مع التوسع الكبير في مشاركة الأطفال واليافعين بالأنشطة الرياضية، تبرز أهمية مشروع مقترح لحمايتهم داخل البيئة الرياضية من مختلف أشكال الإيذاء والاستغلال، ويهدف المشروع إلى استكمال الأطر التشريعية والتنظيمية عبر وضع إجراءات وقائية وآليات رقابة وإبلاغ وعقوبات، بما يضمن ممارسة رياضية آمنة تعزز حقوق الأطفال وسلامتهم.
تقول مود دي بوير- بوكيشيو– مقررة حقوق الأطفال بالأمم المتحدة: «منذ سنّ مبكرة جدًا يخرج الأطفال إلى الملاعب، ويغطسون في برك السباحة، ويتعثّرون على الحصيرة الرياضيّة، ويركضون في الحلبات.. طلبًا للمتعة واللياقة البدنية، واللعب مع الرفاق والأصدقاء، وسواء حقق الطفل حلمًا يغيّر حياته أو تمتع بالرياضة اليومية، فإن حياته تنقلب رأسًا على عقب -وإلى الأبد- إذا ما تعرّض للاعتداء أو الاستغلال الجنسي، فتتحطّم الأحلام، ويتهاوى الفرح، وتنكسر القلوب والعقول والهيئات».
01 الإطار
يشمل تعريف الأطفال كل من هم دون سن الثامنة عشرة «السنّ القانوني»، ورغم أن بعض الأدبيات تميّز بين الأطفال واليافعين، فإننا نستخدم هنا مصطلح «الأطفال» بوصفه تعريفًا شاملاً يغطي جميع الفئات العمرية دون هذه السن.
وتتعدد المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال في المجال الرياضي؛ إذ تشمل صورًا مختلفة من الإيذاء وسوء المعاملة، والاعتداءات النفسية أو الجسدية أو غير الأخلاقية، واستغلالهم في الترويج لسلوكيات أو مواد غير مناسبة، أو في السعي إلى تحقيق الفوز بطرق غير مشروعة.
كما قد يُحرم بعضهم من حقوق أساسية، مثل التغذية السليمة، والراحة الكافية، والتعليم، أو حتى من حقهم في ممارسة الرياضة ضمن بيئة آمنة صحيًا وأمنيًا، وتؤكد هذه الأمثلة حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجهات المعنية.
02 المقترح
مع التنامي المتسارع في مشاركة الأطفال في الأنشطة الرياضية، تبرز الحاجة الملحّة إلى استكمال المنظومة التشريعية والتنظيمية، بما يضمن مأمونية الممارسة وحماية هذه الفئة، صحيح أن الحماية حق للجميع، إلا أن الأطفال أكثر عرضة للمخاطر، وأقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم في مواجهة التجاوزات.
كما أنه صحيح، يوجد قوانين تتعلق بحماية الطفل وبمكافحة السلوكيات غير السوية، إلا أن تلك القوانين لا تخصص ما يحدث خلال الممارسات الرياضية بشكل واضح وجازم، ومن هنا تأتي الدعوة إلى الجهات التشريعية لتطوير هذه الفكرة إلى مشروع نظام أو لائحة تنفيذية متكاملة في هذا الشأن، على أن تُترك الصياغة القانونية والمسمى النهائي لأصحاب الاختصاص.
03 الفئة المستهدفة
تشير التقديرات إلى أن نسبة الأطفال الممارسين للنشاط الرياضي اليومي في المملكة تقارب 18%، أي ما يناهز مليوني طفل، وهي نسبة آخذة في الارتفاع، ويأتي ذلك في ضوء مستهدفات رؤية 2030م، والتوسع الملحوظ في حجم المنافسات الرياضية للبنين والبنات في المراحل العمرية المبكرة، وما صاحب ذلك من توجه نحو تأسيس مزيد من الأكاديميات الرياضية واستقطاب الأطفال في سن مبكرة.
04 المكونات
تعني مأمونية ممارسة الأطفال للرياضة ضمان سلامتهم من أي ضرر في أثناء مشاركتهم في التدريب أو المسابقات أو المنافسات، سواء كانت تنافسية أو ترويحية، وسواء خلال أوقات المنافسة أو في الفترات المصاحبة لها، مثل المعسكرات، ومرحلة ما قبل المنافسة وما بعدها، ويُقترح أن يتضمن النظام/البرنامج المحاور الآتية:
1. إجراءات الوقاية: وتشمل متطلبات الترخيص، والتأهيل والتدريب، ومعايير السلامة، وآليات الرقابة، والمتابعة.
2. تعريفات سوء المعاملة: بما يشمل الأفعال أو الامتناع عن أفعال قد يترتب عليها إلحاق الضرر بالطفل.
3. تعريفات العنف وأشكاله: الجسدي، والنفسي، والجنسي، والمعنوي، سواء كان متعمدًا أو ناتجًا عن الإهمال، أو سوء الممارسات، أو بيئة التدريب والمنافسة.
4. قنوات التواصل والإبلاغ: تحديد آليات واضحة وآمنة لتقديم الشكاوى والإبلاغ عن المخالفات، مع ضمان السرية والحماية.
5. العقوبات والجزاءات: ويشمل ذلك تحديد العقوبات والغرامات والجزاءات على الأفراد والمؤسسات وفق نوع المخالفات.
6. الحوكمة وتحديد المسؤوليات: بيان الإطار التنظيمي للنظام/البرنامج، وتوزيع الأدوار والمسؤوليات بين الجهات ذات العلاقة.
05 الحيثيات
تُعرِّف منظمة الصحة العالمية إساءةَ معاملة الأطفال بأنها: «جميع أشكال الإساءة الجسدية أو العاطفية، والإساءة الجنسية، والإهمال أو المعاملة المنطوية على غفلة، أو الاستغلال التجاري أو غيره، مما يترتب عليه ضررٌ فعلي أو محتمل لصحة الطفل أو بقائه أو نموه أو كرامته، وذلك في سياق علاقة تقوم على المسؤولية أو الثقة أو السلطة».
لا تتوافر دراسات وطنية دقيقة ترصد ظاهرة تعرّض الأطفال في المملكة للإيذاء في أثناء الممارسات الرياضية، سواء أكانت تنافسية أم ترويحية، غير أن النظر إلى واقع الأطفال عمومًا يكشف عن مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت دراسة «جيلنا» –التي شملت نحو 12.000 طالب وطالبة في المرحلتين المتوسطة والثانوية، وركّزت على الجوانب السلوكية والصحية– أن 20.8% من المراهقين في المملكة تعرّضوا للعنف الجسدي في مدارسهم، وأن 25% منهم تعرّضوا للتنمّر، «فادية البحيران وآخرون، 2015م».
وعلى الصعيد الدولي، يُعدّ تعرّض الأطفال لشكل من أشكال الإهمال أو الإيذاء في أثناء الممارسات الرياضية –سواء التنافسية منها أو غير التنافسية، وفي أثناء المنافسات أو خارجها– ظاهرةً موثّقة في عدد من الدراسات، وقد يُعزى غياب البحوث المحلية المتخصصة في هذا المجال إلى اعتبارات علمية ومنهجية واجتماعية متعددة، إلا أن ذلك لا ينفي احتمال وجود المشكلة، إذ إن المجتمعات تتشابه في أنماط التحديات المرتبطة بحماية الطفولة.
وفي هذا السياق، أجرى أستاذ علم الاجتماع الرياضي، مايك هارتيل، من جامعة إيدج هيل دراسةً واسعة النطاق شملت أكثر من 10.302 مشارك تراوحت أعمارهم بين 18 و30 عامًا وقت الدراسة، وجميعهم مارسوا الرياضة في طفولتهم.
وأفاد 75% من المشاركين بتعرّضهم لشكل من أشكال الإيذاء النفسي أو الجسدي خلال مسيرتهم الرياضية المبكرة، كما أشار التقرير إلى أن ما يقرب من ثلثي المستجيبين تعرّضوا لإساءات متنوعة، كان من أبرزها الإذلال اللفظي الصريح من قِبل المدربين، فيما سجّل 44%، منهم تجارب تتعلق بالعنف الجسدي، وقد بيّنت النتائج حضور معدلات متفاوتة من العنف في جميع الدول المشمولة بالدراسة.
06 الجهات ذات العلاقة
تتعدد الجهات المعنية بإعداد النظام أو الإشراف على تنفيذه، ويُترك تحديد الأدوار التفصيلية للجهات المختصة عند دراسة المشروع، ومن أبرزها، مجلس الشورى -بوصفه جهة تشريعية-، هيئة حقوق الإنسان، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ووزارة الرياضة واللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، وغيرها من الجهات.
07 المرجعيات التنظيمية
يستند المشروع إلى عدد من الأطر والمرجعيات، منها الأنظمة الأساسية، والاتفاقيات والأنظمة الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة لحماية الطفل، واللجنة الأولمبية الدولية اللجنة الأولمبية، ونظام حقوق الإنسان، نظام / سياسة حماية الطفل، نظام مكافحة التحرش، وغيرها من الأنظمة ذات العلاقة.
08 الأثر
من المتوقع أن يسهم هذا النظام/المشروع في تحقيق جملة من الآثار والنتائج، من أبرزها:
1. تحديد المخاطر المحتملة على الأطفال في البيئة الرياضية، ورصدها وتحليلها بصورة دورية.
2. تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية ذات العلاقة بتحديد الحقوق، والعقوبات، والمعالجات النظامية والقانونية.
3. تحديد مرجعية واضحة لتلقي البلاغات والشكاوى، مع توفير قنوات آمنة وسرية للتواصل.
4. إعداد أدلة إجرائية وتثقيفية ملزمة للعاملين في القطاع الرياضي، تتضمن معايير السلوك المهني وآليات الوقاية.
5. تصميم وتنفيذ برامج تدريبية متخصصة للعاملين في المجال الرياضي حول أسس التعامل الآمن مع الأطفال.
6. رفع مستوى معايير تصنيف ورخص العمل، بحيث تشمل مكونات تتعلق بكفاءة الممارسين ذات العلاقة بالممارسة الأمنة في التعامل مع الأطفال في الرياضة.
7. رفع مستوى معايير تصاميم معسكرات ومقرات التدريب والمنافسات الرياضية؛ لتكون أكثر أمانًا وقابلية للمراقبة.
8. تعزيز الوعي المجتمعي بالمخاطر وسبل الوقاية لدى الأسر والأطفال والعاملين في القطاع.
9. إدماج مفاهيم الممارسات الآمنة في المناهج التعليمية والبرامج التدريبية ذات الصلة.
10. تشجيع إجراء الدراسات والبحوث والمسوح الميدانية لدعم القرارات بالبيانات والأدلة.
09 بيئة آمنة
في المحصلة، نطمح إلى طمأنة الأم والأب بأن مشاركة ابنتهما أو ابنهما في النشاط الرياضي تتم في بيئة آمنة، تحكمها أنظمة واضحة، وقنوات تواصل فاعلة، وآليات مساءلة معلنة، كما نطمح إلى تمكين الأطفال أنفسهم من التعبير عن مخاوفهم والتبليغ عن أي تجاوز بثقة وأمان، بما يعزز ثقافة الحماية ويجعل الرياضة مساحة للنمو والتمكين، لا موطنًا للمخاطر.
* رؤية
د. محمد بن عبدالله الخازم
ماجستير في تأهيل الإصابات الرياضية من أمريكا ودكتوراه في التأهيل من كندا
أكاديمي وممارس صحي «سابق» متخصص في مجال التأهيل الطبي