يشهد القطاع الصحي في المملكة مرحلة تحول غير مسبوقة؛ توسّع في المنشآت، إعادة هيكلة للتجمعات الصحية، تطوير لنماذج الرعاية، واستثمار كبير في جودة الخدمة وكفاءتها. لكن وسط هذا الحراك الإيجابي، يظل سؤال مهم يفرض نفسه بهدوء: إلى أي مدى ننجح في استيعاب خريجي التخصصات الصحية ضمن هذا المسار المتسارع؟
طاقات وطنية
بحسب بيانات الربع الرابع من عام 2024 الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، يبلغ معدل غيرالموظفين بين السعوديين الحاصلين على مؤهل دبلوم فأعلى في مجال «الصحة والرفاه» نحو 4.64%. ويضم هذا التصنيف الطب وطب الأسنان والتمريض والصيدلة والتخصصات الصحية المساندة.
قد تبدو النسبة محدودة عند قراءتها للمرة الأولى، لكنها حين تُترجم إلى أرقام تقريبية تعكس واقعًا يستحق التأمل.
فإذا افترضنا أن عدد السعوديين في سوق العمل من خريجي التخصصات الصحية يتراوح بين 250 ألفًا و300 ألف - وهو تقدير منطقي في ضوء التوسع التعليمي والمهني خلال السنوات الماضية - فإن ذلك يعني وجود ما يقارب 12 ألف خريج صحي خارج دائرة العمل، زيادة أو نقصانًا بحسب حجم القوة العاملة الفعلي.
هذا الرقم لا يُقرأ بوصفه أزمة، بل كإشارة إلى أن هناك طاقات وطنية جاهزة للعطاء، تنتظر فقط المواءمة المناسبة، فالمسألة في جوهرها لا تبدو نقصًا في الحاجة الصحية بقدر ما هي فجوة في التنسيق بين مخرجات التعليم وسرعة الاستيعاب الوظيفي، وبين توزيع التخصصات واحتياجات المناطق.
مشروع التحول
من الطبيعي في مرحلة التحول أن تظهر بعض الفجوات المرحلية، فالمنظومة الصحية تُعاد صياغتها تنظيميًا وتشغيليًا، والانتقال من نموذج إلى آخر يستغرق وقتًا حتى يصل إلى التوازن. لكن ما يميز هذه المرحلة أن أدوات المعالجة متاحة، والبيانات أوضح من أي وقت مضى.
قد يكون من المفيد التفكير في التخطيط للقوى العاملة الصحية بوصفه جزءًا أصيلًا من مشروع التحول، لا ملفًا منفصلًا عنه. فكما تُخطط الأسرة الصحية وفق احتياجات المجتمع، ينبغي أن يُخطط للتعليم الصحي وفق احتياجات المنظومة بعد خمس أو عشر سنوات. التخطيط الاستشرافي هنا لا يعني فقط تقدير عدد الوظائف، بل قراءة الاتجاهات: التوسع في الرعاية الأولية، زيادة الطلب على إدارة الأمراض المزمنة، التحول الرقمي، الرعاية المنزلية، والتخصصات الدقيقة.
كما أن تسريع برامج التدريب التخصصي والزمالات، وخلق مسارات انتقال مهني مرنة للخريجين الجدد، يمكن أن يخففا من الفجوة الزمنية بين التخرج والتوظيف. فبعض التأخير ليس نتيجة غياب الفرص، بل بطء في دورة الاستيعاب.
فرصة إستراتيجية
من الزوايا التي تستحق مزيدًا من الدراسة توزيع الكوادر جغرافيًا، إذ قد تتكدس الطلبات في المدن الكبرى، بينما تبقى فرص قائمة في مناطق أخرى تحتاج إلى حوافز أكثر وضوحًا لجذب الكفاءات، وهنا يمكن للحلول التحفيزية الذكية — سواء مالية أو مهنية — أن تُعيد التوازن.
إن التحول الصحي ليس مجرد إعادة تنظيم إداري، بل هو فرصة لإعادة التفكير في كيفية إدارة رأس المال البشري الصحي بكفاءة أعلى. وعندما ننجح في مواءمة التخطيط التعليمي مع الاحتياج الفعلي، ونسرّع مسارات الإدماج المهني، ونفتح آفاقًا أوسع أمام الكفاءات الوطنية، فإننا لا نقلل رقمًا في إحصائية فحسب، بل نعزز ثقة جيل كامل في مستقبل المنظومة الصحية.
المرحلة الحالية تحمل فرصة إستراتيجية حقيقية. وإذا أحسنّا استثمارها، فسيصبح كل خريج صحي إضافة فاعلة في مسيرة التحول، وكل وظيفة جديدة خطوة نحو نظام صحي أكثر توازنًا وكفاءة واستدامة.
* د. إبراهيم الحفظي
إستشاري - مدير صحة عسير الأسبق