أوقف اتفاق دايتون للسلام الحربَ في البوسنة والهرسك قبل أكثر من ثلاثين عاما، محولا ميزان القوى في ساحة المعركة إلى دستور صُمم ليناسب قادة الجماعات الثلاث المتحاربة؛ وقد أُعِدّ ليكون حلا مؤقتا يتيح للبوسنة أن تغدو دولة فاعلة عبر الانتخابات والإصلاحات، ورغم مرور عشرة انتخابات عامة، لا تزال البلاد متماسكة، غير أن الانتخابات والإصلاحات الدستورية لم تحدث تغييرا يذكر.

عاد المواطنون للإدلاء بأصواتهم يوم الأحد، 4 أكتوبر/تشرين الأول، مستخدمين هذه المرة تقنية التحديد البيومتري لهوية الناخبين والفرز الإلكتروني للأصوات للمرة الأولى. ورغم أن الأنظمة الجديدة عملت بكفاءة، فإن النتيجة بدت مألوفة للغاية. ولفهم السبب وراء ذلك، يتعين علينا التمعن في الأجزاء الأربعة للعقدة المستعصية التي أحكم اتفاق دايتون ربطها عام 1995.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 لا نصر ولا مفاوضات.. محللون: هذا هو السبيل لوقف الحرب في السودان
* list 2 of 2 نيويورك تايمز: دبلوماسي أمريكي يتلاعب بمراسلات لتلميع صورة نتنياهو end of list

العقدة الأولى.. الانقسام العرقي المتأصل في بطاقة الاقتراع

يفوز الحزب أو المرشح الحائز على أكبر عدد من الأصوات في معظم الديمقراطيات، غير أن الأمور تتسم بتعقيد أكبر في البوسنة؛ فأولا، يعتمد تحديد المرشح الذي يمكنك التصويت له على مكان إقامتك، بينما تحدد هويتك الجماعية أهليتك للترشح للمناصب من عدمها. إذ تضم رئاسة الدولة ثلاثة أعضاء؛ يُنتخب اثنان منهم (بوشناقي وكرواتي) في اتحاد البوسنة والهرسك، وهو أحد كيانَي البلاد، بينما يُنتخب العضو الصربي في الكيان الآخر؛ جمهورية صربسكا.

فلا يستطيع الصربي المقيم في سراييفو التصويت لمرشح صربي، في حين لا يملك البوشناقي المقيم في بانيا لوكا سوى الاختيار من بين المرشحين الصرب، كما يُحرم اليهود والغجر، وأي شخص يرفض التصنيف العرقي، من الترشح مطلقا، وقد قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مرارا، بدءا من قضية سيديتش وفينتسي عام 2009، بأن هذا الأمر يمثل تمييزا.

ثانيا، يمتلك البوشناق -الذين يشكلون أغلبية كبيرة في الاتحاد- أصواتا تكفي لانتخاب العضو البوشناقي، إلى جانب عضو كرواتي ينتمي لحزب غير كرواتي. وهو ما أثار استياء في أوساط الكروات، وأدى إلى صعوبات في الحكم نتيجة استخدام حق النقض (الفيتو). وتجمع كافة الأحزاب على ضرورة الإصلاح، لكنها تختلف حول شكله؛ نظرا نظرا لأن أي تغيير من شأنه أن يعيد توازن السلطة، مما يحتم على أولئك المعرضين لخسارة السلطة أن يصوتوا لصالح هذا التغيير.

إعلان

ويمتد الانقسام إلى ما هو أعمق من المؤسسات؛ إذ تظهر نتائج الانتخابات منذ عام 1996 أن الناخبين لا يغيرون ولاءاتهم الحزبية إلا داخل مجموعتهم العرقية؛ فالصربي قد يصوت لأحزاب صربية مختلفة، لكنه يندر أن يصوت لحزب غير صربي. وبذلك، تمتلك البوسنة والهرسك فعليا ثلاثة أنظمة حزبية منفصلة.

ولا يزال السياسيون يبنون حملاتهم الانتخابية على إرث الحرب، لأن الماضي مادة رخيصة لا تتطلب برامج سياسية. ورغم أن الناخبين الأصغر سنا أقل اهتماما بهذا الأمر، فإن شعورهم بالانتماء العرقي يظل راسخا كآبائهم.

لا يضمن الفوز في الانتخابات في البوسنة بالضرورة القدرة على الحكم؛ فدستور دايتون يشترط تشكيل ائتلاف موسع من الأحزاب البوشناقية والكرواتية والصربية، وتمارس حقوق النقض (الفيتو) على المستويات كافة؛ إذ يستطيع أي عضو في رئاسة الدولة الطعن في أي قرار باعتباره إضرارا بالمصلحة الحيوية للسكان الذين يمثلهم

العقدة الثانية.. دولة ذات طوابق عديدة وموزعة بشكل غير متساو

تعتمد البلاد نظاما فدراليا معقدا وغير متماثل؛ ويخضع المواطنون -بحسب مكان إقامتهم- لسلطة تتألف من طبقتين إلى خمس طبقات، وتتمثل هذه الطبقات في الدولة، وكيانين، ومنطقة برتشكو وعشرة كانتونات في الاتحاد، فضلا عن المدن والبلديات. وتتولى مؤسسات الدولة في سراييفو رسم السياسات الخارجية والتجارية والنقدية وتحديد الضرائب غير المباشرة، لكنها تعتمد على الكيانات والكانتونات لوضع معظم هذه السياسات موضع التنفيذ. بينما تُنظم قطاعات التعليم والزراعة والرعاية الصحية والتوظيف، إلى حد كبير، في مستويات أدنى من الدولة، حيث يبرز التأثير القوي للعامل العرقي.

وفي ظل سوء تحديد الصلاحيات، ظلت آلية التنسيق على مستوى الدولة -التي أنشئت قبل عشر سنوات- معطلة إلى حد كبير، ويتربع على قمة هذا الهيكل مكتب المندوب السامي، الذي لا يزال يتمتع بصلاحية فرض القوانين وإقالة المسؤولين المنتخبين. ويشغل هذا المنصب حاليا نائب، لعجز الدبلوماسيين الأوروبيين والأمريكيين عن الاتفاق على اختيار خليفة له، كما تعلم السياسيون المحليون، بدورهم، سبل المناورة للالتفاف على هذا المكتب.

العقدة الثالثة.. أحزاب تعمل بوصفها وكالات توظيف

بسط كل من حزب العمل الديمقراطي البوشناقي (SDA)، وتحالف الديمقراطيين الاجتماعيين المستقلين الصربي (SNSD)، والاتحاد الديمقراطي الكرواتي للبوسنة والهرسك (HDZ BiH)، هيمنتها على كتلها طوال معظم العقود الثلاثة الماضية.

وتعتبر هذه الكيانات نفسها حركات وطنية لا مجرد أحزاب سياسية، ولا تستمد قوتها من أصوات الناخبين فحسب؛ إذ تعمد في مناطق نفوذها وحكمها، إلى توجيه المشتريات العامة، وتعيين مجالس إدارة الشركات المملوكة للدولة، والسيطرة على هيئات البث العامة. هكذا، تولد السلطة السياسية نفوذا اقتصاديا يُشترى به الولاء في الانتخابات اللاحقة، وهو ما يجعل المواطنين ينظرون إلى الفساد باعتباره مشكلتهم الأساسية.

وغالبا ما تتخذ القرارات الفعلية داخل مقار الأحزاب؛ فقادة الأحزاب -وليس الكتل البرلمانية- هم من يوجهون تصويت أعضاء البرلمان، كما يرفع مديرو الشركات العامة تقاريرهم إلى مقار الأحزاب جنبا إلى جنب مع مجالس إداراتهم. وتهدف هذه السياسات غير الليبرالية إلى البقاء في السلطة بأي ثمن.

إعلان

وما يسهل هذا المسعى هو الانقسامات العرقية؛ إذ لا يحتاج الحزب سوى لإقناع أبناء جلدته بأنه حاميهم الأفضل في مواجهة الآخرين، ليغدو الفساد وسوء الإدارة هما الثمن الذي يدفعه المواطنون لقاء الشعور بالأمن العرقي.

أسفرت انتخابات عام 2026 عن فائزين جدد على بعض المستويات، لكنها لم تحدث تغييرا جوهريا. فقد استعاد الاتحاد الديمقراطي الكرواتي للبوسنة والهرسك مقعد الرئاسة الكرواتي، في حين تصدر حزب العمل الديمقراطي المشهد في برلمانَي الدولة والاتحاد، مما يؤكد أن الأحزاب الممثلة للجماعات العرقية الرئيسية تظل ركيزة أساسية للحكم

العقدة الرابعة.. الإفراط في استخدام حق النقض العرقي

لا يضمن الفوز في الانتخابات في البوسنة بالضرورة القدرة على الحكم؛ فدستور دايتون يشترط تشكيل ائتلاف موسع من الأحزاب البوشناقية والكرواتية والصربية، وتمارس حقوق النقض (الفيتو) على المستويات كافة؛ إذ يستطيع أي عضو في رئاسة الدولة الطعن في أي قرار باعتباره إضرارا بالمصلحة الحيوية للسكان الذين يمثلهم. ويتيح نظام التصويت الخاص بالكيانات، داخل مجلس النواب التابع للدولة، لنواب أي من الكيانين عرقلة إقرار أي قانون.

كما يحق لمندوبي أي من الشعوب المكونة للبلاد، في مجلس الشعوب ونظرائه في الكيانات، التذرع بحماية المصلحة الوطنية الحيوية. وهكذا، تحولت حقوق النقض -التي صُممت في الأصل بوصفها مكابح طوارئ لحماية وجود كل مجموعة- إلى ورقة مساومة تستخدم في إقرار الميزانيات، والتعيينات، والتشريعات الروتينية؛ وهي قضايا لا تمت بصلة تذكر للعرق، بقدر ما ترتبط ارتباطا وثيقا بالمصالح الخاصة.

ولا تقل حقوق النقض غير الرسمية شيوعا عن نظيرتها الرسمية؛ فغالبا ما يكون مجرد التهديد كافيا، أو يعمد المشرعون ببساطة إلى المقاطعة للحيلولة دون اكتمال النصاب العرقي أو الكياني. ونتيجة لقدرة كل شريك على عرقلة ما لا يروق له، لا يُمرر سوى اليسير من القوانين.

وتزداد العقدة إحكاما كلما شعر أحد الأطراف بالغبن أو الخداع. فعلى سبيل المثال، ردت الأحزاب الكرواتية بانتهاج سياسة التعطيل بعد أن فاز جيليكو كومشيتش مرارا بمقعد الرئاسة الكرواتي مستندا، إلى حد كبير، إلى أصوات غير كرواتية؛ مما أسفر عن إدارة الاتحاد عبر حكومة تصريف أعمال لأكثر من أربع سنوات عقب عام 2018.

هل تستطيع انتخابات عام 2026 كسر هذه الحلقة؟ أسفرت انتخابات عام 2026 عن فائزين جدد على بعض المستويات، لكنها لم تحدث تغييرا جوهريا. فقد استعاد الاتحاد الديمقراطي الكرواتي للبوسنة والهرسك مقعد الرئاسة الكرواتي، في حين تصدر حزب العمل الديمقراطي المشهد في برلمانَي الدولة والاتحاد، مما يؤكد أن الأحزاب الممثلة للجماعات العرقية الرئيسية تظل ركيزة أساسية للحكم.

وسُجلت نسبة إقبال على التصويت تُعد الأدنى على الإطلاق؛ حيث بلغت نحو 42 % وفقا للنتائج الأولية، متراجعة من 51.5 % في عام 2022. ويعكس هذا، على الأرجح، مستويات الشفافية العالية التي كفلتها التقنيات الجديدة، فضلا عن حالة الإرهاق التي تعتري الناخبين، والتراجع السكاني غير المسجل في القوائم الانتخابية.

وبمجرد تأكيد النتائج في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، سيستغرق تشكيل 13 حكومة جديدة بعض الوقت؛ إذ تسفر العتبات الانتخابية المنخفضة عن برلمانات مشرذمة. فبعد عام 2022، تقاسم أربعة عشر حزبا 42 مقعدا فقط في مجلس النواب التابع للدولة. ويتطلب تشكيل حكومة الدولة توافق الأحزاب البوشناقية والكرواتية والصربية، كما لا يكتسب أي تشريع صفة القانون دون مصادقة مجلس الشعوب، الذي لا يختار مندوبوه إلا بعد تشكيل برلمانات الكيانات.

غالبا ما تتخذ القرارات الفعلية داخل مقار الأحزاب؛ فقادة الأحزاب -وليس الكتل البرلمانية- هم من يوجهون تصويت أعضاء البرلمان، كما يرفع مديرو الشركات العامة تقاريرهم إلى مقار الأحزاب جنبا إلى جنب مع مجالس إداراتهم. وتهدف هذه السياسات غير الليبرالية إلى البقاء في السلطة بأي ثمن

ولم يُصادق على مجلس الوزراء، عقب انتخابات عام 2022، إلا في يناير/كانون الثاني 2023. ويكمن السؤال المحوري هنا في مدى قدرة حزب العمل الديمقراطي على استقطاب شركاء بوشناق لاستعادة شراكته القديمة مع تحالف الديمقراطيين الاجتماعيين المستقلين والاتحاد الديمقراطي الكرواتي للبوسنة والهرسك، أم إن الأحزاب التي أقصته عام 2022 ستصمد في مواقعها.

إعلان

من ناحية أخرى، فإن انتخاب عضو رئاسي كرواتي يحظى بدعم الاتحاد الديمقراطي الكرواتي للبوسنة والهرسك يطوي صفحة تظلم قديم، مما ييسر تشكيل الحكومة. غير أن القادة الذين يقفون خلف الأحزاب الفائزة؛ وهم ميلوراد دوديك ودراغان تشوفيتش وباكر عزت بيغوفيتش، لا يمتلكون أي تفويض انتخابي. وهؤلاء هم من سيشكلون الائتلاف من خارج أروقة المؤسسات، مما يؤكد مجددا هيمنة الطابع غير الرسمي في السياسة.

ثم تبرز معضلة الخطابات القومية. ورغم أن تصريحات دوديك حول "البوسنة الميتة" اتسمت بنبرة تحريضية، فإنه قد يخفف من حدتها إبان مرحلة تشكيل الائتلاف، كما جرت العادة في الماضي. ويتجسد التغيير الأبرز في السياق الجيوسياسي الذي كان يساهم عادة في احتواء النزعات القومية.

فواشنطن وموسكو لا تبديان سوى اهتمام ضئيل برؤية بوسنة فاعلة، كما لا يمارس الاتحاد الأوروبي ضغوطا قوية. وإذا ما واجه هذا الخطاب مقاومة ضعيفة من الخارج وحظي بدعم في بلغراد، فإنه قد يشكل تهديدا متجددا بمجرد الانتهاء من تشكيل الحكومة.

أما التجديد الحقيقي فكان ذا طابع تقني بحت؛ إذ جعلت أنظمة التحديد البيومتري وماسحات الاقتراع الضوئية التلاعب وحشو الصناديق أكثر صعوبة، كما نشرت النتائج بوتيرة أسرع وبشفافية أكبر. وبذلك، فقدت الأحزاب سطوتها التي كانت تفرضها يوما على بعض مفاصل العملية الانتخابية. وهو أمر من شأنه أن يعيد ثقة المواطنين في نزاهة عملية التصويت ذاتها، وذلك على مدار دورة أو دورتين انتخابيتين قادمتين.

وختاما، فبينما تستطيع الانتخابات تغيير الأشخاص الجالسين حول الطاولة، فإنها لا تملك تغيير الطاولة ذاتها. فالإصلاح الدستوري يتطلب حوارا حقيقيا بين جيل جديد من المواطنين لتحديد ماهية الدولة التي يرغبون في العيش في كنفها. ويمكن للمداولات المجتمعية أن تسهم في إيجاد حلول تحظى بقبول المواطنين من الجماعات الرئيسية، لا قادتهم فحسب. وبعد ثلاثين عاما، لا يزال القادة المنتخبون عاجزين عن فك هذه العقدة المستعصية بأجزائها الأربعة، فهل حان الوقت لمنح جمعية من المواطنين الفرصة للمحاولة؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.