آخر الأخبار

القحطاني: المزواجة بين الأرقام و القيم معايير نجاح الإعلامي الاقتصادي

شارك

في زمن لم تعد فيه الأرقام وحدها تصنع القرار، ولا التقارير الجافة تجذب الاستثمار، نظم نادي الصحافة الرقمية ندوة بعنوان "الدور الثقافي في هندسة الخطاب الاقتصادي السعودي: من المعلومة إلى التأثير"، حيث أدار الحوار الكاتب الاقتصادي ورئيس نادي الصحافة الرقمية د. علي محمد الحازمي، بمشاركة الكاتب الاقتصادي ومشرف النادي ، نايف مبارك القحطاني، الفعالية ناقشت السؤال كيف تتحول رموز المملكة وقيمها ومنجزها إلى أداة استراتيجية تعزز القوة الناعمة وتخاطب المستثمر بلسان سعودي واثق ؟

استهل الطرح نايف القحطاني بالحديث عن تفكيك مفهوم الهوية الوطنية إلى أصول اقتصادية غير ملموسة، موضحاً أن الهوية ليست شعاراً للاستهلاك المحلي بل ميزانية ناعمة للدولة، ويرى القحطاني أن المكون الرمزي المتمثل في الحرمين الشريفين والعلم والنخلة يحمل "رأس مال ثقة" تراكم عبر قرون، وهو ما يجعل عبارة "صنع في السعودية" رسالة استقرار ضمنية تختصر على المستثمر تقارير المخاطر. أما المكون القيمي من كرم ووفاء، فاعتبره القحطاني بوليصة تأمين أخلاقية لا تُكتب في العقود لكنها تُحس، وتترجم اقتصادياً إلى بيئة أعمال آمنة لأن المستثمر لا يضع ماله في بلد يخون العهد. وانتقل القحطاني إلى المكون التراثي ممثلاً في الدرعية والعلا، مؤكداً أن التراث هو "القصة الخلفية" التي تمنح المنتج السعودي عمقاً لا تملكه الاقتصادات الناشئة، ففرنسا لا تبيع عطراً بل تبيع باريس، والمملكة تملك سردية حضارية عمرها ثلاثة قرون كدولة وآلاف السنين كعمق. وختم القحطاني المكونات بالمنجز المعاصر من نيوم إلى أرامكو، واصفاً إياه بالدليل المادي على أن المملكة لا تبيع ماضياً فقط، بل تقدم للمستثمر معادلة ذهبية تجمع الجذور التي تمنح الثبات والأجنحة التي تمنح الانطلاق.

وحول آليات تحويل هذه المكونات إلى رسائل اقتصادية، شدد نايف مبارك القحطاني على ضرورة عبور ثلاثة جسور هي التجسيد والترقيم والتشبيك. فالحرمين الشريفين، في رأي القحطاني، هي أعظم مكان روحي على وجه الأرض ويعني أماناً لوجستياً يظهر في إدارة موسم الحج لثلاثة ملايين إنسان بكفاءة، وسوقاً استهلاكياً ضخماً يستهدف ثلاثين مليون معتمر بحلول 2030، وشرعية معنوية تمنح السعودية قوة تفاوضية. والدرعية، كما يصفها القحطاني، هي شهادة ميلاد الدولة ودليل تاريخي على الاستدامة المؤسسية، فحين نريها لوفد استثماري نحن نقول ضمناً إن دولة بنت مؤسساتها من الصفر قبل ثلاثة قرون قادرة أن تبني نيوم اليوم، أما قيم الكرم، فيرى القحطاني أنها يجب أن تترجم فوراً إلى أرقام في لغة الأعمال: تأسيس الشركة في ثلاثة أيام، وإعفاء ضريبي لعشر سنوات، لأن الكرم السعودي ليس وليمة بل تسهيلات ومناطق خاصة وحماية قانونية.

وحذر القحطاني من "الانفصام السردي" كخطر يهدد الخطاب الاقتصادي، موضحاً أن طغيان الأصالة وحدها يحول البلد إلى متحف، وطغيان الحداثة وحدها يفقدنا الميزة التنافسية غير القابلة للنسخ. وأكد أن رؤية 2030 نجحت لأنها قدمت التوازن الصحيح بأن جذورنا ضاربة في العمق وطموحنا يعانق السماء، مستشهداً بمشروع العلا الذي قدم تراثاً عمره آلاف السنين بلغة معمارية مستقبلية وفعاليات عالمية. واعتبر القحطاني أن مواسم الرياض والعلا تحولت من فعاليات ترفيهية إلى منصات اقتصادية حين انتقلت من كونها "حفلات" إلى "معرض دائم للفرص"، فاستضافة نزال عالمي تبيع البنية التحتية والقدرة على جذب سبعين ألف متفرج، وهذا خطاب لوجستي للمستثمر قبل أن يكون ترفيهياً للجمهور. كما أن استقطاب نجوم عالميين هو "توطين للثقة"، فوجود كريستيانو رونالدو في الرياض رسالة ضمنية بأن البلد آمن ويستحق، وهو إعلان لا تشتريه المليارات.

وعن تفضيل الجمهور الدولي الشاب للفيديو القصير على التقرير الاقتصادي، أوضح نايف مبارك القحطاني أن الجيل الجديد نشأ على اقتصاد الانتباه ويبحث عن السرعة والصدق والشعور. فالتقرير يقول "نمو الناتج المحلي أربعة بالمئة"، بينما الفيديو يريه شاباً سعودياً أسس مقهى في العلا وصار يصدر البن للعالم. الأول معلومة والثاني إلهام. ويرى القحطاني أننا لا نلغي التقرير بل نترجمه، فالتقرير شهادة ميلاد والفيديو شهادة حياة، والاستثمار يحتاج عقلاً يقتنع بالأرقام وقلباً يتحمس للقصة. وقدم القحطاني نموذجاً لكتابة الخبر الاقتصادي بلغة القصة عبر مشروع نيوم، حيث البطل هو الإنسان كالمهندسة السعودية التي تصمم ذا لاين، والعقدة هي المدن المستهلكة للإنسان والبيئة، والحل هو نيوم كإجابة وفلسفة حياة جديدة بصفر كربون وصفر وقت ضائع.

وفيما يخص مهارات الكاتب الاقتصادي اليوم، رسم القحطاني هرماً يبدأ بالمهارة المالية كأساس يحمل الهرم كله، لأن من لا يفهم الميزانية لا يمكن أن يسوق اقتصاداً، ثم المهارة الرقمية كقاعدة للوصول، تليها المهارة السردية التي تحول الداتا إلى دراما وتصنع التأثير، وتتوج القمة بالمهارة الثقافية التي تفهم الهوية السعودية وعقلية المتلقي العالمي. ولتجنب الخطاب الوعظي، دعا نايف مبارك القحطاني إلى تحويل القيمة من شعار إلى مؤشر، فلا نقول "نحن كرماء" بل نقول "مؤشر سهولة الأعمال قفز ثلاثين مركزاً لأن ثقافة التسهيل جزء من قيمنا"، مؤكداً أن الأرقام لغة العالم والقيم روحها، ومهمة الإعلامي أن يزوّج بينهما. وللموازنة بين الخبر العاجل والانطباع المستدام طرح القحطاني "نظرية الطبقات": طبقة العاجل لبناء الثقة الآنية، وطبقة السياق بعد ساعة لبناء الفهم، وطبقة القصة بعد يوم لبناء الانطباع المستدام، ضارباً مثالاً بإطلاق طيران الرياض من الإعلان العاجل إلى تفسير الربط السياحي ثم قصة أول كابتن طيار سعودية.

وحول قياس نجاح الخطاب، ميز القحطاني بين مؤشرات الضجيج كالمشاهدات التي تقيس الوصول، ومؤشرات السلوك كارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر التي تقيس الفعل، ومؤشرات الصورة الذهنية وهي الأهم لأنها تقيس تحول صورة السعودية من "الصحراء والنفط" إلى "الفرص والابتكار". وأكد أن النجاح الحقيقي ليس أن يشاهدك مليار، بل أن يثق بك مليون ويستثمر منهم ألف. وعن دور الشباب كسفير رقمي، رفض نايف مبارك القحطاني منطق الوصايا ودعا إلى التمكين بأدوات ثلاث: مكتبة رقمية للمحتوى عالي الجودة، وورش في السرد الرقمي، ومنح الثقة عبر إشراك المؤثرين في التخطيط لأن الشاب حين يشعر بالملكية يصبح أفضل سفير.

وختم القحطاني برسالة لصناع القرار مفادها أن "الرواية الأصدق" هي الخيار الاستراتيجي لأنها الوحيدة التي تضمن الصورة الأجمل والقصة الأكثر إلهاماً على المدى الطويل. فالصورة يمكن تجميلها لكنها تسقط عند أول أزمة، والقصة يمكن تأليفها لكنها تموت بلا سند على الأرض. أما الرواية الأصدق فلها جذور في المنجز، وأجنحة في الطموح، وروح في القيم. وعندما نكون صادقين نصبح تلقائياً أجمل لأن الثقة أعلى مراتب الجمال، وأكثر إلهاماً لأن لا شيء يلهم أكثر من الحقيقة حين تتحقق. ودعا القحطاني إلى تسويق حقيقة في طريقها لتصبح حلماً، لأن الفرق بين الدعاية والقوة الناعمة هو أن الأولى تبيع الوهم والثانية تبيع الأمل الممكن.

السؤال الذي خرجت به الندوة لم يعد: هل نملك هوية اقتصادية؟ بل صار: من يتقن هندسة هذه الهوية لتحول المعلومة الباردة إلى تأثير راسخ يجذب العالم بلسان سعودي واثق.

الرياض المصدر: الرياض
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا