قبل أن تُعبَّد الطرق، كان الملك عبدالعزيز يقطع بلاده بنفسه، من الرياض إلى مكة المكرمة، ومن الطائف إلى الأحساء، ومن الظهران إلى المنامة، ومن جدة إلى قناة السويس.
ولم تكن تلك التنقلات ترفًا ولا استعراضًا، كانت امتدادًا لنهج سار عليه أئمة الدولة السعودية في تفقد شؤون البلاد، فكان يطّلع على أحوال المناطق وإدارتها، ويقف على أحوال الأهالي ويستمع إلى احتياجاتهم عن قرب، وشملت جولاته مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف والقصيم وحائل والأحساء والخرج والدمام.
كانت الرحلة الملكية تُنظَّم وفق مسار يضم عددًا من المدن والقرى، يرافق الملك خلالها عدد من أفراد أسرته ومستشاريه وموظفي الديوان والحرس، وتنتقل القافلة بوسائل السفر المتاحة في كل مرحلة، من الإبل والخيل إلى السيارات، ومعها الخيام والمؤن ووسائل الاتصال اللازمة للإقامة والتنقل.
ولكن أبرز ما ميّز الرَّكب الملكي كان دقة مواعيده، فقد كان الملك عبدالعزيز يحدد ساعة المسير، ويأمر بإحضار الرواحل قبلها بساعة، وعند وصولها ينادي منادي الركب بصوت مرتفع، من ظهر الإبل إلى سطح الفرقاطة، إيذانًا بالاستعداد للرحيل.
وبعد نصف ساعة، يتهيأ حَمَلة الرايات للركوب، فينادي المنادي مرة أخرى: "اركب يا عبدالرحمن، اركب يا ابن مطرف"، وهو حامل راية الملك، فمتى ركب، تحرك الركب كاملًا.
أما من يحيط بالملك أثناء المسير فكان يتغير بحسب الموضوع المطروح، ففي أوقات قراءة القرآن ومناقشة التاريخ، يرافقه العلماء وطلاب العلم، وعند بحث المسائل السياسية، يجتمع حوله المستشارون، أما حين يُناقَش مسار الرحلة، فيستعين بالأدلّاء والعارفين بتضاريس الصحراء ومواضع المياه والنبات.
لم يكن الطريق مجرد مسافة تُقطع، فخلال انتقاله بين المدن، كان الملك يتوقف في مواقع على امتداده ويعقد مجالس يستقبل فيها أهالي القرى المجاورة، كما يستقبل الديوان الملكي مراسلات الأهالي، ويتولى عرضها ومتابعة ما تتضمنه من طلبات وشكاوى.
وعند وصوله إلى إحدى المحطات، يُعقد مجلس يحضره أمير البلدة وقاضيها وعدد من الأهالي، وتُعرض خلاله الشكاوى والرسائل الواردة، وتصدر التوجيهات قبل متابعة الرحلة، ومنحت هذه المجالس بعض المحطات وظيفة إدارية تجاوزت المبيت والتزود بالمؤن.
ومع تكرار الرحلات، تشكلت مسارات ثابتة تضم محطات للمبيت والتموين، وجاء على إثرها إنشاء قصور ومقار لخدمة الركب الملكي. وكان اختيار مواقع التوقف يخضع لثلاثة اعتبارات، توافر المياه والمراعي، وسلامة الطريق، وملاءمة المكان لإقامة المخيم.
ويقدّم قصر الملك عبدالعزيز في محافظة المويه مثالًا على ذلك، شُيّد سنة 1349هـ الموافق 1931م، وصار محطة رئيسة خلال رحلات الحج والعمرة والاصطياف والصيد، أما عفيف فارتبطت بأول رحلة جوية للملك، التي انطلقت منها إلى الحوية سنة 1364هـ .
منذ أواخر عشرينيات القرن العشرين دخلت السيارات في رحلات الملك، لكن بقيت المحطات، وصارت المؤن وبراميل الوقود وقطع الغيار تُرسل إليها قبل وصول الموكب، وأسهم هذا التنظيم في تحويل الطريق من مسار للقوافل إلى طريق منتظم يربط العاصمة بمدن المملكة.
وتكشف أعداد السيارات وحدها حجم التحول، ففي رحلة عام 1346هـ من الرياض إلى مكة المكرمة مرورًا بالقصيم وحائل، تكوّن الركب من 27 سيارة.
وبعد عام واحد، في رحلة 1348هـ من مكة المكرمة إلى الرياض، بلغ عددها 130 سيارة، وتميزت بكثرة رجال الركب والجند الذين ساروا على الإبل.
أما في رحلة عام 1348هـ من الرياض إلى مكة المكرمة للإشراف على شؤون موسم الحج، فقد رافق الملكَ نحو 300 سيارة من أنواع متعددة، منها المرسيدس ولينكولن وهدسون وباكارد وشيفروليه ولانشيا وستودي بيكر وفورد وغيرها.
توثّق صحيفة أم القرى عددًا من هذه الرحلات، وفي كل واحدة تفصيلة تستوقف القارئ، ففي عام 1345هـ كانت أول زيارة للملك إلى المدينة المنورة، انطلقت من جدة مرورًا بالقضيمة ورابغ.
وفي رحلة عام 1347هـ من الطائف إلى الرياض، لم يخبر الملك أهل الرياض بقدومه كعادته، ليخفف عنهم الاستعدادات التي تُتخذ لاستقباله، ويبدو أن ذلك كان أيضًا بسبب قدومه إلى الرياض لأول مرة بعد وفاة والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل.
وفي رحلة عام 1349هـ من مكة المكرمة إلى الرياض، توقف الملك في ركبة لممارسة القنص، في إشارة إلى اهتمامه بالصيد وحضوره في بعض تنقلاته، وقد ألقى الشاعر أحمد الغزاوي قصيدة لتوديعه بعنوان "صانك الرحمن أيان تسير"، ومطلعها:
كل شيء في الدنى أمسى يسير .... دون ما نلقاه في يوم المسير
وفي رحلة عام 1353هـ من الطائف إلى الرياض، استقبله في مرات ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز، وخرجت جموع الشعب إلى طريق الجبيلة لاستقباله، وأقيمت بهذه المناسبة العرضة وسباق للخيل.
أما رحلة عام 1357هـ من مكة المكرمة إلى جدة، فقد رافق موكبَها 5 طائرات من طائرات الجيش، حلّقت فوقه من بحرة حتى دخوله جدة، حيث أطلقت المدفعية 21 طلقة عند وصوله.
وفي عام 1358هـ، بدأ الملك زيارته الرسمية الأولى للمنطقة الشرقية برًا لمتابعة أعمال شركة الزيت العربية، وافتتح مجرى انتقال الزيت إلى أول باخرة شحنت الزيت السعودي إلى الخارج.
قبل استرداد الرياض بـ11 عامًا، كانت أول رحلة بحرية في حياة الملك عبدالعزيز. وفي عام 1309هـ، وبعد خروج الإمام عبدالرحمن بن فيصل من الرياض، أوفد ابنَه في مهمة رسمية إلى الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين، وكان عبدالعزيز آنذاك في السادسة عشرة.
وفي مجلس الشيخ عيسى وقع موقف يرويه المؤرخون، كان عبدالعزيز جالسًا على يمين الشيخ، ومن بعده آل خليفة، وإلى يساره بنو هاجر، فحضر راكان بن حثلين، أحد شيوخ العجمان، للسلام. وبعد أن سلّم، وقف في وسط المجلس حائرًا لا يدري أين يجلس، إذ لم يتقدم إليه أحد ليدلّه على مقعده.
فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن بادر بالوقوف، وأشار إلى راكان أن يقبل إليه، وأفسح له مجالًا للجلوس بينه وبين من يليه من آل خليفة، فالتفت الشيخ عيسى إليه وقال: "جزاك الله خيرًا، وطرح فيك البركة، وإن شاء الله لا يخلينا من حمولتكم التي تحافظ على سمت العرب وشرفهم". فلما خرجوا من المجلس، أقبل راكان إلى الملك ليشكره ويقبّله، وقال له: "الله لا يخلينا من آل سعود".
في محرم من عام 1335هـ، سافر الملك عبدالعزيز من العقير إلى الكويت لتقديم العزاء للشيخ جابر مبارك الصباح في وفاة والده، وشارك في مؤتمر الكويت الذي تزامن مع زيارته.
وبعد اختتام المؤتمر، زار البصرة بدعوة من المندوب السامي البريطاني في بغداد بيرسي كوكس، وحظي باستقبال حافل؛ إذ أقيم أمامه استعراض عسكري اشتركت فيه صنوف الأسلحة، واطّلع على المستشفيات الحديثة والقطاعات العسكرية، وقُلّد الوسام البريطاني تقديرًا لمكانته.
وبعد تلك الرحلة، نشرت إحدى الصحف البريطانية وصفًا له جاء فيه: "هو فارس صبور، قلما يوجد له بين الذين نشأوا على ظهور الإبل نظير، وقائد مشهود له بالإقدام". وفي عام 1348هـ جاء لقاء من نوع آخر، اقترحت حكومة العراق الاجتماع بالملك، وتقرر أن يكون اللقاء في عرض البحر بمياه الخليج العربي.
وغادر الملك من "ضبع" في الـ18 من رمضان متجهًا إلى الجبيل، فبات في النعيرية، وواصل في اليوم التالي حتى وصلها الساعة 2 ليلًا بعد أن قطع 266 كيلومترًا. وهناك نظر في الشكايات المعروضة عليه وأمر بوضع نظام جديد لسير أمور الإمارة، قبل أن يركب الزوارق البخارية إلى رأس تنورة حيث ترسو الباخرة التي ستقلّه.
وفي مكان الاجتماع قرب مياه الكويت، أخذت البواخر الثلاث مواقعها، وكانت الباخرة "باتريك ستيوارت" تقل الملك عبدالعزيز، و"نرجس" تقل الملك فيصل بن الحسين، و"لوبن" تقل المندوب السامي في العراق، ورُفع علم مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها وعلم العراق على متن "لوبن"، وأطلقت المدافع 21 طلقة للتحية.
وفي طريق العودة تدخّل الطقس، كان مقررًا أن يعود الملك ليلته إلى رأس تنورة، لكن قائد الباخرة أخبره بتعذر الرسو خارج ميناء البحرين، فرأى في ذلك فرصة للسلام على الشيخ عيسى بن علي، وأمر القبطان أن يبعث إليه برقية.
وفي الصباح ألقت الباخرة مراسيها، وخرج شيوخ البحرين وعلى رأسهم الشيخ حمد بن عيسى بن علي، وأطلقت المدافع ورُفعت أعلام الزينة في الأسواق وامتد الناس على جوانب الطرق أفواجًا، وحين التقى الملك بالشيخ عيسى في قصر المنامة، بادره الشيخ بقوله: "لقد كان هذا جلّ أمنيتي من زمن طويل، وإني لا آسف على موتي بعد الآن"، فأجابه الملك: "لقد أراد الله أن أنزل إلى البحرين وأن تقر عيني برؤيتك، فالحمد لله على ذلك".
وفي عام 1358هـ، وأثناء زيارة الملك للمنطقة الشرقية بعد اكتشاف النفط بكميات تجارية، زاره أمير البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة في الظهران، ومعه إخوانه وأولاده وحشد كبير من أتباعه.
وقدّم الشيخ حمد هدية للملك، هي سيف الإمام تركي بن عبدالله، لكن الملك عبدالعزيز قال له: "هذه ذكرى منا عندكم فأبقوه لديكم"، وكان هدف الشيخ من زيارته توجيه دعوة للملك لزيارة البحرين.
ولبّى الملك الدعوة، فسافر من ميناء الخبر إلى المنامة في الثاني عشر من ربيع الأول 1358هـ الموافق الثاني من مايو 1939م، بمعية 300 من مرافقيه، وقد سبقه إليها ولي العهد الأمير سعود والأمير فيصل والأمير خالد.
وعن تلك الزيارة قال تشارلز بلجريف المستشار البريطاني في البحرين: "أدهشتني شخصيته وأعجبت بلباقته وأخلاقه، عند لقائي به اكتشفت شخصًا آخر يحمل بداخله الصداقة والمحبة".
في الثاني من ربيع الأول 1364هـ، غادر الملك عبدالعزيز ميناء جدة في زيارة غير معلنة، على ظهر الطراد الأمريكي "ميرفي".
والتقى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على ظهر الفرقاطة "كوينزي"، حيث بحثا العلاقات بين البلدين وقضايا إسلامية وعربية على رأسها قضية فلسطين، وأهدى روزفلت الملكَ طائرة أمريكية.
ومن هناك اتجه إلى الإسماعيلية ثم الفيوم، حيث قابل ملك مصر الملك فاروق ورئيس سوريا شكري القوتلي في فندق "أوبرج دولاك" على بحيرة قارون، وفي الفندق نفسه قابل رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ووزير خارجيته أنتوني إيدن، وتباحث معهم في مسائل شتى أهمها ما يتعلق بالعرب ومستقبلهم.
وحين غادر الفندق صباحًا مارًا بالأهرام فميدان عابدين، توقف الموكب، وبعث الملك، خالدًا القرقني برسالة شخصية إلى الملك فاروق يشكره ويعده بزيارة خاصة، جاء فيها: "نحن العرب نرى الزيارة مكرمة من الزائر علينا، ودَين يقتضينا الوفاء، وسأفي هذا الدين إن شاء الله، فليس أحب عندي من أن أرى الملك فاروق وشعبه العظيم".
وعلّقت مجلة "تايم" الأمريكية على لقاء الملك روزفلت بقولها: "هذه المقابلة كانت ناجحة إلى حد بعيد، وقد استمرت المحادثات بينهما فترة طويلة ظهر خلالها بوضوح مقدار ما يكنّه كل منهما للآخر من صداقة وتقدير".
ووفى الملك بوعده، ففي شهر صفر 1365هـ، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قام بزيارته الرسمية التاريخية لمصر، ردًا على زيارة الملك فاروق للمملكة قبلها بعام.
أقلّه اليخت الملكي المصري "المحروسة" ومعه الطرادان "فاروق وفوزية"، وغادر ميناء جدة يوم الاثنين السابع من يناير 1946م، ووصل ميناء السويس يوم الخميس العاشر منه، وصعد الملك فاروق إلى ظهر "المحروسة" للترحيب به، وركب الملكان القطار الخاص إلى القاهرة، ومنها إلى قصر الزعفران.
وغادر مصر يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من يناير 1946م من ميناء السويس، بعد أن أمضى في ضيافتها ملكًا وحكومةً وشعبًا 12 يومًا.
قطع الصحراء، وتتبّع طرقها، وتوقف حيث يتوقف المسافرون، وكل محطةٍ نزل عندها على ذلك الطريق، كبرت من حولها الحياة حتى صارت مدينة، وكل مجلسٍ عقده تحت سماء الصحراء، كان يضع فيه حجرًا جديدًا في بناء دولة.
وبين فتى يجلس في مجلسٍ بعيد، وملكٍ يقف على ظهر فرقاطة، كانت هناك حكاية رجلٍ آمن أن الدولة لا تُبنى من خلف المكاتب، بل تُبنى بالوصول إلى الناس، وبمعرفة الأرض، وبأن يكون حاضرًا حيث يجب أن يكون.
المصدر:
أخبار ٢٤