تشهد مدينة جدة، في الآونة الأخيرة، نشاطًا ملحوظًا في قطاع البناء والترميم، وهو ما انعكس على زيادة الطلب على مستلزمات وأدوات الكهرباء المستخدمة في المنازل والمشاريع الصغيرة. ومع اتساع السوق وتعدد منافذ البيع، برزت في المقابل مخاوف متزايدة من انتشار بعض المنتجات الكهربائية المغشوشة أو منخفضة الجودة التي تُعرض بأسعار مغرية تجذب المستهلكين، لكنها قد تخفي وراءها مخاطر كبيرة تمس سلامة المنازل وسكانها.
وفي ظل هذه التحديات، يسلط مختصون وفنيون ومقاولون الضوء على أساليب الغش المتزايدة في بعض الأدوات الكهربائية، محذرين من أن التوفير البسيط في التكلفة قد يتحول إلى خسائر مادية أو أعطال خطرة تصل أحيانًا إلى حرائق أو تلف الأجهزة المنزلية.
وبين جهود الجهات الرقابية ومسؤولية التاجر والمقاول ووعي المستهلك، تبقى سلامة المنتجات الكهربائية قضية تتطلب مزيدًا من الانتباه والتنظيم لحماية المستخدمين وضمان جودة ما يُطرح في الأسواق.
انصهار العازل
أوضح منصور ماهر ويعمل كهربائيًا، أن الغش لا يكون دائمًا واضحًا للمشتري العادي، إذ تُعرض أسلاك وقواطع ومفاتيح كهربائية بعبوات مشابهة للعلامات الأصلية، بينما تكون مكوناتها الداخلية أقل سماكة أو مصنوعة من مواد رديئة. ويشير إلى أنه يعمل في مجال التمديدات منذ أكثر من عشر سنوات وأن بعض الأسلاك تُكتب عليها قدرة تحمل عالية، لكنها في الواقع لا تتحمل نصفها، ما يؤدي إلى ارتفاع الحرارة وانصهار العازل مع مرور الوقت.
أساليب الغش
أشار الكهربائي محمد عبدالعال إلى أن من أبرز صور الغش التي يرصدها العاملون في المجال تقليل سماكة النحاس داخل السلك مع الإبقاء على الغلاف الخارجي بالحجم نفسه، ما يصعّب اكتشاف الفرق، كذلك تقليد العلامات التجارية المعروفة عبر تغيير بسيط في الاسم أو الشعار، ومن ضمن أساليب الغش إعادة تعبئة منتجات رديئة داخل علب تحمل بيانات مضللة وبيع قواطع كهربائية لا تفصل التيار عند الحمل الزائد كما هو مفترض.
علامة المطابقة
إلى ذلك، أوضح عدد من المقاولين، أن بعض ملاك المنازل يختارون الأرخص دون الانتباه إلى المواصفات الفنية، خاصة في مشاريع الترميم الصغيرة، ما يفتح المجال أمام بعض ضعاف النفوس لتصريف بضائع غير مطابقة. وأكد مقاول سلامة عبدالستار والذي يعمل في قطاع البناء والتشطيبات أن الغش في بعض أدوات الكهرباء يمثل تحديًا حقيقيًا أمام المقاولين الجادين، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تقتصر على خسارة مادية، بل تمتد إلى سمعة المقاول وسلامة المشروع بالكامل.
وقال إن بعض الموردين يعرضون منتجات بأسعار أقل بكثير من السوق، ما يثير الشكوك حول جودتها، موضحًا أن الفارق أحيانًا يكون في سماكة النحاس داخل الأسلاك أو في جودة القواطع الكهربائية، وأضاف أن المقاول المحترف لا يغامر باسمه، لأن أي عطل كهربائي مستقبلًا سيُحمَّل له حتى لو كان السبب قطعة مغشوشة، كاشفا أن بعض العملاء يضغطون لتقليل التكلفة، ما يدفع بعض المقاولين غير الملتزمين لاختيار الأرخص دون التأكد من المواصفات، مبينًا أن هذا التوفير الظاهري قد يتحول إلى صيانة متكررة أو أعطال خطرة بعد فترة قصيرة.
وشدد على أهمية التعامل مع موردين معروفين، وطلب فواتير نظامية، والتأكد من وجود علامة المطابقة الصادرة عن الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة، معتبرًا أن الرقابة مطلوبة، لكن المسؤولية أيضًا مشتركة بين التاجر والمقاول والعميل.
تتبع السبب
من جهته أكد استشاري هندسة كهربائية شاكر الغامدي، أن استخدام أدوات غير مطابقة للمواصفات قد يؤدي إلى تماس كهربائي وحرائق وتلف أجهزة التكييف والثلاجات بسبب تذبذب التيار وارتفاع استهلاك الطاقة نتيجة ضعف الكفاءة. وأضاف أن الخطر لا يظهر فورًا، بل قد يتراكم مع الوقت، ما يجعل تتبع السبب صعبًا بعد وقوع الضرر.
الرقابة والمسؤولية
تخضع المنتجات الكهربائية في المملكة لرقابة الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة التي تضع اشتراطات فنية وعلامات مطابقة، إلا أن السوق الواسع وتعدد نقاط البيع قد يسمحان بتسلل بعض المنتجات المخالفة، خصوصًا في المحلات الصغيرة أو المستودعات غير المعروفة، في وقت يطالب فيه عدد من الفنيين بتكثيف الجولات التفتيشية، مع فرض عقوبات صارمة على المخالفين، إلى جانب توعية المستهلك بضرورة التأكد من وجود علامة الجودة السعودية وطلب فاتورة نظامية تضمن حقه في حال اكتشاف عيب.
وعي المستهلك
رفض خالد محمد أحد أصحاب محلات الأدوات الكهربائية تعميم تهمة الغش على الجميع، مشيرًا إلى أن المنافسة الشديدة وضغط الأسعار يدفعان بعض التجار للاستيراد من مصادر أقل تكلفة، لكنه شدد على أن التاجر الملتزم يحرص على التعامل مع موردين معتمدين حفاظًا على سمعته.
في المقابل، روى سيف الحربي أنه تعرض لاحتراق أحد المفاتيح الكهربائية بعد أشهر قليلة من تركيبها، ليكتشف أن المنتج لا يحمل أي شهادة مطابقة، رغم أن سعره لم يكن منخفضًا بشكل لافت.
ويقول أبو خالد، وهو صاحب منزل أنهى أعمال ترميم مؤخرًا، إنه لم يكن يتوقع أن فارق السعر البسيط قد يعني فارقًا كبيرًا في الجودة. مضيفا بعد أقل من ستة أشهر بدأت بعض المفاتيح تسخن عند التشغيل، واضطر لتغييرها بالكامل حيث اكتشف لاحقًا أن النوعية لم تكن مطابقة للمواصفات، أما أم محمد، فترى أن المشكلة تكمن في قلة وعي المستهلك، موضحة أنها أصبحت تسأل عن علامة الجودة وتطلب فاتورة مختومة بعد تجربة سابقة تعرضت فيها لتلف أحد الأجهزة بسبب قاطع كهربائي غير جيد.