حين يتغيّر الريش
في الفترة الأخيرة، لا أعرف لماذا، بدأت أنجذب إلى عالم الحيوان،أتابع الوثائقيات، وأقرأ عن سلوك بعض الكائنات، وزاد فضولي بعد محاضرات حضرتها عند برفسورفي علم الحيوان وكلما عرفت تفاصيل جديدة عن سلوكياتهم، وجدتني أقول "سبحان الله".
عالم كامل يعيش بجوارنا، له طرقه في التواصل والحماية والبقاء ومع كل قصة جديدة، كانت تعود إلى ذهني الآية الكريمة ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ وأظنني بدأت أتأمل معناها بطريقة مختلفة، ومن بين القصص التي توقفت عندها هي عند طائر "أبو قرن"
في موسم التكاثر، تدخل أنثى بعض أنواعه إلى تجويف في شجرة، وتغلق المدخل بمواد يجلب الذكر بعضها، حتى لا يبقى سوى شق ضيق يصلها منه الطعام وخلال بقائها في العش، تبدّل أنثى بعض هذه الأنواع معظم ريش جناحيها وذيلها، فتعجز عن الطيران أسابيع طويلة، ثم ينمو لها ريش جديد وتعود بعدها قادرة على الطيران بطاقة متجددة وبمسافات أطول وسنين أكثر .
قرأت القصة أكثر من مرة بشكل علمي ومرة بشكل أدبي وفلسفي ،لم يشغلني كيف بقيت داخل الشجرة بقدر ما شغلتني صورة خروجها منها، خرجت هي نفسها، لكن ليس بالريش الذي دخلت به.
وأنا أتأمل فيما حدث من تطور لها ،فكرت بعدها في مجتمعاتنا، في عادات تربّينا عليها، وطرق نعيش ونعمل ونتعامل بها مع بعضنا،صحيح أن بعضها يمنحنا إحساسًا بالانتماء، وبعضها حفظ للناس حقوقهم وقرّب بينهم، ويستحق أن يبقى،لكن هناك أشياء أخرى نستمر فيها لأننا اعتدناها فقط، حتى بعدما يتغير السبب الذي جعلنا نتمسك بها أول مرة.
يظهر ذلك أحيانًا في نظرتنا إلى الشباب، نطلب منهم أن يسلكوا الطريق الذي عرفناه منذ أجدادنا، ثم نستغرب حين يقولون إن نهايته لم تعد كما كانت،وقد نحكم على اختياراتهم بسرعة، قبل أن نرى العالم الذي يحاولون أن يجدوا مكانًا لهم فيه.حقيقة هنا لا تكون المشكلة في حرص المجتمع على أبنائه، وإنما في أن يتحول هذا الحرص إلى إصرار على إجابات لم تعد تناسب أسئلتهم.
والأمر لا يقف عند الناس أو الفرد فقط ،حين تتمسك دولة بطريقة في التعليم أو العمل لأنها نجحت سنوات طويلة، قد تمضي بها إلى أن يتخرج جيل اكتشف متأخرًا أن ما تعلّمه لا يكفيه،وما يبدأ في فصل دراسي أو مؤسسة، تظهر آثاره لاحقًا في اقتصاد البلد وفرص أبنائه.
حتى الأمم التي بنت مكانتها يومًا، لا تستطيع أن تعتمد على ما حققته وحده،عليها أن تعرف ما الذي منحها قوتها فعلًا، وما الذي ظلّت تحمله فقط لأنه مألوف لها واعتادت عليه ،فالتاريخ يمنحها ما تبدأ منه، أما ما ستفعله به اليوم فهو مسؤوليتها.
لهذا بقي طائر أبو قرن في ذهني،لم يخرج من الشجرة طائرًا آخر،تغيّر ريشه، وبقي هو نفسه وربما تستطيع المجتمعات أن تفعل ذلك أيضًا،أن تحافظ على ما تحبّه في نفسها وما يميزها ، من دون أن تخاف مراجعة ما لم يعد يساعد أبناءها على المضي.أحيانًا، كي نستمرونحلق في الطيران، نحتاج التوقف قليلا ونراجع ذاتنا لينمو لنا ريشًا يناسب الرحلة القادمة.
bedouralkuwait@gmail.com