د. عثمان محمود الصيني
أن نندهش من رؤية صورة أو مشهد حيّ أو سماع موسيقى أو قراءة نصوص فهذه سمة إنسانية، وأن نشارك الآخرين دهشتنا فهذه سمة تميزنا وتختص بها إنسانيتنا، ولكن أن نستطيع إمداد حياتنا بالدهشة بصفة مستمرة وبشكل غزير فهنا تمكن المهمة الصعبة أو شبه المستحيلة في عصر العولمة؛ حيث تتشابه الأشياء وتتعدد النظائر وتنحسر الفرادة والتميز، وفي عصر التواصل الرقمي مع طوفان المعلومات بقيمتها وغزارتها وفوضاها وتشابكها إلى حد التناقض، وفي عصر سيولة الصورة حيث ترى كل شيء قد حدث ويحدث أو سيحدث بالذكاء الاصطناعي، يختلط فيه ما يراه الآخرون بزاويتهم وذائقتهم لأنفسهم أو لك، أو ما يريدون لك أن تراه، أو ما تسمح به إمكاناتهم الذاتية أو التقنية، ترى سيولا من الصور وفي النهاية كأنك لم تر الصورة الحقيقية، وهو ما استشرفه الشاعر العباسي دعبل الخزاعي قبل أكثر من 1200 عام حين قال:
إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحدا
أنا لا أتحدث عن دهشة الطفل الذي يرى الأشياء للوهلة الأولى، ولا دهشة المعرفة عند العلماء والفلاسفة، وإنما أقصد دهشة إعادة اكتشاف ذواتنا بكل ما تحويه من معارف وذكريات ومقولات تحولت مع الإلف والعادة إلى مقولات جامدة أو عبارات إنشائية مطاطة تقول كل شيء، ولكن لا تعني شيئا واحدا لنا، تمر بها وكأنك لا تراها، وتعيش فيها ومعها مجردة من اللذعة التي فقدتها حواسنا تجاهها.
نعيش هذه الدهشة حين نزور جمهوريات آسيا الوسطى، ونكتشف أن معرفتنا بها تقتصر فقط على ما عَلِمناه وتعلمناه من خلال دراستنا في أدبيات الفتوحات الإسلامية، وبالدرجة الأولى في كتب التاريخ والأدب وبعض السير، ثم في بعض تراجم العلماء الذي عاشوا أو درسوا أو برّزوا في تلك المناطق، فصرنا نعرف ذهنيا ومن خلال قراءاتنا أسماء أماكن مثل بلاد الشاش وما وراء النهر أو النهرين سيحون وجيحون، وبلاد فرغانة وخوارزم وبخاري، وأخذت هذه الأسماء وما يكتنفها من أحداث أماكنها في خارطتنا المعرفية، ولم تتزحزح هذه الصورة منذ أن بدأ المؤرخون الأوائل في التأليف في الفتوحات الإسلامية، ووصلت إلينا مؤلفاتهم كالمغازي للواقدي (ت 207ه)، وفتوح البلدان للبلاذري (ت 279هـ) و تاريخ الرسل والملوك للطبري (ت 310هـ) وغيرهم كثير، ثم غابت طويلاً بعد سقوط بغداد واجتياح المغول لآسيا إلى حين دخولها ضمن الطوق الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ثم استقلالها عنها عام 1991م.
ولو سألت كثيرا من الناس في عالمنا العربي عما يعرفونه عن دول الستانات وهي أوزبكستان وطاجكستان وقرغيزستان وتركمانستان وتتارستان وتركستان لوجدت أن معرفتهم بها شحيحة في وقتنا الحاضر في مقابل غزارة المعلومات الذهنية والتاريخية المختزنة في التراث عن بخارى والشاش وفرغانة وسيحون وجيحون وخوارزم مع قطيعة شبه كاملة للحالة التثاقفية بين التاريخ والواقع.
في أوزبكستان لا تسترجع محفوظاتك عن التاريخ وإنما تعيش مرحلة وسطى بين آلة الزمن المتخيلة التي تنقلك إلى زمن غابر أو قادم، والغوص في التاريخ القديم وتخيل أحداثه، ما يحدث هو أن تمتزج لديك المعارف المختزنة في عقلك بأحداثها وشخوصها والواقع الذي وجدت نفسك حقيقة في محيطه الفيزيائي، ضمن ثقافة مادية من آثار ومبان شاخصة، وغير مادية من خلال الثقافة التي نحيط بها ويتناقلها الناس عبر الاجيال وفي الوقت نفسه يعيشونها تأثيرا وتأثرا، وبعد أن كانت معرفتنا بمعالم الحضارة الإسلامية فيها على طريقة "حافظ غير فاهم" بدأت المعلومات الذهنية تأخذ موضعها في سياقاتها الصحيحة جغرافيا وبشريا وحضاريا من واقعنا المعاصر إلى ما يزيد على 1400عام، ووقَع الربط بين التاريخ والثقافة أو بين ما هو في تلافيف الذهن القصية والواقع المعاصر.
حين تطأ قدماك أرض طاشكند التي عقدت فيها ندوة الحضارة الإسلامية على مدى يومين بتنظيم من مركز الحضارة الإسلامية وبمبادرة من منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) ومديرها العام الدكتور سالم محمد المالك؛ تعرف أنك في إقليم الشاش الذي سبقك إليه قتيبة بن مسلم الباهلي عام 95ه على رأس جيش بعث به الحجاج بن يوسف، وفي مركز الحضارة الإسلامية تنظر إلى المصحف الذي كتب في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 25 للهجرة، ويقال بأنه هو المصحف الذي كان يقرأ فيه حين قُتِل، وهكذا عندما جئنا إلى سمرقند حيث عقدت ندوتان عن الإمامين محمد بن إسماعيل البخاري الذي توفي بها سنة 256ه، وأبي منصور الماتريدي السمرقندي (ت 333ه) الملقب بإمام أهل السنة وصاحب المذهب الماتريدي، ولا تكاد تدلف إلى مجمع الإمام البخاري الضخم في سمرقند حتى تأسر عينيك روعة الفن المعماري بالزخارف الفنية والفسيفساء على الجدران والقباب والأبواب التي تجسد العناصر الهندسية والنباتية في تنوع لوني مبهر لا تملك إلا أن تقف مشدوها وكأنما تحولت حواسك كلها إلى أعين مدققة في أدق تفاصيلها، ثم تتجول وسط المدينة العتيقة في متحف حي بكنوزه المعمارية الفريدة حيث ضريح الصحابي قُثَم بن العباس رضي الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي شارك في فتوحات ما وراء النهر واستشهد في سمرقند سنة 57ه، وغير بعيد منه ضريح تيمورلنك القائد العنيف (ت 807ه)، إلى جانب مجمع المدارس الإسلامية الشهير في ريجستان حيث تدرّس العلوم والمعارف في العصور الوسطى منذ عام 821ه 1418م كالفلك والرياضيات والكيمياء والفلسفة حتى الاجتياح الروسي عام 1920م، وبخارى مسقط رأس الإمام البخاري وقبره في سمرقند، وخوارزم التي تسمى الآن خيفا أو خيوه التي ينتسب إليها محمد بن موسى الخوارزمي (ت 232ه) عالم الرياضيات والفلك والجغرافيا، ويدور اسم الخوارزميات الآن على ألسنة الناس والمبرمجين خاصة في العالم أجمع دون أن يدركوا العلاقة التي تربط بينها جميعا، وبها توفي جار الله الزمخشري صاحب الكشاف عام 538ه، ومدينة ترمذ التي فتحت في عهد عبد الملك بن مروان، ومنها محمد بن عيسى الترمذي (ت 279ه) صاحب السنن، وبها عقدت ندوة علمية كبيرة عنه.
وكنا نعرف مدن أنديجان ونمنكان ومرغلان وقوقند على أنها المدن التي ينحدر منها بعض أصدقائنا الذين زاملناهم وجاورناهم في الطائف إلى جانب بخارى وسمرقند وطاشكند وتركستان وكاشغر، لكن تدخل مرة أخرى في دائرة الدهشة حين تراها مدنا تقبع في وادي فرغانة الذي يرد ذكره كثيرا في التاريخ الأموي والعباسي، وفي روايات الحياة الاجتماعية في قصور الخلفاء والقادة حتى انتهى المطاف إلى جرجي زيدان الذي كتب روايته "عروس فرغانة" ضمن سلسلته في روايات تاريخ الإسلام.
لا توجد بين ستانات آسيا الوسطى والعالم العربي حالة مثاقفة بعد أن انتشر الإسلام في تلك الدول وأصبح العالم الإسلامي وحدة واحدة ثقافيا وحضارياً وإن نشأت ممالك ودول هنا وهناك، وكان الفاعل الثقافي كتلة واحدة متكافئة، ففي القديم كان العلماء يرتحلون طلبا للعلم إلى كل البقاع ويأتيهم طلاب العلم من كل مكان، ومؤلفاتهم تجوب العالم الإسلامي دون أي حواجز سياسية أو ثقافية، فالبخاري غادر بخارى لطلب العلم وقطع آلاف الكيلومترات إلى مكة والمدينة، وأقام نحو ست سنوات ينهل من علمائها، ثم أقام بالبصرة، وتردد على الكوفة وواسط وبغداد 8 مرات ولقى فيها الإمام أحمد بن حنبل، وعلى دمشق وقيسارية وعسقلان، وخراسان ونيسابور ومرو، وهراة ومصر وغيرها، يقول البخاري عن ترحاله: "دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصى كم دخلت إلى الكوفة وبغداد"، قبل أن يعود إلى نيسابور ويتوفى في سمرقند، وتتلمذ عليه الكثير من مختلف البلدان، وسارت مخطوطات كتبه شرقاً وغرباً عبر العصور، فهي حالة ثقافية واحدة لا حالة مثاقفة بين ثقافتين أو حضارتين، كما أنه لم تحدث حالة المثاقفة في العصر الحديث؛ بل قطيعة ثقافية بين العالم العربي وآسيا الوسطى، وإن امتدت الحالة الثقافية التي نشأت في عصور الإسلام ضمن سيرورة التراث العربي والإسلامي عبر القرون وفي مختلف البقاع، لكن كانت هناك حالة مثاقفة ومناقدة داخل المجتمع الواحد وفي العصر الواحد في حالة أوزبكستان مثلا قديما وحديثا، وسأستشهد بمثالين؛ الأول: في الفنون والآثار القديمة في المتاحف، حيث نجد صوراً وتماثيل مجسمة لأشخاص وحيوانات منذ العصر الحجري إلى القرون الإسلامية الأولى كتمثال بوذا وغيره، ثم اختفت هذه الصور والنقوش والتماثيل وبدأت تنتشر المنمنمات والنقوش والزخارف والفسيفساء بأشكالها الهندسية والنباتية، والمثال الثاني يشير إلى حالة المدافعة والمناقدة بين ثقافة السكان الأصلية والأصليين وثقافة الإسلام القادمة مع الفاتحين، وعكستها الآثار الإسلامية في ضريح السامانيين الذي بني بعد وفاة أحمد بن أسد (ت 278ه، 892م) والد إسماعيل الساماني، أي بعد قرنين من انتشار الإسلام في تلك البلاد، فبناء الأضرحة على المقابر كان من الأمور المخالفة للشريعة الإسلامية في ذلك الوقت وتلك البلاد، لكن كسر إسماعيل الساماني هذا الحظر ببناء الضريح، والأمر الأكثر لفتا للنظر هو أن تصميم العمارة استوحي من العمارة الصغدية قبل الاسلام بتركيبات القباب ذات الأقواس الأربعة، والتشكيلات على قبة الضريح ترمز إلى الشمس المقدسة المعبودة في بلاد الصغد، وبقيت آثارها في معابد عبادة "الشمس المشرقة" في بلاد فرغانة الموجودة من قبل انتشار الإسلام، لكنها ظهرت في حالة المدافعة الثقافية على قبة قصر إسماعيل الساماني.
وبدأت تظهر في العصر الحديث حالة المدافعة والمناقدة الثقافية مع اجتياح الروس لجمهوريات آسيا الوسطى وفرض العقيدة الشيوعية على كل الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية بدلاً من العقيدة الإسلامية، ثم بعد استقلالها بدأ الصراع بين المعتزين بالحضارة الإسلامية وبين الإصلاحيين باتجاه الروس أو الغرب، لكن يظل الشعور بالانتماء الى الحضارة الإسلامية والاعتزاز بعظمائه طاغيا لدى الجميع بمختلف فنات السكان العمرية، وتعرف أن كثيراً من القبائل التي خرجت من شبه جزيرة العرب ضمن الفتوحات الإسلامية استقرت في تلك البلاد واستشهد بعض أفرادها وحكم بعضهم الآخر وتزاوجوا عبر القرون المختلفة، ويدل على ذلك أن ستة من أصحاب كتب الصحاح والسنن التسعة من القبائل العربية؛ مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت 261ه) صاحب "صحيح مسلم" من بني قشير، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275ه) صاحب "السنن" من الأزد، ومحمد بن عيسى الترمذي صاحب "السنن" من بني سُليم، وعبد الله الدارمي السمرقندي (ت255ه) صاحب "السنن" من بني دارم من تميم، ناهيك عن أحمد بن حنبل الشيباني، ومالك بن أنس الأصبحي، والبخاري مولى لبني الجعفي من مذحج القحطانية، وابن ماجة مولى لبني ربيعة، بينما أحمد بن شعيب النسائي من نسا بتركمانستان، ولهذا نفهم مقاصد بعض طلاب وطالبات الجامعات من الشباب المتطوعين في مؤتمر الحضارة الإسلامية مثل عبد العزيز خيرالله، وعمران، والطالبة مدينة، وجلال الدين حين يستقبلون الضيوف المشاركين من السعودية قائلين بالعربية: "مرحبا بكم أساتذتنا وآباءنا ضيوف الإمام البخاري".