تشهد منطقة البلد في جدة التاريخية حراكًا لافتًا، خلال شهر رمضان، مع تزايد أعداد الزوار من داخل المملكة وخارجها، في مشهد يعكس المكانة المتنامية للمنطقة كوجهة ثقافية وسياحية بارزة. وأسهمت مشاريع التطوير والترميم في إعادة الحياة إلى أزقتها العتيقة وبيوتها التاريخية، لتغدو "البلد" محطة أساسية لمن يبحث عن تجربة رمضانية تمزج بين أصالة التراث ونفحات الإيمان.
المطاعم التراثية
يقول عادل غلام، صاحب أحد المطاعم التراثية، إن المنطقة تتحول في ليالي رمضان إلى فضاء نابض بالحياة، يجمع العائلات والشباب والسياح في مشهد تتداخل فيه الثقافات واللغات. ويشير إلى أن الرواشين الخشبية والمباني التاريخية تكتسي بإضاءات رمضانية دافئة، فيما تفوح روائح الأكلات الشعبية من المطابخ والبسطات، لتعيد للأذهان تفاصيل الزمن الجميل. ويضيف أن النشاط التجاري يشهد ذروته بعد صلاة التراويح، حيث تمتد الحركة حتى ساعات متأخرة، وسط أجواء يسودها الفرح والتآلف.
تنظيم الحشود
من جانبها، توضح رهف سالم، المشاركة في تنظيم الحشود، أن وتيرة الإقبال ترتفع بشكل خاص خلال العشر الأواخر من الشهر، إذ تتدفق الجموع نحو الأسواق التاريخية مثل سوق العلوي وسوق الندى، إذ يقبل الزوار على شراء المشغولات اليدوية والمنتجات التراثية، إلى جانب توثيق زياراتهم بالصور أمام البيوت العتيقة التي تعود إلى قرون مضت. وتلفت إلى أن التجربة لا تقتصر على التسوق، بل تمتد إلى تذوق الأطباق الرمضانية الشعبية مثل السمبوسة والفول والبليلة، فضلًا عن العصائر التقليدية، فيما تحظى المقاهي التراثية بإقبال واسع من الشباب في أجواء اجتماعية يغلب عليها الطابع الودي.
تجربة الإفطار
بدوره، يؤكد يونس عباس أن الإفطار بين جنبات البيوت التاريخية بات تقليدًا سنويًا لعدد كبير من أهالي جدة وزوارها، لما يخلقه المكان من إحساس بالسكينة والانتماء. ويشير إلى أن أداء الصلاة في المساجد العتيقة يضفي بُعدًا روحانيًا عميقًا، خاصة أن البلد شكّلت عبر التاريخ محطة رئيسة للحجاج والتجار، ما يعزز حضورها في الذاكرة الدينية والاجتماعية للمدينة.
الجاليات الأجنبية
في سياق حضور الجاليات الأجنبية، أوضح الزائر الأردني طارق زكي، أنه يزور البلد للمرة الأولى خلال رمضان، واصفًا التجربة بأنها فاقت توقعاته من حيث الأجواء والتنظيم وغنى التفاصيل التراثية. وأكد أن أكثر ما شد انتباهه قدرة المكان على الجمع بين عبق التاريخ وروحانية الشهر الكريم، مشيرًا إلى أن الأزقة الضيقة والعمارة الحجازية الفريدة منحته شعورًا بالعودة إلى صفحات من تاريخ المنطقة.
وأضاف أن تنوع الزوار واختلاف جنسياتهم يعكس الجاذبية السياحية المتصاعدة للمنطقة، لا سيما مع إقامة الفعاليات الثقافية والبسطات الشعبية التي تقدم أطعمة رمضانية تقليدية. ولفت إلى أن تجربة الإفطار في الساحات المفتوحة وبين البيوت التاريخية كانت مختلفة ومفعمة بالألفة، حيث لمس حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة من الأهالي والتجار.
مكانة البلد
من جهته، يرى الباحث الاجتماعي عبدالرحمن الأحمدي، أن الفعاليات الرمضانية المقامة في الساحات العامة أسهمت في تعزيز مكانة البلد كوجهة ثقافية، من خلال تنظيم عروض للفنون الشعبية واستحضار ملامح الحياة القديمة في جدة. ويؤكد أن هذه الأنشطة تمنح الزوار تجربة تتجاوز حدود التنزه التقليدي، رغم ما قد يصاحب بعض الليالي من ازدحام، موضحا أن جدة التاريخية خلال رمضان تبقى مشهدًا متفردًا تتقاطع فيه الروحانية مع الموروث الثقافي، وتلتقي فيه الأجيال في فضاء واحد يستعيد حكايات الماضي ويقدمها بروح معاصرة، في تجربة رمضانية ثرية تستقطب المحليين والزوار من مختلف أنحاء العالم.