آخر الأخبار

«المجرور».. فن الطائف العريق يتجدد في المهرجانات ويأسر الزوار | سبق

شارك
ما إن يعلو إيقاع الطار في إحدى ساحات الطائف حتى تتشكّل ملامح مشهد ظل حاضرًا في ذاكرة أهلها طويلًا؛ صفوف تتقابل، وأصوات تتعاقب، وخطوات تضبطها النغمة، وملابس شعبية تضيف للمشهد هويته — في فن «المجرور» الذي يُعدّ من أقدم الفنون التقليدية التي اشتُهرت بها المحافظة، وانتقل من ساحات الأفراح والمناسبات الاجتماعية إلى فضاءات المهرجانات والفعاليات الثقافية. ولا يستمد «المجرور» خصوصيته من اللحن وحده، بل من اجتماع عناصر عديدة في لحظة واحدة؛ فالكلمة تقود الصوت، والإيقاع يضبط الحركة، والصفوف تمنح الأداء شكله، فيما يصنع تجاوب المؤدين حالةً من التناغم تجعل العرض لوحةً شعبية حية تتبدّل تفاصيلها مع الأبيات ووتيرة الضرب على الدفوف. ويبدأ المشهد باصطفاف المشاركين في مجموعتين متقابلتين تتناوبان أداء النصوص الشعرية والألحان، بينما يتوسط ضاربو الدفوف والطبلة ساحةَ العرض، ثم تتدرج الحركات وفق نسق يعرفه الممارسون، لتتحول الأبيات من كلمات مسموعة إلى أداء تشترك في صياغته الأصوات والخطوات والإيقاعات. ويكتمل حضور «المجرور» بالزي التقليدي الذي يرافق مؤديه، وفي مقدمته «الحويسي» بما يحمله من هيئة ارتبطت بهذا اللون الشعبي، لتصبح الملابس جزءًا أصيلًا من هوية العرض؛ إذ يتلقى الزائر «المجرور» بالصورة والصوت معًا، ويشاهد تفاصيل تستحضر جانبًا من شكل المناسبات الاجتماعية التي عرفتها الطائف قديمًا. وتحفظ لغة «المجرور» الداخلية مسمياتٍ توارثها الممارسون، من بينها «الشبشرة» و«المقاطعة» و«الدمدمة» و«الكسرة»، إلى جانب أنماط عُرفت في أدائه مثل المروبع والمخومس — وهي تفاصيل تكشف ما يتمتع به هذا اللون من بناء فني وإيقاعات وحركات متعارف عليها، تناقلها الممارسون وحافظوا على حضورها عبر الزمن. ولم يكن «المجرور» قديمًا منفصلًا عن حياة المجتمع؛ إذ كانت الأعراس والأفراح واللقاءات الاجتماعية من أبرز ميادينه، حيث يجتمع الأهالي حول صفوفه وتنتقل قصائده وألحانه بالمشاهدة والممارسة من جيل إلى آخر، حتى أصبح جزءًا من الذاكرة المحلية يحمل صورًا عن طرق الاحتفاء والتلاقي وحضور الشعر والإنشاد في حياة أهالي المحافظة. ويمتد حضور هذا الموروث في مناطق وأحياء وقرى متعددة داخل الطائف، مما أسهم في استمرار ممارسته وتنوع فرقه، فيما وجد مع اتساع النشاط الثقافي والسياحي مساحةً أوسع للظهور في المناسبات الوطنية والمهرجانات والبرامج التراثية، ليشاهده جمهور يتجاوز نطاق المجتمع المحلي. وأوضح المهتم بفن «المجرور» سعد بن عالي السفياني، في حديثه لوكالة الأنباء السعودية (واس)، أن «المجرور» يمثل أحد الفنون المتجذرة في الذاكرة الاجتماعية لأهالي الطائف، وارتبط منذ القدم بالأفراح والمناسبات واللقاءات، وتناقلت الأجيال ألحانه وحركاته وطريقة أدائه حتى حافظ على مكانته بين الموروثات الشعبية التي تُعرَّف بها المحافظة. وبيّن السفياني أن خصوصية «المجرور» تكمن في تكامل عناصره، إذ يجتمع الشعر واللحن والإيقاع والحركة والزي في أداء جماعي منظم تتقابل خلاله الصفوف وتتبادل الأبيات، بينما تضبط الدفوف والطبلة إيقاع الخطوات، مشيرًا إلى أن إتقانه يحتاج إلى معرفة بتفاصيله ومسمياته وأساليب الانتقال بين أجزائه. وأفاد بأن «المجرور» لم يبقَ حبيس المناسبات الاجتماعية، بل اتسعت دائرة حضوره لتشمل المهرجانات والاحتفالات الوطنية والبرامج الثقافية والسياحية، مما أتاح للزوار التعرف على جانب من تراث الطائف، وحوّل عروضه إلى تجربة ثقافية تقدم للمتلقي صورةً عن عادات المجتمع وطرق احتفاله وفنونه المتوارثة. وأشار إلى أن مشاركة الشباب في الفرق الشعبية تمثل امتدادًا لهذا الإرث، إذ يتعلم الجيل الجديد الأداء بالمشاهدة والتدريب إلى جانب أصحاب الخبرة، بما يسهم في حفظ الألحان والحركات والملابس والمصطلحات المرتبطة به، واستمرار انتقالها بين الأجيال دون أن تفقد ملامحها الأصيلة. وأكد السفياني أن «المجرور» يحمل إلى جانب قيمته الفنية بُعدًا اجتماعيًا وتاريخيًا، إذ تستحضر عروضه صورًا من مناسبات أهالي الطائف قديمًا وتعكس طبيعة التواصل والتآلف بينهم، لتصبح مشاهدته اليوم وسيلةً لتعريف الزائر بثقافة المكان وذاكرته الشعبية، لا مجرد لون ترفيهي.
سبق المصدر: سبق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا