لم تعد الملابس مجرد منتج استهلاكي يرتبط بالذوق أو السعر، بل باتت جزءًا من نقاش أوسع يمس الصحة وجودة الحياة. وفي ظل تصاعد التحقيقات العالمية المرتبطة بسلامة بعض المنتجات من الملابس، يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل ما نرتديه يوميًا آمن فعلًا؟ أم إن الثقة بالعلامات التجارية سبقت التحقق من المكونات؟
تحول في وعي المستهلك
في الفترة الأخيرة تجاوزت قضايا السلامة الكيميائية حدود المختبرات والتقارير البيئية، وانتقلت إلى صلب اهتمام المستهلك، فالملابس– خصوصاً الرياضية– لم تعد تشترى فقط للأداء أو الشكل، بل لما تحمله من وعود مرتبطة بالصحة والاستدامة.
لكن هذا التحول كشف فجوة واضحة بين الخطاب التسويقي والواقع الصناعي، خصوصًا مع الحديث عن استخدام بعض المواد الكيميائية التي تمنح الأقمشة خصائص مثل مقاومة الماء والبقع، لكنها في الوقت ذاته تثير مخاوف وتساؤلات صحية.
«المواد الأبدية».. قلق يتجدد
تعرف بعض هذه المركبات بما يسمى «المواد الأبدية» وذلك بسبب قدرتها العالية على الثبات، مما يجعلها تستمر لفترات طويلة في البيئة، وقد تتراكم في الجسم مع الوقت.
ورغم أن الأبحاث لا تزال مستمرة لتحديد حجم تأثيرها بدقة، فإن الربط بينها وبين اضطرابات صحية محتملة جعلها محور قلق عالمي.
وهنا تكمن الإشكالية، فليست كل المنتجات ضارة بالضرورة، لكن مجرد احتمال وجود فجوة في الشفافية كاف لإثارة الشك.
من المنتج إلى «الوعد»
تنتقل القضية من إطار كونها تتعلق بقطعة قماش، إلى كونها مرتبطة بوعد تسويقي كامل. فعندما يسوق المنتج باعتباره داعمًا للصحة أو نمط الحياة النشط، فإن سقف التوقعات يرتفع، ويصبح أي خلل– حتى لو كان قيد التحقيق– مؤثرًا على ثقة المستهلك.
وفي هذا السياق، يرى مختصون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في المادة بحد ذاتها بقدر ما يكمن في اهتزاز الثقة بين المستهلك والعلامة التجارية.
الثقة ليست ضمانًا
أكد مختصون أن الاعتماد على اسم العلامة التجارية أو ارتفاع السعر لم يعد معيارًا كافيًا للحكم على جودة المنتج، مشيرين إلى أن الجودة ترتبط بعوامل عدة، تشمل المواد الخام، وآليات التصنيع، والرقابة، كما أن سلاسل التوريد العالمية المعقدة قد تؤدي إلى تفاوت في الجودة حتى داخل المنتج الواحد، في إشارة إلى أن السمعة التجارية تمنح انطباعًا، لكنها لا تعني ضمانًا مطلقًا للسلامة.
ويمكن القول إن المخاوف الصحية في قطاع صناعة الملابس أصبحت أعمق، لا لأن كل المنتجات ثبتت خطورتها، بل لأن سقف التوقعات ارتفع، ولأن المستهلك بات أكثر حساسية تجاه الفجوة بين الخطاب التسويقي والواقع الكيميائي.
وما بين جدل حول إحدى أكبر منصات التسوق الإلكترونية العالمية المتخصصة في الأزياء السريعة والإكسسوارات ومنتجات التجميل السابق المتعلق بأن بعض الملابس التي تسوقها غير آمنة، وتحقيق شركة ملابس رياضية أمريكية عالمية الحالي حول وجود مواد مسرطنة في بعض ملابسها، تبدو الصناعة أمام منعطف واضح حيث لم يعد يكفي أن تقول العلامة التجارية إن منتجها «مستدام» أو «يدعم نمط الحياة الصحي»، بل عليها أن تثبت ذلك بلغة اختبارية ورقابية مفهومة وشفافة.
اهتمام عالمي
كانت وكالات إعلامية محلية ودولية قد أظهرت مشكلة كون بعض الملابس غير آمنة صحيا بوضوح بعد إعلان المدعي العام في تكساس كين باكستون فتح تحقيق مدني رسمي مع شركة ملابس رياضية أمريكية بشأن الاشتباه في وجود مواد PFAS، المعروفة باسم «المواد الأبدية»، في بعض منتجاتها الرياضية.
في المقابل، وعلى الرغم من دفاع الشركة عن نفسها بكونها أوقفت استخدام PFAS تدريجيًا في منتجاتها خلال عامي 2023 – 2024، وأن منتجاتها الحالية تخضع لاختبارات صارمة عبر جهات مستقلة، إلا أن جوهر الإشكال لا يتمحور حول «الآن» فقط، بل تكمن حساسية القضية، في أنها تمس الثقة أكثر من مجرد التركيبة الكيميائية.
وعلى منصات التواصل، تصاعدت النقاشات حول مدى أمان الملابس الرياضية، والفرق بين «التسويق الصحي» و«التركيبة الفعلية»، إضافة إلى مطالبات للعودة إلى الأقمشة الطبيعية في مشهد يعكس تحول المستهلك من متلق للرسالة التسويقية إلى مدقق في مكوناتها.
سابق الجدل
عادت إلى الواجهة أيضا سوابق الجدل حول شركة التسوق الإلكتروني العالمية المتخصصة في بيع الملابس والإكسسوارات وأدوات التجميل، ففي 2025 قالت Greenpeace Germany، إن 18 قطعة من أصل 56 قطعة اختبرت من منتجات الشركة احتوت على مواد كيميائية خطرة تتجاوز حدود لائحة REACH الأوروبية، بما في ذلك ملابس أطفال.
كما أعادت جهات أخرى التذكير بنتائج سابقة من 2022 رصدت تجاوزات في بعض المنتجات.
ما هي PFAS؟
بحسب وكالة حماية البيئة الأمريكية PFAS هي مجموعة واسعة من المواد الكيميائية الصناعية تستخدم لمنح الأقمشة خصائص مقاومة للماء والبقع، لكنها تتميز بقدرتها على البقاء لفترات طويلة جدًا دون تحلل.
وتحذر الوكالة من أن بعض هذه المركبات قد يرتبط بمخاطر صحية محتملة، تشمل اضطرابات هرمونية، مشكلات في الخصوبة، واحتمالات متزايدة لبعض أنواع السرطان.
وعلى الرغم من أن الأبحاث لا تزال مستمرة لتحديد حجم التأثير بدقة، فإن القلق العالمي يتزايد بشأن التعرض التراكمي لهذه المواد، خصوصًا في المنتجات التي تلامس الجلد بشكل مباشر.
قضايا السلامة
عن ذلك، يقول الاختصاصي في الاقتصاد الصحي عاطف الأسود «في الفترة الأخيرة برزت قضايا تتعلق بسلامة بعض المنتجات الاستهلاكية في بعض الشركات المعروفة، وهذه الحالات لا تعني بالضرورة أن جميع المنتجات غير آمنة لكنها تفتح بابًا مهمًا للتساؤل حول طبيعة الثقة التي يمنحها المستهلك للعلامات التجارية»
ولفت إلى أن «الاعتماد على اسم الشركة أو ارتفاع سعر المنتج قد يعطي انطباعًا بالجودة لكنه لا يمثل ضمانًا كاملًا لسلامة المنتج لأن الجودة ترتبط بعوامل متعددة مثل المواد المستخدمة، وطرق التصنيع، ومستوى الرقابة، والالتزام بالمعايير، لذلك فإن الحكم على المنتج يحتاج إلى قدر من التحقق وليس فقط الانطباع».
وأكمل «الواقع يشير إلى أن الأسواق الحديثة معقدة وسلاسل الإمداد تمتد عبر دول متعددة، وهذا قد يؤدي أحيانًا إلى تباين في مستوى الجودة حتى داخل العلامة التجارية الواحدة، ولذلك فإن وجود حالات يتم التحقيق فيها لا يعد أمرًا مستبعدًا في بيئة إنتاج واسعة ومتغيرة».
واستدرك «المهم في هذا السياق هو تعزيز وعي المستهلك بحيث يكون قادرًا على اتخاذ قرار مبني على معرفة من خلال الإطلاع على المعلومات المتاحة عن المنتج وفهم مكوناته ومتابعة ما يصدر عن الجهات الرقابية دون تهويل أو تقليل من أهمية الموضوع، وفي النهاية تبقى الثقة في المنتجات مسألة نسبية تعتمد على التوازن بين سمعة العلامة التجارية، وشفافية المعلومات، ووعي المستهلك، مما يجعل الاختيار الواعي هو العامل الأهم في التعامل مع المنتجات في الأسواق الحديثة».
الثقة لا تشترى بالسعر
يصر الاختصاصي الاقتصادي الدكتور ماهر السيف على أن «الثقة لا تشترى بالسعر».
وشرح «في الأيام الماضية، عاد سؤال قديم إلى الواجهة بثوب جديد: هل يكفي أن يكون المنتج غاليًا، وتحمل علامته اسمًا عالميًا، حتى نطمئن إليه؟».
ويضيف «غير أن القضية الأهم ليست اسم هذه الشركة أو تلك، بل الفكرة التي يجب أن تستقر في ذهن المستهلك والتي تقول إن: العلامة التجارية ليست صك براءة أبديا، والسعر المرتفع ليس شهادة أمان نهائية. فالأسواق الحديثة معقدة، وسلاسل التوريد فيها تمتد عبر دول ومصانع وموردين ومقاولين فرعيين، وقد يبقى اسم الشركة في الواجهة بينما تتوزع المخاطر في الخلفية. لهذا لا ينبغي للمستهلك أن يشتري بعينه قبل عقله، ولا أن يسلم لسطوة الإعلان كما يسلم لحقيقة مختبرة. فكم من منتج يلمع في الصورة، ثم تتبين الحاجة إلى مراجعة مواصفاته أو اختبار مكوناته أو حتى سحبه من السوق».
ويتابع «ما يزيد أهمية هذا الوعي أن الجهات الرقابية نفسها باتت تتعامل مع ملف السلامة بجدية متصاعدة. فالوكالة الأمريكية لحماية البيئة توضح أن التعرض لبعض مركبات PFAS قد يرتبط بآثار صحية ضارة، مع استمرار الأبحاث لفهم آثارها الدقيقة على المدى الطويل.
وفي أوروبا، أظهر تقرير Safety Gate لعام 2025 تسجيل 4671 تنبيهًا بشأن منتجات غير غذائية خطرة، وكان الخطر الكيميائي هو الأكبر من حيث نسبة الإشعارات. هذه الأرقام لا تعني أن الأسواق فقدت الأمان، لكنها تعني أن اليقظة لم تعد خيارًا ثانويًا؛ بل صارت جزءًا من ثقافة الشراء الرشيد. لذلك، فإن المستهلك الواعي لا يكتفي بالسؤال: ما الماركة؟ بل يسأل أيضًا: ما بلد المنشأ؟ ما المواد الداخلة في التصنيع؟ هل توجد شهادات مطابقة أو تحذيرات أو سوابق سحب؟ وهل هناك فرق بين لغة التسويق ولغة المواصفات؟».
ويكمل «حتى في الولايات المتحدة، تواصل FTC ملاحقة الادعاءات التسويقية المضللة المتعلقة بمنشأ المنتجات، بينما تتيح CPSC ومنصة SaferProducts البحث عن التحذيرات وبلاغات السلامة الخاصة بالسلع. الرسالة هنا واضحة: الثقة الذكية لا تبنى على الشهرة وحدها، بل على التحقق.»
ويردف «إن رفع وعي المستهلك اليوم ليس ترفًا ثقافيا، بل ضرورة اقتصادية وصحية وأخلاقية. فالمستهلك الذي يقرأ الملصق، ويتابع التحذيرات، ويقارن بين الدعاية والبيانات، لا يحمي نفسه فقط؛ بل يدفع السوق كله إلى مستوى أعلى من الشفافية. وفي زمن تتسابق فيه العلامات على كسب ولاء الناس، يبقى السؤال الأصدق: هل نشتري الاسم، أم نشتري السلامة؟ هنا يبدأ الوعي، وهنا فقط تصبح الثقة قرارًا ناضجًا، لا انبهارًا عابرًا».
لماذا يحذر الخبراء من اعتماد المستهلك على العلامة التجارية فقط؟
ـ اسم العلامة التجارية لا يعني بالضرورة أن جميع منتجاتها آمنة
ـ جودة المنتج لا ترتبط بالاسم التجاري أو ارتفاع سعر المنتج
ـ الجودة ترتبط بعوامل منها:
1ـ المواد المستخدمة
2ـ طرق التصنيع
3ـ مستوى الرقابة
4ـ الالتزام بالمعايير
ـ سلاسل إمداد المنتج حتى لو حمل اسم علامة تجارية تمتد عبر دول متعددة مما يؤدي لتباين مستوى الجودة
كيف يتم الوثوق بمنتج؟
ـ المسألة نسبية تعتمد على:
1ـ التوازن بين سمعة العلامة التجارية وشفافية المعلومات
2ـ وعي المستهلك
3ـ العلامة التجارية ليست صك براءة أبدي
4ـ السعر المرتفع ليس شهادة أمان نهائية
5ـ يقطة المستهلك لم تعد خيارًا ثانويًا بل جزءًا من ثقافة الشراء الرشيد
6ـ لا بد من التركيز إضافة لاسم الماركة على بلد المنشأ، ومواد التصنيع، وشهادات المطابقة أو التحذيرات أو سوابق السحب