نفذت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مهمة اتصالية ميدانية خلال شهر أبريل (نيسان) 2026، شملت أربع قارات وخمس دول هي: الفلبين، أوغندا، فرنسا، بريطانيا، وسورينام، وذلك بهدف رصد وتتبع أثر خريجيها حول العالم، وجاءت هذه المهمة بتوجيه من رئيس الجامعة د. صالح العقلا، ونفذها مستشاره د. حسن النجراني، في إطار جهود الجامعة في تعزيز حضورها الدولي وقياس صورتها الذهنية خارجياً، وأكدت المهمة، وفق القائمين عليها، أن قوة التأثير الدولي للمؤسسات لا تقاس بما ترويه عن نفسها، بل بما ينقله الآخرون عنها استناداً إلى تجاربهم المباشرة، وهو ما سعت الجامعة إلى الوقوف عليه من خلال التواصل مع خريجيها وشركائها في تلك الدول، وشملت الجولة لقاءات ميدانية ونقاشات مباشرة مع عدد من خريجي الجامعة، لرصد إسهاماتهم العلمية والدعوية والمجتمعية، إلى جانب الوقوف على التحديات والفرص المرتبطة بتعزيز دورهم في بلدانهم، بما يعكس الامتداد العالمي للجامعة وأثرها المتنامي
من القاعات إلى البرلمانات
في الفلبين، لم يكن اللقاء مع الدكتور محمد شعيب يعقوب، رئيس برلمان بنغسامورو، مجرد مقابلة مع خريج؛ بل كان قراءة حيّة لكيف تتحول المعرفة إلى سلطة تشريعية تُدار بروح الاعتدال. بعد ثلاثة عقود من تخرّجه، ما زالت مخرجات الجامعة حاضرة في خطابه وممارساته، في بيئة متعددة الأديان والثقافات، وفي أوغندا، برز نموذج آخر مع الدكتور راشد يحيى، السفير السابق لدى المملكة والحالي لدى السودان، حيث يتقاطع العمل الدبلوماسي مع الرصيد العلمي والقيمي الذي صاغته الجامعة، ليصبح أداة للتقريب بين الدول والشعوب.
وفي جزر القمر، يظهر الأثر بصورة أكثر عمقاً مع الشيخ الدكتور سعيد برهان عبد الله، رئيس اتحاد علماء أفريقيا، الذي أسّس أول جامعة، وأسهم في إدخال التعليم ضمن مؤسسات الدولة. هنا يتجاوز الدور حدود الفرد ليصنع بنية معرفية مستدامة داخل دولة ناشئة.
نماذج في دول غير مسلمة
في بريطانيا، يقدّم الدكتور علي ديزمبا عمر نموذجاً فريداً كأول إمام وضابط رسمي مسلم في سلاح الجو الملكي البريطاني. إنه تمثيل عملي لفكرة “المواطنة المتوازنة”، حيث تتكامل الهوية الدينية مع الخدمة الوطنية في سياق غير مسلم، دون تناقض أو انكفاء، وفي أقصى أمريكا الجنوبية، في سورينام، يبرز معالي الوزير ستانلي ليجيو، وزير سياسة الأراضي وإدارة الغابات، بوصفه نموذجاً آخر لتأثير التعليم السعودي في صناعة القرار العام ضمن بيئات ثقافية وجغرافية بعيدة.
اللافت في هذه الرحلة أن أربعة من هؤلاء الرواد يعملون في دول غير مسلمة، ما يعكس أن المقاربة السعودية—عبر مؤسساتها التعليمية—لا تميّز بين الجغرافيا بقدر ما تركّز على الإنسان. إنّها دبلوماسية ناعمة تتأسس على التعليم، وتُترجم إلى سلوك مهني معتدل، قادر على التعايش والإسهام في مجتمعات متنوعة.
من السرد إلى الصورة
لم تكن هذه الزيارات توثيقاً تقليدياً، بل مشروعاً اتصالياً متكاملاً لإنتاج أفلام وثائقية ترصد “الأثر” في سياقه الحقيقي: من البرلمان إلى المسجد، ومن المؤسسة التعليمية إلى موقع القرار. وقد أظهرت ردود فعل الخريجين قيمة هذا التتبع؛ إذ بدت السعادة واضحة وهم يشاهدون “الجامعة الأم” تعود لتحتفي بمساراتهم وتعيد سرد قصصهم، ما قدمته المملكة العربية السعودية خلال سبعة عقود في مجال التعليم—وخاصة عبر الجامعة الإسلامية—ليس مجرد أرقام خريجين، بل شبكة تأثير عالمية قائمة على الاعتدال والمعرفة. ومن منظور اتصالي، فإن تحويل هذا الأثر إلى ممارسة سنوية للتتبع والتكريم، مع توظيف أدوات السرد البصري، سيعزّز من حضور المملكة دولياً، ويمنح سرديتها مصداقية متجددة قائمة على الشواهد الحية، هذه الرحلة لم تكن تنقلاً بين دول، بل عبوراً بين نماذج إنسانية تشكّلت في المدينة المنورة، ثم أعادت إنتاج قيمها في العالم. وهنا تكمن قوة الرسالة السعودية: أثرٌ يتجاوز الحدود، ويستثمر في الإنسان، ليصبح هو ذاته وسيط الاتصال الأكثر صدقاً وتأثيراً.
المصدر:
الرياض