لا تستغرق عملية التبرع بالدم عادة أكثر من دقائق معدودة، لكنها قد تمنح شخصًا آخر فرصة للحياة. ففي مكان ما، قد يكون هناك مريض ينتظر عملية جراحية عاجلة، أو طفل يخضع لعلاج اضطراب دموي مزمن، أو مصاب في حادث يحتاج إلى نقل دم فوري. وبينما يغادر المتبرع موقع الحملة ليواصل حياته المعتادة، تبدأ رحلة أمل لحياة جديدة لشخص لم يلتقِ به يومًا.
هذه القيمة الإنسانية كانت حاضرة في أرامكو السعودية منذ عقود، ففي ستينيات القرن الماضي، أنشأت دائرة الخدمات الطبية في الشركة أول بنوك الدم في المنطقة، في خطوة عكست إدراكًا مبكرًا لأهمية توفير الدم ودعم الرعاية الصحية بما يجسد قيم التكافل والتطوع. ومع تطور الخدمات الطبية، تواصلت الرحلة حتى حقق بنك الدم في الظهران إنجازًا نوعيًا بحصوله على الاعتماد الدولي من الجمعية الأمريكية لبنوك الدم عام 1978.
محطة مفصلية
ومع مرور السنوات، لم يقتصر اهتمام الشركة على تطوير البنية الطبية فحسب، بل امتد إلى ترسيخ ثقافة التبرع بالدم بين الموظفين وتعزيز المشاركة المجتمعية. وعلى مدى أكثر من ستة عقود، تحولت ثقافة التبرع بالدم في أرامكو السعودية من مبادرات فردية إلى برنامج يحكي رحلة عطاء متكاملة تسعى إلى دعم احتياجات بنوك الدم وتعزيز جاهزيتها في مختلف أنحاء المملكة.
وفي عام 2017، وفّر مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي وحدات متنقلة للتبرع بالدم، ما أتاح للموظفين فرصة أكبر للمشاركة، وسهّل الوصول إلى المتبرعين في مواقع مختلفة.
وكان عام 2023 محطة مفصلية في مسيرة البرنامج، مع إطلاق الحملة السنوية للتبرع بالدم على مستوى الشركة وتوحيد الجهود المختلفة تحت مظلة قسم المواطنة. حيث أسهم هذا التوجه في توسيع نطاق الحملات وزيادة الشراكات مع بنوك الدم والجهات المعنية، مما عزز من قدرة البرنامج على الوصول إلى أعداد أكبر من المتبرعين وتحقيق أثر أوسع في المجتمع.
واليوم تحتفي أرامكو السعودية باليوم العالمي للمتبرعين بالدم 2026 مستذكرة إسهامات آلاف المتبرعين، فمنذ عام 2023، شارك 26.242 متبرعا في 374 حملة للتبرع بالدم نظمتها الشركة في مختلف مناطق المملكة.
قصص لا تقاس بالوحدات
وفي الوقت الذي ينظر فيه كثيرون إلى التبرع بالدم باعتباره عملًا تطوعيًا، يرى العاملون في بنوك الدم جانبًا آخر من الصورة. فتوفُر وحدات الدم لا يعني فقط تلبية احتياجات المرضى، بل تؤدي إلى استمرارية منظومة متكاملة من الخدمات التشخيصية والعلاجية، بل ربما تمتد إلى إنقاذ الأرواح.
وفي المقابل عندما تنخفض معدلات التبرع، تتزايد التحديات أمام الفرق الطبية والمخبرية، وتصبح الاستجابة للحالات الطارئة أكثر صعوبة، وتقل الفرص أمام المحتاجين للعلاج. لذلك، فإن كل متبرع يُسهم بصورة مباشرة في دعم جاهزية القطاع الصحي ووصول العلاج إلى المرضى في الوقت المناسب، وتعزيز قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية اللازمة في اللحظات الحساسة.