آخر الأخبار

تحالفات وتوازنات ترسخ الثقل السعودي

شارك
12 عاما مرت على بيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، لم تكن مجرد محطة زمنية عابرة في تاريخ المملكة، بل شكلت نقطة تحول جذرية في فلسفة صنع القرار السعودي على المستويين الإقليمي والدولي. فمن عاصفة الحزم التي أعادت تعريف حدود الصبر السعودي تجاه التمدد الإيراني، إلى بناء شبكة تحالفات متعددة الأطراف تمتد من إسلام آباد وأنقرة إلى واشنطن وباريس وبكين وموسكو، رسمت سياسة الملك سلمان مسارا جديدا لدور المملكة، انتقلت خلاله من موقع الفاعل الإقليمي المتحفظ إلى موقع القوة الصانعة للتوازنات الدولية.

بداية الحزم

لم يكن اختيار كلمة الحزم عنوانا للمرحلة الأولى من عهد خادم الحرمين الشريفين اعتباطيا، فقد جاء التدخل العسكري في اليمن عام 2015 ليعلن بوضوح أن الرياض لم تعد تنتظر التهديدات لتصل إلى حدودها، بل باتت تستبق مصادرها. شكلت هذه اللحظة القطيعة الأولى مع منطق الحذر التقليدي الذي حكم السياسة الخارجية السعودية في العقود السابقة، وأسست لمرحلة جديدة قوامها المبادرة بدل رد الفعل. ومنذ تلك اللحظة، توالت المحطات التي رسخت هذا النهج، من إعادة ترتيب العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية، إلى إطلاق رؤية 2030 التي ربطت الإصلاح الداخلي بالطموح الخارجي، بوصفهما وجهين لمشروع واحد يهدف إلى تحرير القرار السعودي من الاعتماد الحصري على أي محور خارجي واحد.


شراكة إسلام آباد

في قلب هذا التحول برزت العلاقة السعودية الباكستانية كأحد أعمق التحالفات التي أعيدت صياغتها في عهد الملك سلمان. فالروابط بين الرياض وإسلام آباد، الممتدة عبر عقود من الدعم الاقتصادي والحضور العسكري الباكستاني. وعلى رأسها الوساطة بين واشنطن وطهران في محطات تفاوضية متعددة استضافتها العاصمة الباكستانية. هذا الدور عكس إدراكا سعوديا متجددا لأهمية باكستان كقوة نووية مسلمة قادرة على لعب دور توازني في مواجهة الطموحات الإيرانية.

أنقرة شريكا

شهدت العلاقة السعودية التركية تحولا لافتا بعدما مرت بمحطات فتور واضحة عقب أزمات إقليمية متعددة. غير أن منطق المصالح المشتركة فرض نفسه تدريجيا، فانتقلت الرياض وأنقرة من التنافس على النفوذ في الملفين السوري والليبي إلى تنسيق أكثر عملية، يقوم على تبادل المصالح الاقتصادية والتعاون الصناعي الدفاعي. الزيارات المتكررة رفيعة المستوى بين الجانبين، وتوسع الاستثمارات التركية في السوق السعودية، عكست إدراكا مشتركا بأن استمرار القطيعة لا يخدم أيا من الطرفين في ظل بيئة إقليمية متغيرة.

واشنطن وحدود التحالف

ظلت العلاقة مع الولايات المتحدة الركيزة التاريخية للأمن السعودي، لكنها لم تعد في عهد الملك سلمان علاقة تبعية أحادية كما كانت في عقود سابقة. فقد أدارت الرياض هذه الشراكة بمنطق تفاوضي أكثر ندية، يوازن بين الحاجة إلى المظلة الأمنية الأمريكية والرغبة في استقلالية القرار السياسي والنفطي. تجلى هذا التوازن في محطات متعددة، من ملفات الطاقة وإنتاج النفط إلى قضايا حقوق الإنسان والصفقات العسكرية، حيث أصرت الرياض على أن تبقى شراكتها مع واشنطن قائمة على المصالح المتبادلة لا على الإملاءات الأحادية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على عمق التنسيق الأمني والاستخباراتي بين الجانبين.

باريس بوابة أوروبية

مثلت فرنسا بالنسبة للرياض بوابة أوروبية بديلة لتنويع مصادر التسليح والشراكة الصناعية بعيدا عن الاعتماد الحصري على المورد الأمريكي. تعمقت هذه العلاقة عبر صفقات عسكرية وتعاون في قطاعي الطاقة النووية السلمية والثقافة، إضافة إلى دور باريس كوسيط أوروبي في بعض الملفات الإقليمية الحساسة. هذا التقارب عكس توجها سعوديا أوسع نحو أوروبا كشريك اقتصادي وتقني، يمنح الرياض هامش مناورة إضافيا في علاقتها مع الحليف الأمريكي التقليدي.

بكين وموسكو

شكل الانفتاح السعودي على الصين وروسيا أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية في عهد الملك سلمان، وأكثرها دلالة على تحول الرياض نحو تعددية الشراكات. فمع بكين، تعمقت العلاقة اقتصاديا عبر اتفاقيات الطاقة والاستثمار المتبادل، فيما لعبت الصين دورا دبلوماسيا لافتا تجلى في رعاية مسار التقارب بين الرياض وطهران، وهو ما منح بكين موطئ قدم سياسي غير مسبوق في ملف كان حكرا على الوساطة الغربية والباكستانية. أما مع موسكو، فقد قامت العلاقة على التنسيق داخل تحالف (أوبك بلس) لإدارة أسواق النفط العالمية، إلى جانب قنوات تواصل سياسي حول الملفين السوري والليبي، في مقاربة سعودية تقوم على التعامل مع موسكو كفاعل لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن الإقليمي، دون أن يعني ذلك تخليا عن الشراكة الغربية.

منطق التعددية

الرابط الذي يجمع هذه الشراكات المتشعبة لا يكمن في تطابق كامل للمصالح مع كل طرف، بل في منطق سعودي واحد يقوم على تعدد مصادر القوة وعدم الاصطفاف الحصري خلف محور واحد. فالرياض التي تصدرت مواجهة التمدد الإيراني عبر عاصفة الحزم ثم عبر سياسات دبلوماسية أكثر مرونة في مراحل لاحقة، وجدت في هذه الشبكة من الشراكات المتوازنة وسيلة لتعظيم هامش المناورة السياسية والاقتصادية، بعيدا عن الاعتماد الحصري على أي حليف تقليدي واحد. كما أن العامل الإسلامي يظل حاضرا في خلفية التقارب مع إسلام آباد وأنقرة، إذ يمنح هذا المحور بعدا رمزيا يعزز موقع المملكة كمرجعية دينية وسياسية لدى شريحة واسعة من العالم الإسلامي.

أثر عالمي

انعكاسات هذه الشبكة من التحالفات لم تبق حبيسة الإقليم، بل امتدت لتؤثر في معادلات الطاقة والأمن الدولي. فتنسيق الرياض مع أنقرة وإسلام آباد في الملفات الأمنية، ومع باريس في التسليح والطاقة النووية، ومع بكين وموسكو في أسواق النفط والوساطة الإقليمية، أعاد صياغة أولويات القوى الكبرى في تعاملها مع المنطقة. باتت واشنطن وبكين تتعاملان مع الرياض كفاعل مؤثر في استقرار أسواق النفط وأمن الملاحة الدولية، فيما منح الدور الباكستاني كقوة نووية والتقارب مع موسكو داخل (أوبك بلس) بعدا ردعيا واقتصاديا غير مباشر يعزز موقع المملكة في المعادلة الدولية.

خلاصة المسار

اثنا عشر عاما من حكم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أفرزت تحولا جوهريا في بنية التحالفات السعودية، من علاقة أحادية تقليدية مع واشنطن إلى شبكة تحالفات متعددة الأطراف تمتد من إسلام آباد وأنقرة إلى باريس وبكين وموسكو. من الحزم في اليمن إلى هذه الشبكة الواسعة من الشراكات، يكشف هذا المسار عن سياسة سعودية أكثر جرأة في صياغة تحالفاتها، وأكثر إدراكا لحدود الاعتماد على الحليف الأوحد، في مرحلة دولية باتت تفرض على القوى المتوسطة أن تنسج شبكات نفوذ متوازنة بدل الاصطفاف الحصري خلف محور واحد.

الوطن المصدر: الوطن
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا