آخر الأخبار

الخليفي: لا وجود لـ «فات الأوان» في إصلاح الأبناء وبناء الأسرة

شارك

أكد المستشار الأسري والتربوي د. إبراهيم الخليفي أن “القيادة الوالدية” تمثل أحد أهم المفاتيح لبناء المناعة النفسية لدى الأبناء، وتعزيز قدرتهم على مواجهة التحديات الفكرية والسلوكية والاجتماعية في العصر الرقمي، مشددًا على أن الأسرة الواعية والقائدة قادرة على صناعة جيل أكثر اتزانًا وثقة وانتماءً، وذلك خلال لقاء بعنوان “القيادة الوالدية وبناء المناعة النفسية للأبناء” نظمته أمس مؤسسة الأميرة العنود ممثلة في مركز سكينة.

وأوضح الخليفي خلال اللقاء أن المناعة النفسية تشبه مناعة الجسد؛ فهي تقوى وتضعف بحسب ما يتلقاه الإنسان من بناء إيماني وقيمي وعاطفي، مبينًا أن الأبناء اليوم يواجهون مرحلة وصفها بـ”الحرجة” نتيجة الانفتاح الرقمي وسهولة وصول النماذج والسلوكيات غير المرغوبة بأساليب جذابة ومؤثرة، الأمر الذي يستوجب من الوالدين رفع مستوى التحصين النفسي والفكري لدى الأبناء حتى يتمكنوا من حسن الاختيار والتمييز بين النماذج الإيجابية والسلبية.

وأشار إلى أن أخطر ما يهدد النشء والشباب في الوقت الحالي يتمثل في ضعف الارتباط بالهوية والقيم والانتماء، نتيجة العزلة والانغماس المفرط في العالم الرقمي، مبينًا أن التربية ليست مجرد رعاية أو توفير احتياجات مادية، وإنما “صناعة دقيقة وثقيلة” تتطلب حضورًا وتوجيهًا ومتابعة مستمرة من الأسرة. وأضاف أن بعض الأبناء أصبحوا يعانون ضعفًا في المهارات الاجتماعية والالتزام والسلوك، إلى جانب تراجع الشعور بمعنى الحياة والغاية من الوجود، بسبب سيطرة ثقافة المتعة اللحظية والإدمان الرقمي.

وبيّن الخليفي أن من أبرز المخاطر التي تواجه الأبناء اليوم الخلط بين مفهوم “المتعة” و”السعادة”، موضحًا أن المتعة مرتبطة بالإشباع السريع واللحظي، بينما ترتبط السعادة بالمعنى والإنجاز والعطاء والاستقرار النفسي. وقال إن كثيرًا من الأبناء باتوا ينجرفون خلف محفزات الإدمان الرقمي والمحتوى السريع، مما يؤثر في أولوياتهم وعلاقاتهم الأسرية والتزامهم الدراسي والاجتماعي.

وتطرق إلى تأثير الشاشات والأجهزة الذكية، واصفًا إياها بـ”ديكتاتورية الشاشات” لما تملكه من قدرة عالية على الجذب والتأثير، مؤكدًا أن التقنية أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن التفاعل الإنساني المباشر. ولفت إلى أن العديد من الدول بدأت تتجه إلى تقنين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأعمار الصغيرة بعد ملاحظة آثارها السلبية على التركيز والالتزام والسلوك والعلاقات الإنسانية.

وأكد الخليفي أن الأسرة القائدة يجب أن تقوم على التأثير الإيجابي وإيجاد “حس الاتجاه” داخل المنزل، بحيث يشعر الأبناء بوجود قدوة مؤثرة تمتلك الرؤية والجاذبية والاحتواء، مشيرًا إلى أهمية الفصل بين الخطأ وشخصية الابن، وعدم تحويل الخلافات إلى إساءة أو تقليل من قيمة الأبناء، بل التعامل مع السلوك الخاطئ مع الحفاظ على كرامة الابن واحترامه. 

وأوضح أن الوالد القائد يحرص على إشباع خمس حاجات أساسية لدى الأبناء، تشمل: الحاجة إلى الأمان، والانتماء، والتمكين، والحرية المنضبطة، والترويح، مبينًا أن هذه الجوانب تسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على التعبير عن ذاتها والشعور بالثقة والمسؤولية. وأضاف أن إشراك الأبناء في بعض القرارات الأسرية والاستماع لآرائهم يعزز لديهم الشعور بالانتماء والقدرة على تحمل المسؤولية.

وأشار إلى أهمية أن تكون المجالس الأسرية بيئة مريحة وجاذبة للأبناء، لا تقتصر على المحاسبة والتوجيه فقط، بل تتضمن الحوار والإنصات والاهتمام الحقيقي بمشاعر الأبناء، مبينًا أن حسن الاستماع والتفاعل الإنساني الصادق من أهم أدوات بناء الثقة وتعزيز الروابط الأسرية.

وشدد الخليفي على أن الإصلاح الأسري لا يعرف “فوات الأوان”، مؤكدًا أن اليأس من التغيير يمثل خطأ كبيرًا، وأن التربية تحتاج إلى صبر واستمرار وتدرج، مستشهدًا بمثال نبات “الخيزران” الذي ينمو جذريًا لسنوات قبل أن يظهر أثره بشكل واضح، موضحًا أن كثيرًا من الجهود التربوية قد تؤتي ثمارها بعد فترة طويلة من العمل والصبر.

وأكد أن بناء المناعة النفسية يبدأ من تعزيز الجانب الإيماني والعقدي، وترسيخ الارتباط بالقرآن والسنة والقيم الإسلامية، إلى جانب تنمية التفكير الناقد لدى الأبناء، وتعزيز قدرتهم على التمييز والتحليل وعدم الانجراف خلف المحتوى المضلل أو الضغوط الاجتماعية والرقمية. كما دعا إلى تنمية الصلابة النفسية والقدرة على إدارة المشاعر والتعامل مع التنمر والضغوط، خاصة في ظل ارتفاع التحديات المرتبطة بالعالم الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.

وفي ختام اللقاء، دعا الخليفي الأسر إلى إعادة بناء العلاقة داخل المنزل على أساس الحوار والقدوة والاحتواء، والبدء بإصلاح الذات والعلاقة بين الوالدين قبل محاولة إصلاح الأبناء، مؤكدًا أن التغيير يحتاج إلى صبر واستمرارية، وأن الأسرة المتماسكة القادرة على توفير الأنس والسكينة والتفاعل الإنساني الحقيقي ستظل أكثر قدرة على حماية أبنائها من التحديات المعاصرة.

الرياض المصدر: الرياض
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا