تزامنًا مع إعلان فرص القبول المتاحة والمحتملة، وبدء فترة المفاضلة اللحظية عبر المنصة الوطنية للقبول الموحد في الجامعات والكليات «قبول»، برزت خلال اليومين الماضيين سوق نشطة لخدمات استشارية متخصصة تقدم الدعم للطلبة في اختيار التخصصات وترتيب الرغبات، في وقت تقدم فيه بعض الجهات هذه الخدمات مقابل رسوم تصل إلى 150 ريالًا، بهدف مساعدة الطالب على بناء قائمة رغباته بصورة ترفع من فرص قبوله في التخصص المناسب.
استشارة متخصصة
يرى خبراء ومستشارون تعليميون تحدثوا إلى «الوطن» أن لجوء بعض الطلبة إلى هذه الخدمات لا يعني بالضرورة عدم قدرتهم على اتخاذ القرار، وإنما يعكس حاجتهم إلى من يشرح لهم آلية القبول ويقدم لهم قراءة دقيقة للخيارات المتاحة ويمنحهم الثقة في اتخاذ القرار، خاصة مع حداثة تجربة منصة القبول الموحد، وعدم امتلاك كثير من الطلبة الخبرة الكافية بآلية المفاضلة، إلى جانب تعدد الجامعات والتخصصات والمسارات، وهو ما يجعل المقارنة بينها عملية تحتاج إلى معرفة وخبرة. كما أن صعوبة تفسير بعض مؤشرات القبول والنسب الموزونة، وكيفية الاستفادة منها عند ترتيب الرغبات، إضافة إلى القلق من اتخاذ قرار قد يؤثر في المستقبل الأكاديمي، مع وجود فرصة واحدة لترتيب الرغبات، كلها عوامل تدفع بعض الطلبة إلى البحث عن استشارة متخصصة. ويضاف إلى ذلك تفاوت مستوى الإرشاد الأكاديمي بين المدارس، فضلاً عن انتشار معلومات واجتهادات غير دقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد تربك الطالب وتدفعه إلى البحث عن مصدر أكثر موثوقية.
طموح وقدرات
أوضح المستشار التعليمي عبدالله السلطان لـ«الوطن» أن ظهور هذه الخدمات يعكس وجود حاجة حقيقية لدى شريحة من الطلبة وأولياء الأمور، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على أهمية تعزيز الإرشاد الأكاديمي والتوعية بآلية القبول حتى يتمكن الطالب من اتخاذ قراره بنفسه. وأشار إلى أن الحاجة إلى هذه الخدمات تبدو مبررة في المرحلة الحالية، لأن قرار ترتيب الرغبات يعد من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل الطالب الأكاديمي، وأي خطأ في ترتيبها قد يؤدي إلى ضياع فرصة كان بالإمكان الحصول عليها.
وأكد السلطان أن نجاح منصة «قبول» لا يقتصر على توحيد إجراءات التقديم، بل يمتد إلى تمكين كل طالب من اتخاذ قراره بثقة ووعي، مبينًا أن ارتفاع مستوى الإرشاد والتوعية داخل المدارس، وإتاحة المعلومات الدقيقة لجميع الطلبة، من شأنهما تقليص الحاجة إلى الاستشارات المدفوعة، وجعل الطالب أكثر قدرة على بناء قائمة رغبات تعكس طموحه وقدراته وفرصه الواقعية، وهو الهدف الذي ينبغي أن تتكاتف لتحقيقه جميع الجهات المعنية بالتعليم والقبول الجامعي.
التوجيه والإرشاد
فيما يتعلق بالحلول التي يمكن أن تحد من الاعتماد على الخدمات المدفوعة، شدد السلطان على أن المعالجة لا تكمن في التقليل من أهمية هذه الخدمات، وإنما في معالجة الأسباب التي أدت إلى ظهورها، وذلك من خلال تعزيز برامج التوجيه والإرشاد المهني في المدارس منذ الصف الأول الثانوي، بدلاً من قصرها على فترة التقديم، إلى جانب توفير أدلة رسمية مبسطة تشرح آلية المفاضلة وترتيب الرغبات مدعومة بأمثلة تطبيقية، وتنظيم لقاءات وورش عمل للطلبة وأولياء الأمور قبل بدء فترة التقديم، إضافة إلى تطوير أدوات ذكية داخل منصة «قبول» تساعد الطالب على تحليل خياراته وترتيب رغباته بصورة علمية، وتمكين الموجهين الطلابيين من الاطلاع على أحدث بيانات القبول وتدريبهم على تقديم الاستشارات الأكاديمية المتخصصة.
توافق التخصص
أكد السلطان، أن اختيار الرغبات لا يقتصر على ترتيب أسماء التخصصات، بل يمثل عملية تخطيط حقيقية لمستقبل الطالب، ولذلك ينبغي أن يبنى على مجموعة من المعايير المتكاملة، يأتي في مقدمتها الرغبة الحقيقية للطالب، فلا ينبغي أن يختار تخصصًا لمجرد أنه مطلوب في سوق العمل أو لأن أحد أصدقائه اختاره أو استجابة لرغبة الأسرة، إذا لم يكن لديه ميل حقيقي إليه، لأن الطالب الذي يدرس تخصصًا يحبه يكون غالبًا أكثر تفوقًا وإبداعًا واستقرارًا من غيره.
وأضاف أن المعيار الثاني يتمثل في توافق التخصص مع قدرات الطالب واستعداده الأكاديمي، إذ تختلف متطلبات التخصصات فيما بينها، فبعضها يحتاج إلى تميز في الرياضيات، وأخرى تعتمد على المهارات اللغوية، بينما تتطلب تخصصات أخرى قدرات تحليلية أو عملية، الأمر الذي يجعل معرفة الطالب لنقاط قوته عاملًا أساسيًا في اختيار التخصص الأنسب.
طبيعة الدراسة
أشار المستشار التعليمي إلى أن فرص القبول الواقعية تمثل معيارًا لا يقل أهمية، إذ ينبغي للطالب أن يوازن بين ميوله وفرص قبوله الفعلية بالاستفادة من المؤشرات والبيانات التي توفرها الجهات المختصة، فلا يبني جميع رغباته على تخصصات يصعب الوصول إليها، وفي الوقت ذاته لا يتنازل عن رغباته الأولى خوفًا من عدم القبول. كما دعا إلى الاطلاع على المستقبل المهني للتخصصات، واحتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية، مع التركيز على المهارات التي يكتسبها الطالب وليس على الوظائف المتاحة حاليًا فقط، نظرًا لما يشهده سوق العمل من تغيرات مستمرة.
ولفت السلطان إلى أهمية أن يتعرف الطالب على طبيعة الدراسة ومتطلبات كل تخصص، بما يشمل الخطة الدراسية، وعدد سنوات الدراسة، والتدريب العملي، وسنة الامتياز إن وجدت، ومتطلبات التخرج، وفرص الدراسات العليا، حتى لا يفاجأ بعد التحاقه بأن طبيعة التخصص تختلف عما كان يتوقعه. كما أشار إلى أن البيئة الجامعية تمثل عاملًا مهمًا في اتخاذ القرار، فبعض الطلبة يفضلون الدراسة بالقرب من محل إقامتهم، بينما يفضل آخرون جامعات معينة لما توفره من برامج أكاديمية أو شراكات أو بيئة تعليمية أو فرص تدريبية، فضلًا عن أهمية اختيار تخصص يمنح الطالب مرونة مستقبلية، سواء في فرص التوظيف أو الدراسات العليا أو إمكانية الانتقال إلى مجالات مهنية أخرى.
وبيّن أن أفضل قائمة للرغبات هي التي تجمع بين الطموح والواقعية، بحيث تضم رغبات طموحة في تخصصات تتجاوز نسبها الموزونة نسبة الطالب، ورغبات تتوافق مع فرص قبوله المتوقعة، إلى جانب رغبات آمنة توفر له خيارات بديلة إذا لم تتحقق رغباته الأولى.
وعي الطالب
من جانبه، طرح المسؤول المالي في جمعية «آفاق» للمبادرات المجتمعية بالأحساء، المستشار التعليمي مرتضى الزيد، ثلاثة مقترحات لتطوير منصة «قبول»، تتمثل في تعزيز نظام الإشعارات الذكية عبر الرسائل النصية والبريد الإلكتروني عند كل تحديث يطرأ على الطلب أو عند الحاجة إلى استكمال أي متطلبات، وإضافة أدوات تحليلية تساعد الطالب على اختيار التخصص المناسب وفقًا لقدراته وميوله ونتائج اختبارات القبول، إلى جانب توفير قنوات دعم فني أكثر سرعة، مثل المحادثة الفورية المدعومة بقاعدة معرفية شاملة للإجابة عن الاستفسارات المتكررة.
وأشار الزيد إلى أن جمعية «آفاق» تقدم جميع خدماتها الاستشارية مجانًا، مؤكدًا أن كثيرًا من الطلبة وأولياء الأمور يفتقرون إلى المعرفة الكافية بآلية المفاضلة ونسب القبول وأولوية الرغبات، وهو ما قد يؤدي إلى ضياع فرص قبول مناسبة رغم امتلاك الطالب معدلًا جيدًا. وأضاف أن منصة «قبول» تمثل نقلة مهمة في توحيد إجراءات القبول الجامعي، إلا أن نجاحها لا يعتمد على التقنية وحدها، وإنما على وعي الطالب بكيفية الاستفادة منها، مشددًا على أن أي خدمات استشارية في هذا المجال يجب أن تقوم على الشفافية وأن يكون هدفها تمكين الطالب من اتخاذ القرار الصحيح، لا استغلال حالة القلق التي ترافق فترة القبول أو قلة خبرته، مؤكدًا أن تقديم الاستشارات ينبغي أن يقتصر على المختصين والخبراء، وألا يكون الدافع إليها تحقيق المكاسب المادية فقط.
3 مقترحات تطويرية لمنصة «قبول»
01- تعزيز الإشعارات الذكية عبر الرسائل النصية والبريد الإلكتروني
02- إضافة أدوات تحليلية تساعد الطالب على اختيار التخصص المناسب
03- إتاحة قنوات دعم فني أكثر سرعة مثل المحادثة الفورية
أسباب استعانة بعض الطلبة بالخدمات الاستشارية
01- حداثة تجربة منصة القبول الموحد، وعدم امتلاك كثير من الطلبة الخبرة الكافية بآلية المفاضلة.
02- تعدد الجامعات والتخصصات والمسارات، مما يجعل المقارنة بينها أمرًا يحتاج إلى معرفة وخبرة.
03- صعوبة تفسير بعض مؤشرات القبول والنسب الموزونة، وكيفية الاستفادة منها عند ترتيب الرغبات.
04- القلق من اتخاذ قرار خاطئ قد يؤثر على مستقبل الطالب، خاصة مع وجود فرصة واحدة لترتيب الرغبات.
05- تفاوت مستوى الإرشاد الأكاديمي الذي يحصل عليه الطلبة بين مدرسة وأخرى.
06- انتشار معلومات واجتهادات غير دقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.