في الوقت الذي يشهد فيه قطاع البناء والتطوير العقاري في المملكة نموًا متسارعًا مدفوعًا برؤية طموحة ومشاريع إسكانية متزايدة، برزت على السطح مشكلة تؤرق عددًا من ملاك الشقق الجديدة، تتمثل في تدني جودة التشطيبات، خصوصًا في أعمال السباكة والكهرباء.
ويشير ملاك إلى أن بعض المقاولين يلجؤون لاستخدام مستلزمات تجارية منخفضة الجودة بهدف تقليل التكاليف وزيادة هامش الربح، ما يؤدي لاحقًا إلى أعباء مالية إضافية على المالك نتيجة الأعطال المتكررة وأعمال الصيانة، مطاليين بإيجاد حلول من قبل الرقابية لحماية الملاك الجدد من الغش.
تجارب الملاك
استعرض عدد من الملاك تجاربهم مع وحداتهم السكنية التي لم يمضِ على استلامها وقت طويل، حيث ظهرت مشكلات مبكرة مثل تسربات المياه داخل الجدران، وضعف في ضغط المياه، إضافة إلى التماسات كهربائية وانقطاعات مفاجئة. وأكدوا أن هذه الأعطال لم تكن نتيجة سوء استخدام، بل تعود في الغالب إلى رداءة المواد المستخدمة أو ضعف كفاءة التنفيذ. ويرى مختصون أن هذه العيوب غالبًا ما تكون "مخفية" وقت التسليم، لتظهر تدريجيًا بعد فترة قصيرة، ما يزيد من صعوبة معالجتها دون تكاليف إضافية.
غش تجاري أم ضعف رقابة؟
في هذا السياق، أوضح المتخصص في قطاع المقاولات المهندس أحمد ظافر، أن بعض هذه الممارسات يمكن تصنيفها ضمن الغش التجاري الصريح، خاصة عند استبدال المواد المتفق عليها ببدائل أقل جودة دون علم المالك. ويضيف أن غياب المعرفة الفنية لدى بعض الملاك يمنح المقاول فرصة لتمرير هذه المخالفات دون اكتشافها في حينها.
من جهته، يشير المستشار القانوني خالد جمال إلى أن الأنظمة في المملكة تجرّم مثل هذه الممارسات، وتكفل للمتضرر حق التقدم بشكوى رسمية عبر الجهات المختصة، مثل وزارة التجارة أو المحاكم. ويؤكد أن وجود عقد تفصيلي وواضح بين المالك والمقاول، يتضمن مواصفات المواد وجودتها، يمثل حجر الأساس في حماية الحقوق وتقليل النزاعات.
من يحمي المالك
يرى مستثمرون في القطاع العقاري أن مسؤولية حماية المالك لا تقع على جهة واحدة، بل تتوزع بين عدة أطراف، في مقدمتها الجهات الرقابية كوزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ووزارة التجارة، إلى جانب دور المكاتب الهندسية المشرفة على المشاريع. ويؤكدون أن وجود إشراف هندسي مستقل خلال مراحل التنفيذ، خاصة في أعمال البنية التحتية والتشطيبات، يسهم بشكل كبير في الحد من التجاوزات وضمان الالتزام بالمواصفات.
كما ينصح مختصون الملاك بعدم الاكتفاء بالفحص الظاهري عند استلام الوحدة، بل الاستعانة بمهندس متخصص لإجراء فحص شامل، خصوصًا للأعمال المخفية مثل تمديدات السباكة والكهرباء، التي تُعد الأكثر عرضة للعيوب طويلة الأمد.
وعي المالك خط الدفاع الأول
في المقابل، يؤكد الخبير في حماية المستهلك صقر العطوي أن وعي المالك يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الممارسات. ويشدد على أهمية الاطلاع على نوعية المواد المستخدمة، وطلب الفواتير، والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية، إضافة إلى التعامل مع مقاولين معتمدين وذوي سمعة جيدة، حتى وإن ارتفعت التكلفة نسبيًا.
ويختتم بالإشارة إلى أن الجودة في البناء ليست رفاهية، بل استثمار طويل الأمد يحمي المالك من خسائر مستقبلية. وفي ظل هذه التحديات، يبقى تعزيز الرقابة وتكثيف الوعي ضرورة ملحّة، لضمان حقوق الملاك ورفع مستوى جودة المشاريع السكنية، بحيث لا يظل المالك الحلقة الأضعف في معادلة البناء.
الركائز النظامية للحماية من الغش في البناء
- كود البناء السعودي (SBC) المرجع الفني للمعايير والاشتراطات التي تضمن سلامة المنشآت وكفاءتها.
- السجن 3 سنوات وغرامة مليون ريال للغش في البناء وفقا لنظام مكافحة الغش التجاري.
- تأمين إلزامي للمباني السكنية الجديدة يغطي العيوب لمدة تصل إلى 10 سنوات.