صِناعة الفراغ
قد يغادر الإنسان مكتبه، ويبقى العمل مقيما في رأسه أو يغلق حاسوبه ثم يفتح هاتفه ليتابع الرسائل والأسئلة والقلق. تتبدل الشاشة ولا تتبدل الحال، ويمضي وقت الراحة في هيئة أخرى من العمل. عندها يصبح السؤال عن قدرتنا على التوقف أهم من العمل ذاته.
للوقت المستقطع فلسفة تتجاوز قضية الفراغ حتى إن الفراغ بحد ذاته يعد انشغالا مقصودا ؛ ففيه فرصة لاستعادة النشاط والتجديد والحيوية ويتضح ذلك جليا في الملاعب حينما يستدعي المدرب لاعبيه خلال الوقت المستقطع، ويمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس، ثم يعيد قراءة ما يجري أمامهم.
في حياتنا نبذل جهدا متزايدا في هدف تراجعت أهميته، أو نتمسك بالتزام فقد معناه، أو نكرر طريقة عمل لأننا اعتدناها وفي أوقات فراغنا نمد أيدينا إلى الهاتف فتتوالى الأخبار والمقاطع والتنبيهات، ونخرج من الاستراحة محملين بما لم نكن نحمله عند بدايتها. هنا أطرح هل نستمتع بالفراغ حقا؟
الفراغ ذاته مهم والأهم منه التخطيط له، بعيدا تماما عن المُشغلات والملهيات والشعور بأن شيئًا آخر ينتظر استجابتنا. لكن الراحة تضيق بمعناها إذا حوّلناها إلى مهمة إضافية، وطالبنا كل نزهة بنتيجة، وكل إجازة بإنجاز. للإنسان حق في السكينة والمتعة والصحبة، وفي وقت لا يحتاج إلى تبرير فائدته.
إن للفراغ صناعة لا يدركها الكثير ومن أدرك كنهها فسوف تتجلى لديه البهجة والمتعة في أبهى معانيها؛ لأن الوقت المستقطع جزء من الحياة التي نسعى إلى تحسينها بالعمل. نستعيد فيه طاقتنا، ونراجع اختياراتنا، ونلتفت إلى الأشخاص والأشياء التي قد يؤجلها الانشغال طويلًا. ولعل أعمق ما نتعلمه من التوقف أن قيمة الإنجاز تتصل بما يتيحه لنا من حياة. فماذا يصنع الإنسان بكل ما يملك إذا ظل عاجزا عن امتلاك ساعة من يومه