آخر الأخبار

قصة نجاح تتحول إلى استثمار.. حكاية جبال السروات من العتم إلى الزيتون

شارك
بينما يسعى العالم لإيجاد حلول تجمع بين الأمن الغذائي،حماية الموارد الطبيعية والتكيف مع تغير المناخ، قد يبدو الحل في الباحة بسيطاً للغاية، إنها شجرة الزيتون. هذه الشجرة، المرتبطة تاريخياً بالغذاء، السلام، الازدهار الاقتصادي، تكتسب معنى أعمق في المرتفعات الجنوبية الغربية للمملكة، معنى يتجاوز مجرد الإنتاج الزراعي. هنا، لا يتعلق الأمر بزيادة إنتاج الزيتون أو اتساع المزارع، بل بالدور المتنامي لشجرة قادرة على حماية التربة، إحياء المدرجات الزراعية، تحسين كفاءة استخدام المياه، واستعادة جزء من التوازن البيئي في واحدة من أكثر البيئات الجبلية حساسية في المملكة.

عندما يُذكر الزيتون في الباحة، غالباً ما يتجه التركيز إلى عدد الأشجار، كميات الزيت المنتجة، أو المهرجانات الموسمية. إلا أن القيمة الحقيقية لهذه الشجرة تتجاوز بكثير أهميتها الاقتصادية. تُمثل زراعة الزيتون في الباحة نموذجاً زراعياً يجمع بين الإنتاج الزراعي، حماية الموارد الطبيعية واستعادة الوظائف البيئية للنظام البيئي الجبلي.

تمتاز الباحة بخصائص طبيعية جعلتها من أنسب مناطق المملكة لزراعة الزيتون. تقع المنطقة ضمن جبال السروات الجنوبية الغربية، حيث يتجاوز ارتفاعها 2000 متر فوق سطح البحر، مما يخلق مناخاً معتدلاً نسبياً مقارنة بالمناطق الأخرى. يُسهم التباين في درجات الحرارة بين الليل والنهار، إلى جانب الضباب الموسمي والأمطار الجبلية، في تهيئة ظروف مشابهة لتلك الموجودة في زراعة الزيتون في حوض البحر الأبيض المتوسط. تنعكس هذه الظروف على جودة الثمار من خلال تعزيز تراكم الزيوت والمركبات الفينولية ومضادات الأكسدة، التي تُضفي على زيت الزيتون فوائده الغذائية والصحية المميزة.


تغير أنماط الحياة

لا يعتمد نجاح زراعة الزيتون في الباحة على المناخ فحسب، بل أيضاً على خصائص التربة الجبلية والمدرجات الزراعية التاريخية التي تُشكل أحد أبرز عناصر المشهد الطبيعي للمنطقة. تُحدّ التربة الجبلية جيدة التصريف من تشبّع جذور أشجار الزيتون بالماء، وهي سمة أساسية لهذه الأشجار، إذ تتطلب توازناً دقيقاً بين الرطوبة والتهوية في منطقة جذورها. وتلعب المدرجات الزراعية الممتدة على طول سفوح الجبال دوراً بيئياً حيوياً، حيث تُبطئ جريان مياه الأمطار، وتزيد من تغلغلها في التربة، وتقلل من فقدان الطبقة السطحية للتربة نتيجة التعرية، مما يُسهم في الحفاظ على الأراضي الزراعية واستدامتها.

من هذا المنطلق، تكتسب زراعة الزيتون بُعداً إستراتيجياً يتجاوز مجرد الإنتاج الزراعي. فالعديد من المدرجات الجبلية التاريخية تواجه اليوم تحديات ناجمة عن تراجع النشاط الزراعي وتغير أنماط الحياة، مما يؤدي إلى تدهور بعض هذه المدرجات وفقدانها التدريجي لوظائفها البيئية. وتُتيح أشجار الزيتون، بفضل طول عمرها وقدرتها على التكيف مع الظروف الجبلية، فرصة لإعادة توظيف هذه المدرجات والحفاظ عليها كنظم بيئية نابضة بالحياة ومنتجة. وهذا بدوره يُساعد على الحد من التعرية، وتعزيز كفاءة تجميع مياه الأمطار. تتجلى أهمية الزيتون أيضاً في سياق التكيف مع تغير المناخ وإدارة موارد المياه.

آثار تغير المناخ

فمقارنة بالعديد من أشجار الفاكهة الأخرى، يتميز الزيتون بقدرته على تحقيق إنتاج مجد اقتصادياً باحتياجات مائية أقل نسبياً، وتحمله العالي للجفاف الموسمي. وتكتسب هذه الخاصية أهمية متزايدة في المناطق الجبلية وشبه الجافة التي تواجه ضغوطاً متزايدة على مواردها المائية، مما يجعل الزيتون خياراً مناسباً ضمن إستراتيجيات الزراعة المستدامة. تتجاوز قيمة الزيتون إنتاج الثمار والزيت لتشمل ما يُعرف بـ"خدمات النظام البيئي"، وهي الفوائد التي تُقدّمها النظم الطبيعية للمجتمعات البشرية. فكل بستان زيتون يُسهم في تثبيت التربة، والحدّ من انجراف التربة بفعل المياه على سفوح الجبال، تحسين احتفاظ التربة بالرطوبة، وتوفير موائل للطيور والكائنات الحية الأخرى المرتبطة بالبيئات الزراعية الجبلية. تؤدي الأشجار المعمرة دوراً حيوياً في عزل وتخزين الكربون في الكتلة الحيوية والتربة، مما يضفي على زراعة الزيتون بُعداً إضافياً في سياق الجهود العالمية للتكيف مع آثار تغير المناخ والتخفيف منها. وفي البيئات الجبلية الحساسة كمنطقة الباحة، تزداد أهمية هذه الوظائف نظراً لارتباطها المباشر بحماية المدرجات الزراعية والحفاظ على استقرارها على المدى الطويل. كما تُسهم هذه الأشجار في تعزيز مرونة النظم البيئية المحلية وقدرتها على تحمل الضغوط المناخية والبيئية المتزايدة، وهو ما يُعد حجر الزاوية للتنمية المستدامة في المناطق الجبلية.

وتتمتع أشجار الزيتون بميزة مهمة جداً في الباحة، إذ تتميز بمقاومتها العالية لقرود البابون مقارنة بالعديد من محاصيل الفاكهة الأخرى التي تتعرض لخسائر متكررة نتيجة العبث أو التلف. وقد عززت هذه الخاصية من جاذبية الزيتون للمزارعين، كونه محصولاً أكثر استقراراً وأقل عرضة للخسائر، مما يؤثر إيجاباً على ربحية المزارع واستدامة الإنتاج.

الوظائف البيئية

علاوة على ذلك، تُعد أشجار الزيتون من بين أشجار الفاكهة التي تتطلب خدمات حقلية أقل كثافة ورياً مستمراً مقارنة بالعديد من محاصيل الفاكهة التقليدية. وتحمل فترات الجفاف النسبي، والحفاظ على غلة مجزية، فضلاً عن عمرها الاقتصادي الطويل الذي قد يمتد لعقود. لذا، لا ينبغي قياس نجاح زراعة الزيتون بعدد الأشجار أو أطنان الزيت المنتجة فحسب، بل بقدرته على استعادة الوظائف البيئية للمدرجات الزراعية، وتعزيز كفاءة استخدام المياه، والحفاظ على التربة والتنوع البيولوجي، ودعم الاقتصاد الريفي المحلي. لا تُعدّ أشجار الزيتون في الباحة مجرد محصول زراعي واعد، بل هي استثمار طويل الأجل في استدامة البيئة الجبلية وإحياء أحد أهمّ عناصر التراث الزراعي في جنوب المملكة.

ومن الجدير بالذكر أن تطور زراعة الزيتون في الباحة يرجع إلى (د. إبراهيم بن عباس الحافظ (رحمه الله) من أوائل من خاضوا هذه التجربة وواصل شقيقه، الدكتور صالح بن عباس الحافظ، تطوير هذه التجربة، محولاً إياها إلى مشروع زراعي متكامل من خلال "مزرعة الزيتونة". وتُعد من أبرز مشاريع زراعة الزيتون الرائدة في الباحة. وبالتوازي ارتبط تطور القطاع بجهود علمية قادتها جامعة الباحة من خلال كرسي الشيخ سعيد بن علي العنقري لأبحاث الزيتون. ركّز هذا الكرسي على مسح أشجار الزيتون البرية باستخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية، إدخال أصناف جديدة، إنشاء مشاتل متخصصة، إنتاج عشرات الآلاف من الشتلات. كما أسهم في بناء قاعدة معرفية واسعة حول زراعة الزيتون وخصائصها البيئية والإنتاجية. كما اضطلعت وزارة البيئة والمياه والزراعة والجمعية التعاونية للزيتون بالباحة بدعم الجهود المبذولة لتطوير القطاع وتعزيز تنافسيته. يعكس هذا التكامل أحد أهم العوامل التي أسهمت في ترسيخ مكانة الزيتون كمحصول واعد في المنطقة، وتحويله من تجربة زراعية محدودة إلى قطاع تنموي يتمتع بإمكانات النمو والاستدامة.

قاعدة بيئية وطبيعية

هنا يبرز سؤال علمي وتنموي يستحق المزيد من الدراسة هل تمثل زراعة الزيتون في الباحة إدخال محصول جديد إلى البيئة المحلية، أم إنها امتداد طبيعي لتراث نباتي قائم في جبال المنطقة؟ تكمن أهمية هذا السؤال في وجود الزيتون البري، المعروف محلياً باسم "العتم"، إذ يُمثّل أحد المكونات للغطاء النباتي في جبال السراوات. ورغم اختلافه عن أصناف الزيتون التجارية المزروعة حالياً من حيث حجم الثمرة، الإنتاجية، محتوى الزيت، فإنه ينتمي إلى نفس جنس النبات، مما يعكس قدرة هذا النوع على التكيف مع الظروف البيئية المحلية على مدى فترات طويلة. وتكتسب هذه الحقيقة أهمية استثنائية لأنها تُشير إلى أن البيئة الجبلية في الباحة لم تكن غريبة تاريخياً عن هذا الجنس النباتي، بل احتضنت بشكل طبيعي أحد أصوله. ولذلك، فإن نجاح زراعة الزيتون الحديثة في المنطقة لا يعتمد فقط على التقنيات الزراعية أو استيراد الأصناف المحسّنة، بل أيضاً على وجود قاعدة بيئية وطبيعية ملائمة تراكمت عبر قرون من تكيف النبات. فوجود صنف العتم يفتح آفاقاً بحثية مهمة لدراسة التنوع الجيني المحلي وإمكانية استخدام بعض سماته في برامج التحسين الزراعي والتكيف مع التحديات البيئية المستقبلية، مما يعزز الاستدامة طويلة الأجل لقطاع الزيتون في منطقة الباحة.

الحفاظ على البيئة

تزداد أهمية هذا عند النظر إلى الزيتون من منظور "الزراعة متعددة الوظائف"، وهو مفهوم حديث يُقرّ بقيمة المحاصيل الزراعية ليس فقط من حيث إنتاج الغذاء، بل أيضاً من حيث وظائفها البيئية والاجتماعية والاقتصادية المتزامنة. ففي حالة الباحة، لا تقتصر فوائد أشجار الزيتون على إنتاج الزيت والثمار فحسب، بل تُسهم أيضاً في صيانة المدرجات الزراعية التاريخية، دعم التنوع البيولوجي، والحفاظ على المشهد الثقافي الزراعي الذي تشكّل على مرّ قرون من التفاعل بين الإنسان والبيئة الجبلية. لذا، يُمثّل الاستثمار في الزيتون استثماراً في منظومة متكاملة من الفوائد البيئية والتنموية، وليس مجرد استثمار في محصول زراعي واحد. لذا، لا ينبغي أن يقتصر تقييم نجاح قطاع الزيتون على مؤشرات الإنتاج والعوائد الاقتصادية فحسب، بل يجب أن يشمل أيضًا قياس أثره على حماية التربة، واستدامة المدرجات الزراعية، وكفاءة استخدام المياه، وتعزيز التنوع البيولوجي، وتقوية مرونة النظم البيئية المحلية في مواجهة تغير المناخ. من هذا المنظور، يصبح الزيتون في الباحة أكثر من مجرد محصول زراعي واعد؛ تُمثل هذه المشاريع نموذجًا للتنمية المستدامة القائمة على الطبيعة، حيث تتكامل الأهداف الاقتصادية مع متطلبات الحفاظ على البيئة، وإحياء التراث الزراعي الجبلي، وإرساء أسس اقتصاد أخضر في المنطقة. وفي ضوء التوجهات الوطنية نحو الاستدامة البيئية والاقتصاد الأخضر، يُمكن اعتبار زراعة الزيتون في الباحة نموذجًا لكيفية الاستفادة من المزايا البيئية المحلية لبناء قطاع زراعي يجمع بين الأمن الغذائي والحفاظ على الموارد الطبيعية وتعزيز قدرة النظم البيئية الجبلية على التكيف مع تغيرات المناخ المستقبلية ودعم الاقتصاد الريفي في آنٍ واحد.

تتجاوز قصة الزيتون مجرد نجاح محصول جديد؛ لتصبح قصة استثمار في الأرض، الإنسان والبيئة، وتجربة تنموية تُعيد الدور التاريخي للمدرجات الجبلية كأحد أهم عناصر الاستدامة في جنوب المملكة.

* رؤية

أ.د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي

وكيل كلية علوم الأغذية والزراعة للشؤون التعليمية والأكاديمية، جامعة الملك سعود

الوطن المصدر: الوطن
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا