عند الحديث عن الدولة السعودية الأولى (1139هـ - 1233هـ / 1727م - 1818م) وقيام ذلك الصرح السياسي الذي غير مجرى التاريخ ترد إلى الأذهان تلك الأحداث والمواقف البطولية، وتبرز شخصيات تاريخية وسياسية كان لها الأثر الكبير في وضع ذلك الأساس والنهج الذي تسير عليه المملكة، وإن كان للرجال دور البطولة فـي ساحات المعارك خارج الأسوار، فإن للنساء دور البطولة فـي بناء المجتمع داخل الأسوار.
الإحسان إلى المساكين
ووفقًا لدارة الملك عبدالعزيز في كتاب (يوم بدينا)، فإن من بين تلك النساء التي ذكرها المؤرخون بأنها ذات عقل ودين ومعرفة، موضي بنت سلطان أبو وهطان من آل كثير من بني لام، زوجة الإمام محمد بـن سـعود. ولدت في أوائـل القـرن الثانـي عشـر الهجـري/ أوائـل القـرن الثامن عشر الميلادي وإضافة إلى نظرتها الثاقبة ورؤيتها الحكيمة، يبدو أن موضي بنت أبـووهطان كانت متدينـة تحب الإحسان إلى المسـاكين ونفع عموم المسلمين ولعل الإمام عبـدالعزيز بن محمد حين بنى وقف مسجد وسبالة موضي في حي الطريف، كان يستذكر أعمال موضي الجليلة ويريد لها أن تستمر. وخصص هذا الوقف لخدمة الزائرين من مختلف الطبقات كطلاب العلم والتجار وغيرهـم من خارج المدينة، حيث وضع فيه أماكن لاستقبال الضيوف والدارسين في تلك الحقبة.
ومن النساء اللائي سجلن دورًا بطوليًا في مجتمع الدولة بارز في السعودية الأولى، تلك المرأة التي كان لها دور تلك الحقبة، وهي غالية بنت عبدالرحمن، من قبيلة البقوم التي تقطن في تربة وهي من بادية ما بين الحجاز ونجد، ذكر جوهان لودفيج بوركهارت في مذكراته أنها كانت أرملة لرجل كان من زعماء قبيلة البقوم، ومن المرجح أن يكون ميلادها في الربع الأخير من القرن الثاني عشر الهجري/ الربع الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي، وأشار بوركهارت إلى أنها سيدة معروفة بسداد الرأي، والمعرفة الدقيقة بأمور الحرب، وشؤون البادية التي تحيط بها. كانت غالية البقمية من مناصري الدولـة السـعودية الأولى ومؤيديها، وقد سخرت ثروتها وأملاكها لخدمة المدافعين عن الوطن والتصدي لحماة الدولة العثمانية المعتدية. كما عرفت أيضًا بالكرم، وكان بيتها مقصدًا للمحتاجين والفقراء وملجأ لرجالات الدولة السعودية الأولى المخلصين.
إكرام العابرين
من أبرز العادات والتقاليد لدى المرأة الكرم، ومن أبرز الأمثلة للنساء اللاتي اشتهرن بكرمهن وإيوائهن لعابري السبيل بين تلك جليلة بنت الأمير عبدالمحسن بن سعيد الدرعي، حيث أقامت استراحات وخانات للحجاج المارين بحجـر اليمامة ليرتاحوا بها مؤقتًا من عناء السفر ويتزودون من الطعام والشـراب. ولم تكتف جليلة بأن أمضت عمرهـا في إكرام العابرين والمارين باليمامة؛ بل أرادت أن يبقى أثرها إلى ما بعد وفاتها، فجعلت تلك الخانات التي أنشأتها وقفًا لله عز وجل في عام 960هـ/ 1561م، وقد عرف هذا الوقف باسم خان جليلة وقد حرف اسمه عبر الزمن إلى خان شليلة ثم خنشليلة حاليًا، وهي المنطقة الواقعة شرق منفوحة.
الأعمال المنزلية
اعتادت الزوجة أن تكون هي المتصرفة في شؤون البيت. ويكون وضع السكن مبنيًا على حالة الـزوج المادية، وعادة ما تكون الأعمال المنزلية لدى نساء الدرعية متشابهة، حيث يقمن بتنظيف البيت وترتيبه وغسل الملابس وحياكتها، كذلك تربية بعض المواشي والدجاج والطيور والاستفاده منها، ورعاية صغار الماشية وجمع الحطب وتقطيعه من أجل إعداد الطعام.
صنع الملابس
تستخدم في الدرعية المنسوجات القطنية لصنع ملابس الأهالي؛ إذ كانت الصناعات اليدوية في مراحلها البدائية، فكن نساء الدرعية يلبسن عادة نوعين من الثياب: الأول ثوب أو قميص يسمى الكرباس وهو مصنوع من القطن، ويفضلن اللونين الأخضر والأسود، ويجلب لهن من نواحي الأحساء والقطيف والبحرين وجوانب اليمن. والثاني ثوب مصنوع من الحرير عالي الجودة بألوان متعددة. وقد ذكر الريكي في كتابه لمع الشهاب أن الإمام عبدالعزيـز بن محمد كان يلبس زوجاته الكرباس الأسود، كما يلبسن أيضًا الخز الأحمر الذي يجلب لهن من أطراف حلب وبغداد. كذلك من الأزياء لدى نساء الدرعية ونجد العباءة القيلانية، وتلبس عادة عند الخروج أو عند الضيافة، وهي تصنع بنسبة محدودة في الدرعية والأحساء، ولكنها فـي الغالب تجلب من العراق. كما يلبسن الحرير الهندي الملون الذي تبلغ قيمته أحيانا عشرين ريالا.
ولبست زوجات الإمام سعود بن عبدالعزيـز الحرير الهندي المذهب بجميع ألوانه، ففي فصل الشتاء يلبسن البز، وهـو من أجود أنواع الحرير الذي يجلب من الشام، وفي فصل الصيف يلبسن البز. وتتزين نساء نجد في الغالب بالحلي المرصع بالجواهـر النفيسة مثل اللؤلؤ والياقوت والفيروز، فقـد كانت حلي زوجات الإمام عبدالله بن سعود الجواهر من الياقوت واللؤلؤ ونادرا ما يتزين بالذهب. وقد تلبس النساء الخلاخل في أقدامهن. ومن زينة النساء أيضًا الكحل والحناء حيث تصبغ به الأظافر وقبضة اليد، وترفع شعورهن بالضفائر المزينة باللؤلؤ والجواهر، ويتطيبن بعطر مصنوع من المسك والعنبر.
أصول الدين
لقـد تهيأت للدرعية بصفتها عاصمة الدولـة عوامل جذب سياسـية وعلمية واقتصادية وغيرها أسهمت فـي زيادة عـدد سكانها، وقد كان الجانب العلمي من أكثر جوانب الجذب فيها، مما أسهم بوجود تعليـم تثقيفي مبني على التلقين -إن صح التعبير- في الدرعية، أشارت بعض المصادر والمراجع إلى تعليم المرأة في الدرعية، مبينة حرص أئمة الدولة السعودية الأولى على تثقيفهن وتعليمهن أصول الدين، إذ قام الإمام محمد بـن سعود ببناء مسجد كبير فـي الدرعية تلقى فيه دروس على الرجال والنسـاء صباحًـا ومسـاءً، وقد واصل أئمة الدولة بعد الإمام محمد بـن سعود تثقيف العامة خصوصًا النساء، حيث بنى الإمام عبدالعزيز حول مسجد البجيري مجمعًا جعل فيه قسمًا للنساء يُلقي فيه الفقهاء دروس العلم والمعرفة فهناك من نساء الدرعية من تعلمن القراءة والكتابة، ونبغن في العلم، وأتقن الخط.
دكاكين صغيرة
تبلور الوضع الاقتصادي للمرأة في الدرعية على سد الحوائج وتوفير الضروريات على الرغـم من وجود بعض الصناعات والمهن الرجالية والمنتجات الزراعية التي أسهمت في ازدهار التجارة والاقتصاد محليًا وخارجيًا مثل صناعـة البنادق وبعـض الأسلحة المحلاة بالذهـب والفضة، وبيع التمور والألبان والصناعات الحرفية والجلدية وبعض المنسوجات القطنية والصوفية والملابس وغيرها وبيعها في الأسواق، وقد كان السوق في الدرعية «سوق الموسم» عبارة عن دكاكين أو مباسط صغيرة، وقد أشار ابن بشر في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) إلى ازدهار التجارة والبيع والشراء في الدرعية في عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز، وذكر أن هناك موسما للرجال في جانب وموسما للنساء في جانب. كما وضعت بعض النساء دكاكين صغيرة في منازلهن لبيع بعض الاحتياجات اليومية، وبعضهن حملن بضائعهن على رؤوسهن ومررن على بيوت الميسورين لبيع منتجاتهن، وقد عرفت هؤلاء النساء المتجولات بـ«الدلالة أو الجلابة». ومن الأنشطة الاقتصادية التي زاولتها المرأة الزراعة، ولكن في نطاق محدود لأن بعض الأمور تكون من اختصاص الرجل كالحرث والسقي وغيرها. وقد زاولت المرأة أيضًا في الدرعية خياطة الملابس من المنسوجات القطنية والصوف المستورد من المراكز التجارية القريبة. كذلك استفادت المرأة من سف الخوص، حيث يجمع جريد النخل، ثم يقص ويفرش على الأرض حتى يجف، ثم تصنع منه العديد من المنتجات البدائية، مثل: الزبان والمهاف والمحادر والمكانس وغيرهــا. ومن الأعمال التي أدتها المرأة لكسب المال جمع الحطب وتقطيعه وبيعه. وقد قامت المرأة ببيع بعض البهارات المختلفة مثل الفلفل، إذ قمن بتيبيسه ثم طحنه وخلطه مع الليمون الجاف ثم بيعه.
ألوان وتصميمات
على صعيد متصل، تميزت أزياء النساء في الدولة السعودية الأولى، بألوانها وتصميماتها وأقمشتها المختلفة بحسب كل منطقة.
ويمكن تقسيم الأزياء من حيث اختلاف نمطها وبيئتها المصدرة لها بحسب المناطق الرئيسة الخمس في الدولة السعودية الأولى، وهي المنطقة الوسطى، والمنطقة الشرقية، والمنطقة الغربية، والمنطقة الجنوبية، والمنطقة الشمالية، وهنا نركز على المنطقة الوسطى في الدولة السعودية الأولى إذ ارتدت النساء خارج المنزل قطعًا مختلفة، هي:
المخنق: لصغيرات السن، وهو قماش حرير شفاف من الشيفون أو التل يخاط بالكامل ما عدا فتحة تطوق العنق، تكون لإظهار الوجه.
الغدفة: وهي الشيلة التي ترتديها النساء لتغطية رؤوسهن، وتصنع من التل الخفيف كما يطلق عليها مسمى (المنيخل).
الغطوة: وهي قماش أسود مخصص لتغطية الوجه كاملًا.
البرقع: وهو غطاء لكامل الوجه باستثناء فتحة للعينين ويزين ببعض الحلي.
العباءة: وتصنع من الصوف الخشن، وتفصل بشكل مستطيل وتثنى من الجانبين من الجهة الأمامية، بعد ترك مسافة بين الطرفين؛ بحيث يلتقيان، وتسمى تلك المسافة بالجيب، وهو مكان وضع العباءة على الرأس، وليس للعباءة أكمام، بل فتحتان صغيرتان لليدين في أطرافها، ومن أنواع العباءات، العباءة القيلانية، وعباءة المعصمة، وعباءة دفة الماهود، وعباءة فيصول، وعباءة المرشدة.