطاء الآخرين بدقة، وكأنهم نصبوا أنفسهم حراسا على عيوب البشر، بينما ينسون أن لكل إنسان ما يستره الله عليه، وأن من تتبع عورات الناس تتبع الناس عوراته، وأن الإنسان مهما ظن نفسه بعيدا عن الخطأ، فهو أحوج ما يكون إلى من يستر عليه لا إلى من يفضحه.
إن الكلمة أمانة.
والمعلومة أمانة.
والسر أمانة.
وما يسمعه الإنسان في مجلس خاص ليس بالضرورة مادة صالحة للتداول في مجلس آخر.
ومن الحكمة أن يسأل المرء نفسه قبل أن ينقل أي كلام: هل في نقله إصلاح أم إفساد؟ هل سيترتب عليه خير أم ضرر؟ هل يرضى صاحبه أن ينقل عنه؟ وهل أملك يقينا أن ما سمعته صحيح، أم أنني أنقل رواية سمعتها من شخص عن شخص آخر؟
فكم من علاقة انكسرت بسبب خبر غير صحيح، وكم من موظف ظلم بسبب رواية مشوهة، وكم من فريق تشتت لأن أحدهم قرر أن يجعل من نفسه بريدا متنقلا بين الناس.
إن قوة الإنسان ليست في قدرته على معرفة أسرار الآخرين، ولا في كثرة ما يحمل من أخبارهم، وإنما في قدرته على حفظ ما اؤتمن عليه، وعلى أن يكون وجوده بين الناس باعثا على الطمأنينة لا على الريبة.
فكن ممن يجمعون ولا يفرقون، ويصلحون ولا يفسدون، ويسترون ولا يفضحون، ويتثبتون ولا يندفعون وراء كل خبر.
وإذا سمعت كلاما يسيء إلى شخص غائب، فلا تكن محطة أخرى له. وإذا جاءك من يحمل إليك حديثا عن زميلك، فلا تجعل أذنك صندوقا لكل ما يلقى فيها. وإذا رأيت خلافا بين اثنين، فلا تجعل نفسك رسولا للخصومة، وإنما إن استطعت أن تكون رسولا للإصلاح، فافعل.
فالمجتمعات لا تنهار دائما بسبب الأعداء الظاهرين، بل قد ينخرها من الداخل أولئك الذين يجعلون من الألسنة معاول تهدم ما تبنيه الأيام.
وفي أماكن العمل تحديدا، نحن لا نحتاج إلى مزيد من ناقلي الكلام، وإنما نحتاج إلى أصحاب الصدور الواسعة، والعقول المتزنة، والنفوس التي تعرف أن النجاح الجماعي لا يقوم على إسقاط الآخرين، وأن ارتفاع الإنسان لا يحتاج إلى انخفاض غيره.
فليكن لسانك جسرا لا خنجرا، وكلمتك بناء لا هدما، وحضورك أمنا لا فتنة.
وتذكر دائما:
ليس كل ما تعرفه يقال، وليس كل ما يقال ينقل، وليس كل ما ينقل يصدق.
ومن أراد أن يعيش محترما بين الناس، فليجعل كلامه قليلا إذا كان في كثرته ضرر، وليجعل صدقه كثيرا إذا كان في صدقه إصلاح.
فالكلمات تمضي، ولكن آثارها تبقى؛
وقد تنتهي الجملة في لحظتها، بينما يبدأ أثرها في قلوب الناس من بعدها.
فاختر لنفسك أي أثر تريد أن تتركه.