في ذاكرة الوطن، لم يكن الشعر مجرد أبيات تُروى، بل أصالة للكلمة واللغة، ومرآة للقيم والحكمة والمواقف، وظل حاضراً في وجدان المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، يرافقه في مجالسه وأسفاره، ويستحضره في مواقف العزم والمشورة.
وتزامناً مع احتفال السعودية باليوم الوطني، تستعيد «عكاظ»، جانباً من علاقة الملك عبدالعزيز بالشعر وذائقته التي جمعت بين الشعر النبطي وعيون الشعر العربي الفصيح، واستحضاره للأبيات في التعبير عن المواقف والقيم والمعاني.
وكشفت أستاذة الأدب والنقد المشارك بجامعة الطائف الدكتورة مستورة العرابي، لـ«عكاظ»، أن الشعر كان يحتل مكانة مهمة في حياة الملك عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، إذ لم يكن ينظر إليه بوصفه فنًّا أدبيًّا للتسلية أو للزينة في الكلام، بل كان يتصوره وجدانيًّا وفكريًّا تعبيرًا عن شعرية الصدق، وفلسفة الحكمة والجمال، ووسيلة للتواصل في كل المحافل الإدارية والاجتماعية التي كان يحضرها، رحمه الله. ومن ثم، ظل الشعر قريبًا من وجدانه في أوقات السلم والحرب، وفي مجالس الرأي والمناسبات العامة.
وأوضحت العرابي، أن الملك عبدالعزيز ارتبط بالشعر النبطي الذي نشأ في بيئة نجد، لما يتميز به من قرب من الناس وقدرة على التعبير النافذ إلى حياتهم وقيمهم. وفي الوقت ذاته، كان مطلعًا على الشعر العربي الفصيح وما يحمله من تجارب إنسانية وحكم، ومعانٍ متجذرة في الذاكرة العربية والسعودية. لذلك كان يستشهد بالأبيات في مواضع مختلفة بهدف التأثير والإقناع ما دام الشعر ديوان العرب وأيقونتهم الثقافية عبر التاريخ.
بين الحزم والعفو
العرابي لفتت، أنه يتضح اهتمامه، رحمه الله، بالشعر في المواقف التي جمع فيها بين الحزم والعفو، وبين الثبات وحسن التدبير. فقد كان يلجأ إلى الشعر لتأكيد قيمة أخلاقية، أو لتوضيح رؤية سياسية، أو للتعبير عن موقف إنساني، وبذلك صارت الشعرية في حياة هذا المسؤول الفذ آلية من آليات الحكم تكشف عن قائد يعرف أثر الكلمة في النفوس.
ثيمات تلك الشعرية تنوعت بين الحنين إلى نجد وذكريات الماضي ما دامت الصحراء بما فيها من اتساع وقسوة وجمال تتضمن معاني المروءة والأمجاد والكرم كذلك، وهي معانٍ يسمع صداها في الديار التي شهدت مراحل انطلاقته الأولى، فبقيت حاضرة في ذاكرته وفي ما يستحضره من شعر. إنه الشعر الذي جعل منه هذا القائد الهمام بعدًا إنسانيًّا لا يتعارض مع مهمة القائد الحكيم، واختتمت العرابي حديثها بأن استحضار ثنائية: القيادة والشعر في شخصيته علامة فارقة مليئة بالدلالات الغنية التي مازلنا نحيا بها إلى اليوم.
التعبير عن موقف أو توضيح
كشفت دارة الملك عبدالعزيز، من خلال الدليل المعرفي للمحتوى التاريخي لليوم الوطني ٢٠٢٦م، بأن المصادر توضّح تنوع صلته بالشعر بين الاستشهاد والتعليق، إلى جانب ما نُسب إليه من مقطوعات ارتبطت ببعض أحداث حياته ومسيرته، وكان الملك عبدالعزيز يستحضر الشعر للتعبير عن الموقف أو توضيح الرأي، وتُنسب إليه أبيات قالها أثناء تحركه نحو الأحساء عام 1330هـ/1912م، بعد أن واجهت قواته مقاومة اضطرته إلى العودة:
يا هجريا زين النبات
لا تحسبينا هاربين
إن طوّل الله بالحياة
لا بد منك راجعين. وقد عاد إلى الأحساء في العام التالي، وتمكن من ضمها عام 1331هـ/1913م.
كما كان يتمثل بأبيات تؤكد أهمية الرأي والمشورة في إدارة الشؤون:
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت
وإن تولّت فبالأشرار تنقاد
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا. كما كان كثيرًا ما يردد بيت الشعر الذي حمل قيم التسامح والعفو مستشهدًا في بيت الفرزدق:ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم
إذا أثقل الأعناق حمل المغارم. ويذكر أمين الريحاني (ت 1359هـ/1940م)، أنه رأى على باب أحد القصور بيت الشعر المعروف:
لسنا وإن أسابنا كرمت
يومًا على الأحساب نتكل. فقال للملك عبدالعزيز، مكملاً الأبيات التي تليه:
نبني كما كانت أوائلنا
تبني ونفعل مثل ما فعلوا. فردّ الملك عبدالعزيز معيدًا صياغة المعنى بما يعبر عن طموحه، وقال: «نحن نبني كما كانت أوائلنا تبني، ونفعل إن شاء الله فوق ما فعلوا»
وبهذه الكلمات، لخّص الملك عبدالعزيز رؤيته في البناء على ما أسسه الأوائل، مع تطلعه إلى المضي قدمًا نحو ما هو أبعد وأعظم، فكان نهجه أساسًا لمسيرة دولة واصلت من بعده البناء والتطوير، وحافظت على ما أرسته من ثوابت.
ألا يا صبا نجد
كان الملك كثيرًا ما يردد أبيات من الحداء وهي مقطوعات قصيرة يهزج بها الفرسان على ظهور خيلهم، لبث الحماس، وتقوية العزيمة للرجال، وتخليد بعض المواقف البطولية، وللترويح عن النفس أحيانًا، وغالبًا ما يتسم هذا النوع بالإيجاز والارتجال، ولا يتجاوز البيتين أو الثلاثة، ومن الأبيات التي ورد أنه كان يتمثل بها:
ما يسلم إلا من يعيل
والمنسدح كلٍ وطاه. كما حكى ابن بليهد، أنه كان في صحبة الملك عبدالعزيز في سنة الحريق ونزلوا على «بئر الخريزة» في وادي البرك بجبل اليمامة وحينها كان الملك يردد هذه الأبيات:
حنا رجعنا من الأفلاج
كل اللوازم قضيناها
والهجن فوق الخريزة داج
ضامي وعطن على ماها. وفي رحلته إلى مصر عام 1365هـ/1946م كان الملك يصف ربيع نجد وجمال الوهاد والروابي فيها، واصفًا خضرتها في فصل الربيع، ودوّن العقاد بعض هذه الأبيات المقتبسة من عبدالله بن الدمينة الأكلبي (ت 130هـ/747م):
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
لقد زادني مسراك وجدا على وجد. كما كان يردد هذه الأبيات:
ألا يا حبذا نفحات نجد
وريّا روضه بعد القطار.
المصدر:
عكاظ