تُعيد محافظة العُلا تشكيل المشهد الليلي عبر منظومة بصرية تتداخل فيها الإضاءة الحديثة مع الملامح الطبيعية والتراثية للمكان، لتتحول الجبال والتكوينات الصخرية والمباني الطينية إلى عناصر نابضة بالحضور البصري، في تجربة تعكس توظيف الضوء بوصفه جزءًا من الهوية الجمالية للمحافظة، وأداةً تُبرز عمقها التاريخي وتواكب تطورها الثقافي والفني.
ومع حلول المساء، تتشكل في العُلا مشاهد بصرية تتناغم فيها الإضاءات مع التكوينات الطبيعية والواجهات المعمارية ضمن توزيع هندسي مدروس، يعكس توجهات الهيئة الملكية لمحافظة العُلا في تنظيم المشهد الليلي والحد من التلوث الضوئي، بما يحافظ على الهوية البصرية والطابع الطبيعي للمحافظة، ويمنح المواقع التاريخية والطبيعية حضورًا بصريًا متوازنًا ينسجم مع خصوصية المكان وتضاريسه الفريدة.
واعتمدت الهيئة معايير فنية تراعي الخصائص الطبيعية والعمرانية للعُلا، من أبرزها استخدام الإضاءة الدافئة بدرجات لا تتجاوز 2700 كلفن، وتنظيم مستويات الإضاءة وشدتها، والحد من الإضاءات المتجهة نحو السماء أو المتسربة خارج نطاق الاستخدام، بما يضمن توجيه الضوء نحو الاحتياج الفعلي وتقليل تأثيراته على الحياة الفطرية وصفاء السماء.
كما تشجع تلك المعايير على توظيف تقنيات عالية الكفاءة في استهلاك الطاقة، تشمل استخدام وحدات LED ذات كفاءة مرتفعة ومؤشرات تجسيد لوني دقيقة، بما يُسهم في ترشيد استهلاك الطاقة وتحسين جودة الإضاءة، ضمن رؤية تسعى إلى تحقيق التوازن بين التطوير الحضري والحفاظ على المشهد الطبيعي الفريد الذي تتميز به العُلا.
وتنسجم هذه التنظيمات مع الفعاليات والتجارب التي تحتضنها العُلا، بما في ذلك عروض الليزر والدرون والشموع والإضاءات التفاعلية، التي تُقدَّم بأساليب فنية معاصرة تمنح المواقع التاريخية والطبيعية أبعادًا بصرية تعزز تجربة الزائر، وتُبرز جمال المكان ليلًا ضمن مشهد يجمع بين الفن والتقنية والهوية الثقافية للمحافظة.
وتبرز من بين تلك التجارب الفعاليات السنوية التي تُقام في موقع الحِجر الأثري، أول موقع سعودي مُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، حيث تُقدَّم عروض ضوئية باستخدام طائرات الدرون، لترسم تشكيلات بصرية متحركة فوق المعالم التاريخية، في مشهد يمزج بين التقنية الحديثة وعمق الإرث الحضاري، ويمنح الزوار تجربة بصرية تستحضر تاريخ المكان بأسلوب معاصر.
كما تشهد العُلا على مدى العام عددًا من الفعاليات والتجارب التي تعتمد على الضوء عنصرًا رئيسًا في تصميمها البصري، بما يعكس تنامي حضور الفنون الضوئية ضمن المشهد الثقافي والسياحي للمحافظة، ويُعزز مكانتها وجهةً عالمية تحتضن الفنون والإبداع في بيئة طبيعية مفتوحة.
ويأتي اليوم الدولي للضوء، الذي يُصادف 16 مايو من كل عام، تخليدًا لأول تجربة ناجحة لتشغيل الليزر، وهي المناسبة التي تُسلّط الضوء على دور علوم وتقنيات الضوء في تطوير مجالات الطاقة والاتصالات والتقنيات الطبية، إلى جانب إسهاماتها في دعم المعرفة العلمية والتنمية المستدامة حول العالم.
وتواصل العُلا، من خلال هذه المبادرات والتجارب البصرية، ترسيخ حضورها بوصفها وجهة تحتفي بالفنون والعلوم والطبيعة في آنٍ واحد، حيث يتحول الضوء إلى لغة بصرية تُعيد قراءة المكان، وتمنح الزائر تجربة تستلهم التاريخ وتواكب المستقبل.
المصدر:
الرياض