آخر الأخبار

حين تتحسن الأرقام.. هل تتحسن حياة الناس؟ "الشاماني": التنمية الحقيقية تُقاس باستقرار الإنسان والأسرة | سبق

شارك
أكد الاستشاري الاجتماعي الدكتور محمد بن نويفع الشاماني أن المنجزات الاقتصادية والمؤشرات الإيجابية تمثل قاعدة مهمة للتنمية، إلا أن المعيار الأعمق لنجاحها يتمثل في مدى انعكاسها على استقرار الإنسان والأسرة وجودة الحياة، مشدداً على أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالأرقام والمشروعات وحدها، وإنما بما تحدثه من تغيير ملموس في حياة الناس. وقال الشاماني: «تبدأ التنمية الحقيقية من تفاصيل الحياة اليومية؛ من شاب يجد فرصة عمل تفتح له طريق المستقبل، وأسرة تستطيع التخطيط لحياتها بثقة، وأب وأم يجدان البيئة التي تساعدهما على التوفيق بين العمل ورعاية الأبناء، وكبير سن يحافظ على استقلاله ومشاركته في المجتمع. فهذه التفاصيل هي التي تمنح المنجزات الاقتصادية معناها الإنساني». وأشار إلى أن انخفاض معدل البطالة لإجمالي سكان المملكة إلى 3.1% في الربع الأول من عام 2026، وتراجعها بين السعوديين إلى 6.4%، يمثلان تقدماً مهماً في سوق العمل واتساعاً للفرص الاقتصادية والمهنية، إلا أن القراءة الاجتماعية لهذه الأرقام ينبغي أن تتجاوز الحصول على الوظيفة إلى السؤال عما يحدث بعدها. وأضاف: «الوظيفة ليست راتباً فقط، بل بداية للاستقلال وبناء الخبرة والثقة والتخطيط للمستقبل، ولذلك نحتاج إلى النظر في استقرار العمل، وملاءمة الدخل للالتزامات، وتكاليف السكن والنقل، والقدرة على التوفيق بين العمل والحياة الأسرية. فعدد الوظائف مهم، لكن نوعيتها وأثرها الاجتماعي لا يقلان أهمية». ولفت الشاماني إلى أن انخفاض معدل البطالة بين الشباب السعوديين من الفئة العمرية 15 إلى 24 عاماً إلى 20.4%، مقارنةً بـ22.5% في الربع السابق، يعكس تحسناً يستحق البناء عليه، مؤكداً أن دعم الشباب ينبغي ألا يتوقف عند توفير الوظيفة الأولى، بل يمتد إلى التدريب النوعي والتدرج المهني واستدامة العمل وتطوير المهارات، بما يمكّن الشاب من الانتقال إلى حياة مستقلة وبناء مستقبل أكثر استقراراً. وأوضح أن ارتفاع مشاركة السعوديات في القوى العاملة إلى 36.8% يمثل مؤشراً إيجابياً على اتساع مشاركة المرأة في الاقتصاد، مبيناً أن استدامة هذه المشاركة ترتبط بوجود بيئة اجتماعية وعملية مساندة للأسرة. وقال: «التحدي ليس في المفاضلة بين العمل والأسرة، بل في بناء بيئة تسمح لهما بالنجاح معاً؛ من خلال خدمات رعاية الأطفال المناسبة، وترتيبات العمل التي تراعي المسؤوليات الأسرية متى ما سمحت طبيعة الوظيفة، إلى جانب الإجازات الداعمة وتعزيز التوازن في مسؤوليات الرعاية». وشدد الشاماني على أن التنمية الاجتماعية أوسع من مفهوم المساعدات المالية، إذ تشمل تمكين الشباب ودعم الأسرة ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز مشاركة كبار السن وتنمية المجتمعات المحلية وبناء قدرات القطاع غير الربحي، موضحاً أن الهدف النهائي هو تمكين الإنسان من تحسين حياته والاعتماد على قدراته. وأضاف: «لا يكفي أن نعرف عدد المستفيدين من برنامج تدريبي، بل ينبغي أن نعرف كم منهم حصل على عمل واستمر فيه وتحسّن دخله. ولا يكفي أن نعرف عدد الأسر التي تلقّت خدمة، بل ما الذي تغيّر في استقرارها وقدرتها على مواجهة الضغوط. التنمية الاجتماعية لا تُقاس فقط بحجم ما نقدمه للناس، بل بما يصبحون قادرين على تحقيقه بعد ذلك». وأشار إلى أن المجتمع يمتلك ثروة تنموية تتمثل في «رأس المال الاجتماعي» القائم على الثقة والعلاقات وشبكات التعاون والمساندة، لافتاً إلى أن تجاوز عدد المتطوعين في المملكة 1.7 مليون متطوع وفق التقرير السنوي لبرنامج التحول الوطني لعام 2025 يعكس اتساع المشاركة المجتمعية، غير أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من قياس أعداد المتطوعين وساعات التطوع إلى قياس أثره الفعلي في حياة الناس والمجتمعات. وأكد أهمية التكامل بين قطاعات العمل والتعليم والصحة والإسكان والنقل والتنمية الاجتماعية، إلى جانب القطاعين الخاص وغير الربحي، مشيراً إلى أن احتياجات الإنسان مترابطة ولا تقف عند حدود جهة واحدة، وأن معالجتها بصورة متكاملة تسهم في تحسين تجربة المستفيد وتحقيق أثر اجتماعي أكثر استدامة. ودعا الشاماني إلى تطوير منظومة القياس الاجتماعي وربط المؤشرات الاقتصادية والخدمية بمؤشرات أكثر قرباً من حياة الإنسان، تشمل الاستقرار الأسري والتمكين الاقتصادي وجودة السكن والتوازن بين العمل والأسرة والمشاركة المجتمعية والوصول إلى الخدمات وجودة العلاقات الاجتماعية. وقال: «عندما تتحسن مؤشرات التوظيف، علينا أن نسأل: هل انعكس ذلك على استقرار الشباب والأسر؟ وعندما تتوسع خدمات الرعاية، هل أصبحت الأسرة أكثر قدرة على التوفيق بين مسؤولياتها؟ وعندما تنمو المبادرات المجتمعية، هل ازدادت الثقة والتعاون والمشاركة؟ فالمؤشر الجيد لا يكتفي بوصف الواقع، بل يساعد على اتخاذ قرار أفضل». واختتم الشاماني بالتأكيد على أن ما حققته المملكة من منجزات اقتصادية وتنموية يوفر قاعدة قوية للمرحلة المقبلة، وأن المطلوب ليس المفاضلة بين الاقتصاد والتنمية الاجتماعية، وإنما تعزيز التكامل بينهما؛ فالاقتصاد يخلق الفرص والموارد، فيما تساعد التنمية الاجتماعية الإنسان على تحويلها إلى استقرار وقدرة ومشاركة. وأضاف: «في النهاية، لا تُقاس التنمية فقط بما ننجزه من مشروعات أو نخصصه من موارد، بل بما يتغير في حياة الناس؛ شاب يجد طريقه إلى العمل، وأسرة تستطيع بناء مستقبلها، وكبير سن يحافظ على مشاركته، وشخص ذو إعاقة يحصل على فرصته، ومجتمع تتسع فيه الثقة والتعاون. وحين تتحسن المؤشرات، ينبغي أن يكون السؤال دائماً: هل تحسّنت معها جودة حياة الإنسان الذي وُجدت التنمية من أجله؟».
سبق المصدر: سبق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا