تجمع المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية علاقات ثنائية راسخة تمتد لنحو 100 عام، تطورت من تمثيل دبلوماسي محدود إلى شراكة إستراتيجية شاملة تغطي مجالات الطاقة والاستثمار والثقافة والدفاع والبيئة. جذور تاريخية وتطور متسارع أرسلت فرنسا عام 1926م قنصلاً مكلفاً بالأعمال لدى المملكة، ثم أنشأت بعثة دبلوماسية في جدة عام 1932م. ودخلت العلاقات مرحلة جديدة عقب زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- لفرنسا عام 1967م ولقائه الرئيس شارل ديغول. وفي عام 1986م افتتح خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- حين كان أميراً للرياض، مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، معرض «المملكة بين الأمس واليوم» في باريس. وفي عام 1997م وقّع الملك سلمان مع عمدة باريس جان تيبري ميثاق تعاون وصداقة بين مدينتي الرياض وباريس. خارطة طريق الشراكة الإستراتيجية توّجت مسيرة العلاقات في ديسمبر 2024م بإعلان خارطة طريق الشراكة الإستراتيجية، حين استقبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الرئيس ماكرون في قصر اليمامة بالرياض، وشهدا توقيع مذكرة تفاهم لتشكيل مجلس الشراكة الإستراتيجية برئاسة مشتركة؛ بوصفه إطاراً مؤسسياً شاملاً لتطوير العلاقات الثنائية في القطاعات الإستراتيجية كافة. وفي سبتمبر 2025م ترأست المملكة وفرنسا مشتركتين المؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية في نيويورك، وصدر عنه «إعلان نيويورك» الذي أسهم في بلوغ عدد الدول المعترفة بفلسطين 159 دولة. الشأن الاقتصادي والتجاري بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 11.5 مليار دولار عام 2025م، وتعمل في المملكة 650 شركة فرنسية، منها 39 شركة اتخذت منها مقراً إقليمياً. وفي زيارة ولي العهد لفرنسا عام 2018م وُقِّع 19 بروتوكول اتفاق بين شركات فرنسية وسعودية بقيمة تجاوزت 18 مليار دولار. وفي ديسمبر 2024م وقّع صندوق الاستثمارات العامة والبنك الاستثماري الوطني الفرنسي مذكرة تفاهم لتقديم خدمات دعم تمويل بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار لمدة خمس سنوات. كما وقّع برنامج الربط الجوي السعودي اتفاقية مع مجموعة «Air France-KLM» لإطلاق رحلات مباشرة بين مطار شارل ديغول في باريس والرياض ابتداءً من صيف 2025م. قطاع الطاقة والبتروكيماويات تربط البلدين شراكة راسخة في قطاع الطاقة؛ إذ أطلقت أرامكو السعودية وتوتال عام 2019م مشروعاً مشتركاً بالمناصفة لبيع الوقود بالتجزئة داخل المملكة عبر الاستحواذ على شركة التسهيلات للتسويق التي تشغّل 170 محطة وقود، وجرى تطوير وتأهيل أكثر من 55 محطة حتى الآن، فيما تبلغ المحطات قيد التطوير نحو 25 محطة. وتجمع أرامكو السعودية وتوتال الفرنسية شراكة في مصفاة «ساتورب» بالجبيل الصناعية بطاقة تكريرية تبلغ 460,000 برميل يومياً، تمتلك أرامكو 62.5% من أسهمها وتوتال 37.5%. ويجري حالياً تطوير مشروع «أميرال» لإضافة مجمع متكامل للبتروكيماويات بتكلفة 11,000,000,000 دولار، وُقِّعت عقوده الهندسية في يونيو 2023م، ووُقِّعت اتفاقية استثمارية لتقديم الحوافز في أبريل 2026م. مشاريع الطاقة المتجددة تشارك شركتان فرنسيتان كبريان في البرنامج الوطني للطاقة المتجددة؛ إذ تنفذ شركة «إي دي إف» الفرنسية مشاريع تشمل: محطة طاقة الرياح في دومة الجندل بسعة 400 ميجاواط، ومشروع الطاقة الشمسية في جدة بسعة 300 ميجاواط، ومشروع «الحناكية» بسعة إجمالية 1,100 ميجاواط، ومشروع «الحناكية 2» بسعة 400 ميجاواط، ومشروع «المصع» بسعة 1,000 ميجاواط، ومشروع «صامطة» بسعة 600 ميجاواط. فيما تنفذ شركة «توتال» للطاقة مشروع «وادي الدواسر» بسعة 112 ميجاواط، ومشروع «رابغ 2» بسعة 300 ميجاواط، ومشروع «السفن» بسعة 400 ميجاواط. الشأن الثقافي والسياحي تأسست اللجنة الوزارية السعودية - الفرنسية عام 2018م للإشراف على تحويل محافظة العُلا إلى وجهة سياحية وثقافية عالمية، وشملت مجالات التعاون تطوير منتجع شرعان المنحوت في الصخور من تصميم المعماري الفرنسي «جان نوفيل»، وتنفيذ ترام العُلا الصديق للبيئة بالتعاون مع شركة «ألستوم» الفرنسية، وافتتاح مؤسسة «فيلا الحجر» أول مركز ثقافي سعودي - فرنسي مشترك في العُلا. وفي يونيو 2026م انتقل التعاون السياحي إلى مستوى تنفيذي بتوقيع برنامج عمل مشترك يشمل التدريب السياحي وجذب الاستثمار والسياحة المستدامة. الشأن الإنساني والتنموي وقّع الصندوق السعودي للتنمية والوكالة الفرنسية للتنمية في أبريل 2018م مذكرة تفاهم تتضمن تخصيص 460 مليون ريال سعودي (نحو 100 مليون يورو) لتمويل مشاريع تنموية في أفريقيا ومنطقة الساحل. وبلغ إجمالي المساعدات الإنسانية والتنموية المشتركة في لبنان 32.253 مليون دولار شملت 7 مشاريع في الصحة والأمن الغذائي والتغذية، فيما بلغت المنح الدراسية السعودية للطلاب الفرنسيين 12.906 مليون دولار ضمن 17 مشروعاً. الشأن الرياضي انطلق التعاون الرياضي بتوقيع مذكرة تفاهم في باريس عام 1987م، وامتد عام 2020م ليشمل التعاون بين معهد إعداد القادة والمعهد الوطني الفرنسي للرياضة والخبرة والأداء. وشاركت المملكة في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية الثالثة والثلاثين التي استضافتها باريس في أغسطس 2024م بـ 10 لاعبين ولاعبات في قفز الحواجز والتايكوندو وألعاب القوى والسباحة. وتجسد زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا حرص قيادتي البلدين على تطوير علاقاتهما الثنائية واستثمار إمكاناتهما السياسية والاقتصادية في خدمة المصالح المشتركة، في ظل تطور متسارع تشهده هذه العلاقة على جميع الأصعدة.