في ظل التحديات البيئية المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه أزمة التغير المناخي من ضرورة تبني حلول مبتكرة ومستدامة، برزت المملكة لاعبًا محوريًا في قيادة العمل المناخي إقليميًا وعالميًا، من خلال إطلاق مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، اللتين تمثلان رؤية استراتيجية طموحة لحماية البيئة وتعزيز الاستدامة. وأطلق ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان هاتين المبادرتين في مارس 2021، في خطوة تؤكد التزام المملكة بدورها الريادي في مواجهة التحديات البيئية، وترسيخ مسار تنموي يوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية.
العمل المناخي
تجسد مبادرة السعودية الخضراء التحول البيئي الكبير الذي تقوده المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث تسعى إلى إعادة رسم ملامح البيئة الطبيعية في البلاد عبر برنامج شامل للتشجير واستعادة الأنظمة البيئية، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتوسيع نطاق المناطق المحمية البرية والبحرية. وتطمح المبادرة إلى زراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة، وإعادة تأهيل 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، بما يسهم في مكافحة التصحر والحد من العواصف الرملية وتحسين جودة الحياة وتعزيز التنوع البيولوجي.
وفي موازاة الجهد الوطني، جاءت مبادرة الشرق الأوسط الأخضر لتوسّع نطاق العمل المناخي من الإطار المحلي إلى الإطار الإقليمي، حيث تقود المملكة من خلالها تعاونًا واسعًا مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمواجهة آثار التغير المناخي وتعزيز الاستدامة البيئية في المنطقة. وتستهدف المبادرة زراعة 50 مليار شجرة في المنطقة، منها 10 مليارات داخل المملكة، إلى جانب استصلاح مساحات واسعة من الأراضي المتدهورة، وخفض الانبعاثات الكربونية، وبناء منظومة تعاون إقليمي تشمل نقل المعرفة، وتطوير التقنيات البيئية، وتعزيز الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر.
تقليل الانبعاثات
يتمحور هدف تقليل الانبعاثات الكربونية في مبادرة السعودية الخضراء على تطبيق مجموعة متنامية من مشاريع الطاقة المتجددة، وتنشيط المبادرات لتخفيض الانبعاثات الكربونية، وتزويد الصناعات المختلفة ووسائل النقل والمباني بالطاقة التي تلزمها بكفاءة وفعالية، من أجل تعزيز ودعم وتوحيد جهود مكافحة أزمة المناخ وآثار التغير المناخي وإعادة التوازن البيئي.
وتعمل مبادرة السعودية الخضراء من خلال هدف حماية المناطق البرية والبحرية على زيادة نسبة المناطق المحمية إلى أكثر من 30% من إجمالي مساحة الأراضي في المملكة، وذلك لتقوية وتعزيز التنوع البيولوجي واسترداد البيئة الطبيعية المحلية.
إنجازات خضراء
زُرعت 10 ملايين شجرة في مختلف مناطق المملكة ضمن حملة «لنجعلها خضراء»، وزرعت أرامكو 4 ملايين شجرة مانجروف، منها مليونَا شجرةٍ في عام 2020. ومن جانب إنتاج مشاريع الطاقة المتجددة الحالية، ستنتج مشاريعها طاقة كافية لتزويد 600 ألف مسكن بالكهرباء، وسينخفض أكثر من 7 ملايين طن من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري سنويًّا.
وزادت نسبة المحميات الطبيعية في المملكة خلال الأعوام 2016 إلى 2020م من 4% إلى ما يزيد على 16%، وسيُشغَّل عدد من المشاريع بالطاقة المتجددة، مثل مشروع ذا لاين، ومشروع البحر الأحمر، وسيولد مشروع نيوم وأكواباور لإنتاج الهيدروجين طاقة تكفي لتشغيل 20 ألف حافلة تعمل بالهيدروجين يوميًّا.
مشاريع المبادرة
أُطلق العديد من المشاريع لتحقيق أهداف مبادرة السعودية الخضراء وزيادة تأثير العمل المناخي في السعودية، تضمنت أكثر من 60 مبادرة في مجال البيئة والطاقة النظيفة لدعمها في تحقيق ثلاثة من أهداف مبادرة السعودية الخضراء؛ وهي خفض الانبعاثات الكربونية، وتشجير السعودية، وحماية المناطق البرية والبحرية. وتسعى المملكة في إطار مبادرة السعودية الخضراء إلى تحقيق تطلعاتها لبناء مستقبل أكثر استدامةً للجميع، مع اتخاذ خطوات عملية تدعم التزامها تجاه التنمية المستدامة.
مبادرات نوعية
يُعقد منتدى مبادرة السعودية الخضراء سنويًا تحت رعاية ولي العهد، ويوفر المنتدى منصةً تجمع قادة العمل المناخي لمناقشة أفضل الممارسات، وتسليط الضوء على الابتكار، وتقييم التقدم المحرز نحو تحقيق الأهداف الوطنية، واتخاذ إجراءات ملموسة للتصدي لتغير المناخ.
وفي 17 ربيع الأول 1443 / 23 أكتوبر 2021، أطلق الأمير محمد بن سلمان النسخة الأولى للمنتدى السنوي لمبادرة السعودية الخضراء في الرياض، الذي يُعنى بإطلاق المبادرات البيئية الجديدة للمملكة، ومتابعة أثر المبادرات التي أُعلِن عنها سابقًا، بما يحقق مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء.
وأعلن ولي العهد عن إطلاق الحزمة الأولى من المبادرات النوعية في المملكة لتكون خارطة طريق لحماية البيئة ومواجهة تحديات التغيُّر المناخي، التي من شأنها الإسهام في تحقيق المستهدفات الطموحة لمبادرة السعودية الخضراء. وتمثل هذه الحزمة استثمارات بقيمة تزيد على 700 مليار ريال، مما يسهم في تنمية الاقتصاد الأخضر، وخلق فرص عمل نوعية، وتوفير فرص استثمارية ضخمة للقطاع الخاص، وفق رؤية السعودية 2030.
وأشار إلى إطلاق المملكة مبادرات في مجال الطاقة من شأنها تخفيض الانبعاثات الكربونية بمقدار 278 مليون طن سنويًّا بحلول عام 2030، وبدء المرحلة الأولى من مبادرات التشجير بزراعة أكثر من 450 مليون شجرة، وإعادة تأهيل 8 ملايين هكتار من الأراضي المتدهورة، وتخصيص أراضٍ محمية جديدة، ليصبح إجمالي المناطق المحمية في المملكة أكثر من 20% من إجمالي مساحتها. كما أعلن ولي العهد عن استهداف السعودية للوصول إلى الحياد الصفري في عام 2060 من خلال نهج الاقتصاد الدائري للكربون.
تعزيز العمل المشترك
في 20 أكتوبر 2022 أعلن ولي العهد انطلاق النسخة الثانية من «قمة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» يوم 7 نوفمبر، و«منتدى مبادرة السعودية الخضراء» يومي 11 و12 نوفمبر 2022 في مدينة شرم الشيخ، تحت شعار «من الطموح إلى العمل»، بالتزامن مع انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيّر المناخ (COP27).
وجمع منتدى مبادرة السعودية الخضراء 2022 نخبة من وزراء الحكومات والخبراء وقادة الفكر، لمناقشة التقدم المحرز في تنفيذ المبادرات التي أعلن عنها ولي العهد في النسخة الافتتاحية للمنتدى في عام 2021م. ويعكس شعار المنتدى 2022م رؤية السعودية الرامية إلى تحويل الطموح إلى واقع من خلال تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات المناخية التي تطال العالم.
بطبيعتنا نبادر
في 3 ديسمبر 2023، أُقيمت فعاليات النسخة الثالثة من منتدى مبادرة السعودية الخضراء تزامنًا مع الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP28) في دبي، وكشفت المملكة عن تحقيق زيادة بنسبة 300% في حصة الطاقة المتجددة من مزيج الطاقة المحلي منذ عام 2022م، وزراعة نحو 43 مليون شجرة لتحقيق هدف زراعة 10 مليارات شجرة.
وفي 3 ديسمبر 2024م افتُتحت أعمال النسخة الرابعة من منتدى مبادرة السعودية الخضراء تحت شعار «بطبيعتنا نبادر»، بالتزامن مع الدورة السادسة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP16) التي تستضيفها مدينة الرياض تحت شعار «أرضنا، مستقبلنا».
تحسين جودة الحياة
أقر مجلس الوزراء في 19 مارس 2024 تحديد 27 مارس من كل عام يومًا رسميًا لمبادرة السعودية الخضراء، تحت اسم «يوم مبادرة السعودية الخضراء»، ليتزامن مع ذكرى إطلاق المبادرة في اليوم ذاته من عام 2021م.
وحملت النسخة الأولى من يوم مبادرة السعودية الخضراء في 2024 شعار «لحاضرنا ومستقبلهم، نمضي لغدٍ أكثر استدامة»، بهدف بناء إرث مستدام للأجيال القادمة، ودعم تعزيز الاستدامة البيئية، والتوعية بتأثير نحو 80 مبادرة نفذها القطاعان العام والخاص ضمن مبادرة السعودية الخضراء، بلغت استثماراتها نحو 705 مليارات ريال في الاقتصاد الأخضر.
وساعدت المبادرات في تحسين جودة الحياة، وتوفير فرص اقتصادية في قطاعات جديدة، وفقًا لمستهدفات رؤية السعودية 2030، واستعادة البيئات الطبيعية، وحماية التنوع البيولوجي وسبل العيش، عن طريق الحد من العواصف الغبارية والرملية، وزيادة معدلات هطول الأمطار، بهدف دعم جهود مكافحة التصحر وزحف الرمال.
إسهامات مبادرة السعودية الخضراء
أسهمت مبادرة السعودية الخضراء منذ انطلاقها في 27 مارس 2021م وحتى 27 مارس 2024م في ربط مشاريع للطاقة المتجددة بسعة تقدر بـ2.8 جيجاوات مع شركة الكهرباء الوطنية، وهو ما يكفي لتزويد نحو 520 ألف منزل بالطاقة الكهربائية، وذلك ضمن تحقيق هدف خفض انبعاثات الكربون بنحو 278 مليون طن سنويًّا بحلول عام 2030م، وزراعة نحو 49 مليون شجرة، واستصلاح 94 ألف هكتار من الأراضي المتدهورة، لتحقيق هدف زراعة نحو 10 مليارات شجرة خلال العقود القادمة.
كما أسهمت المبادرة في ارتفاع نسبة المناطق البرية المحمية إلى 18.1%، ونسبة المناطق البحرية المحمية إلى 6.49% من إجمالي مساحة السعودية، وإعادة توطين نحو 1.660 من الحيوانات المهددة بالانقراض، بهدف الوصول إلى حماية 30% من مساحة المناطق البرية والبحرية في السعودية بحلول عام 2030م.