تتصاعد الحرائق على الساحة الاقتصادية مع إعلان السياسات الجمركية الجديدة التي صاغها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يُعيد تشكيل معادلات الاقتصاد العالمي في وقتٍ تشهد فيه الأسواق تقلبات حادّة، هذا الإجراء العنيف يُفاقم التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي بعد جائحة كورونا، ويثير تساؤلات حول مستقبل النظام التجاري الدولي، الذي طالما اعتبر الاستقرار الأمريكي ركيزةً أساسيةً فيه.
تفرض السياسات الجديدة للمصروفات الجمركية التي أعلنها ترامب، ضغوطاً غير مسبوقة على الاقتصاد العالمي، حيث تمثل هذه الخطوة تحولاً دراماتيكياً في نظام التجارة الدولية الذي طالما ساد خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أشارت تصريحات اقتصاديين مرموقين إلى أن هذه التعريفات، التي ترتفع نسبتها إلى مستويات لم نشهدها منذ أوائل القرن الماضي، قد تؤدي إلى تأثيرات سلبية على الطلب العالمي، مع احتكاكٍ يصعب تجاوزه في سلاسل التوريد، التي تربط السوق العالمية. وتتبنى السياسات حمايةً للمصالح الصناعية الوطنية، لكنها تأتي بثمنٍ باهظٍ يتمثل في احتمالية دفع الاقتصاد، أمريكا والعالم، نحو ركودٍ اقتصادي جديد، وفقاً لـ"رويترز".
ويتفاقم المشهد مع توقع أن تنخفض القدرة الشرائية نتيجة احتكاكات تسويقية ترتفع فيها أسعار السلع المستوردة، مما يؤدي إلى انخفاض الطلب المحلي والعالمي على حد سواء. ومع كل هذا، يُشير المحللون إلى أن حجم التحولات القادمة قد يكون الأكبر في ظل عدم اليقين، الذي يكتنف العلاقات التجارية والاقتصادية الدولية، خاصةً أن التعريفات المفروضة لا تقتصر على قطاعات معينة؛ بل تغطي مئات الآلاف من المنتجات.
وفي ظل هذا السياق، تتشكّل صورة قاتمة لاقتصادات عدة، حيث ينذر الخبراء بمنعطفٍ حاسمٍ قد يحول دون استقرار الأسواق المالية العالمية، فقد حذّرت الأصوات الاقتصادية من أن استمرار هذه السياسات قد يضع عديداً من الدول، وبالأخص الاقتصادات الناشئة، تحت وطأة ضغوط الركود، مما يُلتمس أثره بوضوحٍ في تراجع معدلات النمو وانخفاض مستويات الاستثمار، وتبرز هذه التحذيرات مع ظهور توقعات باقية بأن تتأثر سلاسل الإمدادات العالمية بشكلٍ يصعب معه تحقيق استقرارٍ في الأسعار؛ ما قد يسهم في ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات تتجاوز الهدف الاقتصادي المأمول.
ويظهر بوضوح من تصريحات كبار الاقتصاديين، أن هذا الموقف العملي يُذكّرنا بحالة من عدم التوازن في النظام التجاري العالمي، إذ إن ارتفاع تكلفة التعريفات على الواردات يتسبّب في تأثيرات متبادلة معقدة؛ فقد تُهددّ الاستقرار الاقتصادي للدول الكبرى، بينما تعاني الدول الصغيرة ضربة مضاعفة نتيجة افتقارها إلى الأساليب "التحايلية" الفعّالة في مواجهة مثل هذه السياسات.
من جانبهم، أعلن بعض الدبلوماسيين ومسؤولي الحكومة في دول عدة إنهم ينظرون إلى هذه الخطوة الأمريكية على أنها تحدٍ للنظام المتعدّد الأطراف الذي أرسى أسس التجارة الحرة بعد الحرب العالمية الثانية. وقد تباينت ردود الفعل على مستوى عالٍ، حيث أثَار ترامب استياء كل من: اليابان وأوروبا وأستراليا، إذ وصف البعض هؤلاء التعريفات بأنها جرائم تجارية تؤدي إلى انهيار الثقة المتبادلة.
وتعد هذه التصريحات بمنزلة إنذارٍ مبكرٍ لموجة من الإجراءات المتبادلة قد تعمّ الأسواق في وقتٍ تحاول فيه الدول التعامل مع تبعات الركود المحتمل.
وأكّد المسؤولون نيتهم البحث عن حلولٍ فورية تخفّف من وطأة تلك السياسة على اقتصاداتهم المحلية؛ فتبدأ الدول بالنظر في خيارات إستراتيجية، منها تقديم طلبات للإعفاءات، ومحاولة إعادة علاقات التجارة بحكمة وإستراتيجية تعوّض التداعيات الخاطفة لهذه السياسة الأمريكية.
وتسهم التحركات الدبلوماسية في إيجاد مجالٍ للتفاوض؛ ما قد يكون حاسماً في تحجيم الآثار المنعكسة على الأسواق العالمية.
التحديات المرتقبة ليست مقتصرة فقط على التأثيرات الاقتصادية المباشرة؛ بل تمتد لتشمل المضاعفات الجيوسياسية، إذ إن فرض التعريفات بمعدلات استثنائية قد يُعيد ترتيب موازين القوى الاقتصادية الدولية، وينعكس ذلك على العلاقات الثنائية بين أمريكا ودول الشركاء التجاريين الرئيسين مثل الصين والاتحاد الأوروبي.
إن هذا الانزلاق في الاستقرار التجاري يضع الدول أمام معضلة إعادة التفكير في إستراتيجياتها الاقتصادية والدبلوماسية؛ إذ يتعيّن عليها الآن مواجهة خطر حدوث حرب تجارية شاملة تتسبّب في تقويض الثقة المتبادلة وتفاقم التوترات الاقتصادية والجيوسياسية على حد سواء.
ويقف الاقتصاد العالمي عند مفترق طرقٍ تاريخي مع تصاعد المخاوف من تأثير التعريفات الجمركية الأمريكية؛ كشرارة قد تُشعل فتيل تراجع اقتصادي عالمي.. فهل ستنجح مساعي الدول في استعادة التوازن الاقتصادي والدفاع عن مصالحها الوطنية في ظل هذه السياسات المتشدّدة؟