لم يعد التأثير الرقمي مجرد وسيلة للانتشار، بل تحول إلى صناعة متكاملة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والإعلامية والثقافية، وأصبح المحتوى أصلًا معرفيًا واقتصاديًا قادرًا على بناء السمعة وتعزيز القوة الناعمة وفتح فرص جديدة للاستثمار وريادة الأعمال. وفي السعودية، ينسجم هذا التحول مع مستهدفات رؤية 2030 عبر تطوير التشريعات، وتعزيز البنية الرقمية، وتمكين الكفاءات الوطنية ودعم الصناعات الإبداعية.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية تنامي القطاع؛ إذ ارتفعت مساهمة الإعلام في الناتج المحلي إلى 16 مليار ريال عام 2024، مقابل 14.5 مليارًا في 2023، فيما تجاوز عدد العاملين 60 ألفًا بزيادة 22%، مع استهداف الوصول إلى 160 ألف وظيفة بحلول 2030. وتشير التقديرات إلى نمو سوق الإعلام السعودي بمعدل سنوي 8.2% بين 2024 و2029، مقابل 3.7% عالميًا، مع توقع بلوغ حجمه نحو 41 مليار ريال في 2030. كما يتوقع أن تصل حصة الإعلانات الرقمية إلى 90% من إجمالي الإنفاق الإعلاني بحلول 2029.
من الانتشار إلى الثقة
أوجد هذا التحول مفهوم «هندسة التأثير»، الذي يقوم على الموازنة بين حرية الإبداع والمسؤولية المهنية، بحيث تقاس قيمة المحتوى بموثوقيته وجودته وأثره المستدام، لا بعدد المشاهدات والمتابعين.
وأكدت المديرة العامة للإدارة العامة للشؤون التنظيمية بالهيئة العامة لتنظيم الإعلام، غدير آل معدي، أن التحولات الرقمية أعادت رسم خريطة القطاع، مع انتقال جانب من ثقل الصناعة من المؤسسات التقليدية إلى اقتصاد المحتوى. وأوضحت أن التنظيم يتجه نحو نموذج «التنظيم المُمكّن»، الذي يدعم نمو القطاع والاستثمار والابتكار، إلى جانب التشريع التشاركي وإتاحة بيئات تنظيمية تجريبية لاختبار التقنيات والنماذج الاقتصادية الناشئة.
ومع اتساع نفوذ المؤثرين، أصبحت الممارسة مرتبطة بالتراخيص والإفصاح والامتثال، واحترام الملكية الفكرية وتجنب التضليل، بما يعزز الشفافية ويحمي الجمهور. وأصبح المؤثر مطالبًا بمسؤولية تتجاوز صناعة المحتوى إلى المحافظة على الثقة والقيم المهنية.
اقتصاد الأفكار
تحولت المعرفة والإبداع والمحتوى إلى محركات رئيسة للاقتصاد الإبداعي، بما توفره من فرص لريادة الأعمال والاستثمار وتعزيز المحتوى المحلي والهوية الوطنية. وأكد نائب الرئيس والأمين العام لمركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري الدكتور عبدالله الفوزان، أن المنصات الرقمية وسعت فرص الحوار وتبادل الخبرات، لكنها في الوقت نفسه أتاحت انتشار التضليل والكراهية والاحتيال، ما يجعل الارتقاء بالمحتوى مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والجهات الحكومية وصناع المحتوى.
الذكاء الاصطناعي
أصبح الذكاء الاصطناعي والبيانات محركين رئيسين لإعادة تشكيل صناعة المحتوى، من الإنتاج والتحرير إلى تحليل الجمهور واستشراف الاتجاهات وتخصيص الرسائل. وأكدت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» أهمية الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، مع مواجهة مخاطر التزييف العميق وانتهاك الملكية الفكرية.
وتعمل «سدايا» على تعزيز الحوكمة، وبناء القدرات الوطنية، وتطوير البنية التحتية للبيانات والذكاء الاصطناعي، بما يدعم المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى، إلى جانب تعزيز حضور اللغة العربية في التقنيات الحديثة.
وتكشف هذه التحولات أن مستقبل صناعة التأثير لا يعتمد على التقنية وحدها، بل على منظومة تجمع التنظيم والتمكين والاستثمار والابتكار وتنمية القدرات. وبذلك تنتقل الصناعة من «اقتصاد المتابعين» إلى «اقتصاد الثقة»، حيث تقاس قيمة المحتوى بقدرته على بناء المعرفة والوعي وإحداث أثر مستدام في المجتمع والاقتصاد والثقافة، لتصبح صناعة التأثير في جوهرها صناعة للقيمة والاستثمار في الإنسان والمستقبل.